الجيش ينخرط في مسح التعدّيات على الأملاك البحريّة: استعادة الملك العام أم إمعان في تسليعِه؟


2023-11-13    |   

الجيش ينخرط في مسح التعدّيات على الأملاك البحريّة: استعادة الملك العام أم إمعان في تسليعِه؟

عقدت وزارة الأشغال العامة والنقل ومديريّة الشؤون الجغرافية لدى قيادة الجيش اللبناني، في تاريخ 2 تشرين الثاني 2023، مؤتمرا صحفيا، جاء لاختتام سلسلة من الاجتماعات التنسيقية التي عقدت فيما بين الوزارة والجيش، تبعاً لمذكّرة التفاهم الموقّعة بينهما بتاريخ الأول من أيلول 2023، والتي بموجبها تكلّف الجيش تنفيذ مسح شامل للأملاك العامة البحرية، والإشغالات القانونية القائمة والتعدّيات عليها. وقد تقرر تحديدا عقده في هذا اليوم إثر الاجتماع التقييمي لمسار عملية مسح المخالفات الحاصلة على طول الشاطئ اللبناني.

وقد أعلن وزير الأشغال، في حكومة تصريف الأعمال، علي حمية في المؤتمر الصحفي أن الجيش باشر عملية المسح بتاريخ 14 أيلول 2023 وأنه أنهى المسح الجوي لـ 150 كلم من أصل 220، وقد شمل أكثر من 120 منشأة ومرفقًا على طول الشاطئ اللبناني. وقد لفت وزير الأشغال لأهمية هذا المسح على المستوى الوطني، حيث ستعمد الإدارة بعد تسلّم النتائج النهائية للمسح الكامل للشاطئ، إلى تسييل المعلومات الرقمية التي رصدها الجيش، لتتمكّن مصلحة الأملاك البحرية ومديرية النقل البري والبحري، في مرحلة ثانية، من القيام بواجباتها القانونية بتكليف المالك، والتدقيق بالتجاوزات التي حصلت ليبنى على الشيء مقتضاه”، على حد تعبير حمية.

صورة من المؤتمر الصحافي

الجيش يرصد تعدّيات بآلاف الأمتار المربّعة

حصلت “المفكّرة القانونية” على نسخة من نموذج إصدار النتائج الذي يعتمده الجيش في توثيق المخالفات وهو يحمل تسمية “إفادة عن مسح أملاك عامة بحرية متاخمة لعقار خاص”. وينتظر وفق ما تمّ إعلانه في المؤتمر الصحفي أن توثّق هذه الإفادات للمرّة الأولى معلومات مفصّلة عن كل عقار سواء كان متاخما للأملاك البحرية أو معتديا عليها، من الناقورة جنوباً حتى العريضة شمالا، من دون أي استثناء. يتم هذا التوثيق على شكل بطاقة تعريفيّة شاملة، يُحدَّد فيها موقع العقار ومالكه وشاغله، ومعلومات عن نوع التعدّي على الأملاك العامة البحرية والمساحة التي يشملها بالمتر المربّع، مع المقارنة بالمسح الذي حصل عام 1996. ومن أهم أشكال التعديات المساحات المردومة، والخيم غير الثابتة، والمنشآت الثابتة، وسقف قرميد، ومسطحات مائية، أو خيم قش…. كما ستضم النتائج تخمينا لسعر المتر المربّع بالدولار الأميركي وفقا للمرسوم رقم 11258 تاريخ 18/4/2023.

إضافة لكل ذلك، ستُدرج معطيات حول مرتكبي التعدّي ووجهة استعمال المساحات المعتدى عليها أو أيضا حول وجود مرسوم إشغال للأملاك العامة البحرية أو عدمه. وستُرفق البطاقة بخارطة تُظهر حدود العقار والتعدي، بصور جوية فوتوغرافية حديثة لتوثيق وضعية كل رقعة من الشاطئ.

واللافت أن الوزير حميّة أشار بوضوح أنّ عددا هاما من التعديات مرتكب حديثا من الجهات الحائزة على مراسيم إشغال، بحيث يتجاوزون حدود المسموح بإشغاله وفق هذه المراسيم ليضعوا يدهم على مساحات إضافية قد تصل إلى آلاف الأمتار المربعة. “مش عم نحكي عن مترين وثلاثة وأربعة، عم نحكي عن آلاف الأمتار المربّعة”. بمعنى أن المسح لا يقتصر على المخالفات الحاصلة خلال حرب 1975-1990 أو السنوات التي أعقبتْها، إنما يشمل مخالفات حصلت في الفترات اللاحقة التي يفترض أن أجهزة الدولة كانت قادرة فيها على وقف المخالفات ومنع استمرارها,  

إلا أنه ورغم استهجان الوزير حجم المخالفات وخطورتها، فإنه سارع إلى توضيح الهدف من توثيق المخالفات: “الهدف مش نشيل التعديات، نحن مع القطاع الخاص والاستثمارات.. ولكن الدولة بدها مصرياتها!” ويعقّب سريعا: “مش جايين نسكّر القطاع الخاص.. لا بالعكس بدو تشجيع ودعم.. ولكن الأمور يجب أن تكون ضمن قواعد وأصول قانونية.”

3 ملاحظات على مبادرة الجيش  

على ضوء هذه المبادرة، أمكن تسجيل الملاحظات الآتية:

– أنها ليست المرة الأولى التي تبذل فيها وزارة الأشغال العامة جهدا لتوثيق المخالفات على الأملاك البحرية، حيث كانت وثّقت في 2001، أكثر من 1000 تعدٍ حصلتْ في معظمها خلال فترة الحرب من دون أن تتحرك النيابة العامة لوضع حدّ لها بحجة أن معالجتها تحتاج إلى وضع سياسات عامة، طالما أن هذه التعديات هي في معظمها مرتبطة بذيول الحرب. وإذ انتظرنا من ثمّ أكثر من عقد ونصف لوضع المشرّع يده على القضية بموجب القانون 64/2017 فاتحًا أمام الجهات المخالفة قبل 1994 بابا لمعالجة أوضاعها خلال مهل معينة مقابل تسديد غرامات، فإن عددا كبيرا من هذه الجهات لم تقدّم ملفات المعالجة خلال المهل القانونية التي مددت أكثر من مرة من دون أن يستتبع ذلك أي تحرك من أجهزة الدولة لملاحقة الجهات المخالفة أو على الأقل إزالة المخالفة, وحتى الجهات التي قدمت طلبات معالجة، فإن الغرامات المتوجبة عليها فقدت قيمتها بنتيجة انهيار العملة الوطنية قبل أن يتم استيفاؤها، فضلا عن أنه لم يتم بتّ أي طلب معالجة حتى اليوم. فهل تحمل مبادرة اليوم جديدا في هذا الخصوص في اتجاه حماية الأملاك العامة وحقوق الدولة أم سنكون أمام خيبة جديدة تنتهي كالعادة إلى تأبيد المخالفة؟     

– الأمر الثاني الذي يجدر التوقّف عنده، فيتمثل في توسيع مهام الجيش في مجال ضبط التعديات على الأملاك العامة والبيئة. وللدلالة على ذلك، يكفي التذكير بالدور الذي قام به الجيش في مسح الكسارات والمقالع وحجم استثمارها الحاصل منذ العام 2007 وحتى العام 2018. وقد تمّ إعلان نتائج هذا المسح في التقرير الصادر عن وزارة البيئة بالتعاون مع وكالة الأمم المتحدة للتنمية والذي قدّر التهرّب الضريبي والضرر البيئي الحاصل بنتيجة استثمار المقالع والكسارات بصورة غير قانونية بأكثر من 2.394 مليار د.أ, ويؤمل أن يشكل هذا التقرير اليوم قاعدة انطلاق لتحصيل أموال الدولة من الجهات التي أثرت على حسابها. ويرجّح أن تكون وزارة الأشغال والجيش يعملان هنا على استنساخ التجربة الحاصلة في مجال المقالع والكسارات لتطبيقها في ضبط مخالفات الأملاك البحرية. فكأنما الجيش بات بما يمثله من قدرة مؤسسة يؤمل منها تعويض الخلل الحاصل في الإدارات العامة كافة.    

– أخيرا، يجدر التوقف مجددا أمام الهدف المعلن من الوزير حمية لجهة أن الهدف ليس استعادة الملك العام أو إزالة المخالفة، إنما ضمان حقوق الدولة المالية. وإذ نفى تاليا أي نية في هدم أي من المخالفات، أعلن تمسّكه في تشجيع القطاع الخاصّ في النشاطات التي أقدم عليها شرط ضمان حقوق الدولة باستيفاء رسوم عادلة. ومن هذه الزاوية، عكس موقف الوزير استمرارا في النموذج الذي فرضته الحرب لجهة تجريد الشاطئ من طابعه كمساحة عامة وملك عامّ في اتجاه تسليعه وتحويله إلى مساحات تتحكم فيها مشاريع خاصة تديرها الشبكات السياسية الاقتصادية المهيمنة بصورة أو بأخرى. وعليه، وبدل العمل على استعادة الطابع العام للشاطئ مع جعل أي إشغال له استثنائيا وفق تصور الشاطئ ضمن القرار رقم 144 بشأن الأملاك العمومية والصادر في 1925، والمرسوم رقم 66/4810 بشأن نظام إشغال الأملاك العمومية البحرية، تبقى السياسات العامة ملتزمة بالنموذج الذي فرضته الحرب تحت شعار تشجيع المبادرة الخاصة من دون أي انتباه لحقوق المواطنين كافة بالتمتع مجانا بالمساحات العامة المتبقية له والبيئة أو حتى المصالح الحيوية التي يمثلها حفظ الشاطئ على صعيد السياحة والاقتصاد.

انشر المقال

متوفر من خلال:

أملاك عامة ، لبنان ، مقالات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية