الجلسة الرقابية الأولى لنواب لبنان منذ 8 سنوات (2): هكذا برر الحريري التوظيف العشوائي من دون مباراة: الأمن، الاستثناء، المحاصصة، وانتظروا خططنا للمستقبل

،
2019-04-15    |   

الجلسة الرقابية الأولى لنواب لبنان منذ 8 سنوات (2): هكذا برر الحريري التوظيف العشوائي من دون مباراة: الأمن، الاستثناء، المحاصصة، وانتظروا خططنا للمستقبل

بتاريخ 10/4/2019 عقد مجلس النواب جلسة مساءلة للحكومة هي الأولى من نوعها منذ 8 سنوات. وقد تميزت هذه الجلسة بالحضور الخجول للوزراء على الرغم من أن غايتها المساءلة الأمر الذي دفع بالنائبين حسن فضل الله وسيزار معلوف الى تسجيل اعتراض بالنظام على تغيب الوزراء سيما وأن “رئيس الحكومة لم يكن جاهزاً للإجابة على جميع الأسئلة”. كما تميزت أجواء الجلسة بالهدوء النسبي. تنشر المفكرة في معرض رصدها لأعمال المجلس النيابي تعليقات على إجابات الحكومة على الأسئلة المطروحة، تمهيدا لتقييم الدور الرقابي الذي أعلن رئيس هذا المجلس عزمه على تطويره خلال هذا العام. وفي هذا المقال، نتناول الأسئلة المطروحة بشأن التوظيف الفائض والذي تردد حصوله على نطاق واسع قبل الانتخابات النيابية في أيار 2018. واللافت أن هذا التوظيف والذي شمل آلاف الأشخاص حصل رغم حظر التوظيف المنصوص عليه في القانون 46/2017 وقد حصل في غالبه من دون المرور بمجلس الخدمة المدنية ومن دون مباراة؛ كل ذلك في موازاة تأخر الحكومة المتمادي في تعيين مئات الناجحين في الخدمة المدنية (المحرر).

هذا الموضوع طرح من قبل النائبة بولا يعقوبيان والنائب زياد حواط. فلفتت النائبة يعقوبيان إلى أن “وزير المال تحدث عن 5000 شخص تم توظيفهم قبل الانتخابات النيابية فيما الكل يجمع أن العدد اليوم بات يناهز 15 ألف تم توظيفهم خلافاً للقانون”. مشيرة إلى أنها لم تلقَ جواباً من الحكومة رغم أن سؤالها توجهت به منذ نحو تسعة أشهر. أما النائب حواط فسأل”إن كانت هناك حاجة فعلية لهؤلاء الموظفين؟” و”ما هو مصيرهم الآن بغض النظر عن العدد؟”و”كيف تم التوظيف وفقاً لأي مستندات”.

وقد جاء جواب رئيس الحكومة سعد الحريري هنا بمثابة ذر رماد في العيون. فكأنما الهدف من الجلسة ليس توضيح الحقائق أو إعطاء أرقام إنما إغراق المسألة في مجموعة من المسائل التي يؤمل منها إغلاق الملف من دون مساءلة أحد. وقد بدا ذلك واضحا من خلال ثلاثة معطيات تضمنها جواب الحريري، وهي الآتية.

الأول، اعتبار التوظيفات في الأساس توظيفات أمنية. الأول،  بحيث صرح أن “هناك 3000 دخلوا إلى الجيش اللبناني والقوى العسكرية، وأيضاً هناك في قوى الأمن الداخلي وأمن الدولة”. وقد أضاف أن “الجيش زاد العدد بسبب خروج الكثير من العسكر بتسريح مبكر فاستخدم الكوتا الخاصة به إضافة إلى بعض التطوير بالقوى العسكرية الأخرى”. وبذلك، بدا الحريري وكأنه يخرج المسألة من كونها مسألة ملف فساد انتخابي وتاليا غير شعبية ليحولها إلى مسألة تتصل بضرورات أمن المجتمع وتاليا إلى مسألة شعبية. وهذا ما شكك به رئيس المجلس النيابي نبيه بري الذي أفاد بأنه تلقى تقريراً من النائب ابراهيم كنعان جاء من”التفتيش المركزي ومجلس الخدمة المدنية يتضح منه أن هنالك أكثر من 4000 أو 5000 دخلوا إلى الوظيفة العامة”. وقد انهى بري حديثه بدعوة الحريري للتأكد من أرقامه. ف”الموضوع ليس موضوع 3000 واحد جاؤوا إلى هنا ولا موضوع الجيش ولا القوى الأمنية”.

الثاني، الاختباء وراء المسؤولية الجماعية لنفي المسؤوليات الفردية في تعيين أشخاص من دون المرور بآلية المباريات ومجلس الخدمة المدنية، أو أيضا في التأخر في تعيين الناجحين في المباريات المنظمة من هذا المجلس. وفي هذا السياق، شهدنا ما يمكن وصفه بتحول الحريري من رئيس حكومة إلى رئيس حزب سياسي، بحيث بدا وكأنه يولي العلاقة التشاركية التنافسية مع القوى السياسية الأهمية الكبرى مقابل تهميش مصالح المواطنين وحقهم بمطالبة الحكومة باحترام القوانين. وعليه، وبدل أن يصارح المواطنين بأرقام الأشخاص الذين تم توظيفهم في الإدارات العامة من دون المرور بمجلس الخدمة المدنية، إذا به يوجّه لوما واضحا إلى الأحزاب السياسية الأخرى التي تسعى إلى التنصل من مسؤوليتها من هذا الملف. وهذا ما نقرأه من قوله بأن الأحزاب جميعها الآن “رفعت يدها مدعّية أن لا دخل لها وأن أحداً لم يتحدث مع أوجيرو. لكن هذا غير صحيح “ما في حدا إلا وحكي مع أوجيرو ومافي حدا إلا وتدخل، ومافي حدا إلا وطلب أن يدخل الناس”. كما عاد في نهاية النقاش في هذا الشأن، وتبعا لاستفسار النائب بلال عبدالله عن سبب عدم تعيين الناجحين في دورات مجلس الخدمة المدنية، إلى القول بأن بأن”هذا الموضوع هو بصراحة موضوع سياسي أكثر منه قانوني وكلكم تعرفون ذلك”. ويتبدى من هذين التصريحين أن الحريري يشعر أن ما حصل هو من ضمن اللعبة السياسية المتفق عليها بين الشركاء في الحكم والبرلمان، وأنه ليس لأي من هؤلاء أن يسائله أو حتى ينكر اليوم اشتراكه في التعيينات الحاصلة من خارج مجلس الخدمة المدنية أو في التأخر الحاصل (أو اللاتعيينات) من بين الناجحين في مباريات مجلس الخدمة المدنية. وأسوأ ما في هذا الخطاب هو أمران: أولا، أن الحريري لم يعطِ أي أرقام ولو عامة بشأن التوظيفات الحاصلة في أوجيرو وذلك بخلاف ما فعله بما يتصل بالجيش والقوى الأمنية، مما أبقى عدد المستفيدين منها محل جدل، على نحو يناقض تماما قانون حق الوصول إلى المعلومات. ثانيا، أنه ذهب في موازاة اتهام القوى الحاكمة كافة بالسعي إلى التوظيف غير القانوني، إلى تبرئة ذمة إدارة أوجيرو (المحسوبة عليه) من أي مسؤولية. فهي رغم جميع التدخلات لإدخال المحسوبين على القوى السياسية، “لم تدخل إليها إلا العدد الذي تحتاج إليه”. وقد عزا التوظيف لكون المؤسسة” أبرمت عقوداً كبيرة جداً في “الفايبر أوبتك” وكانت بحاجة كي تقوم بـrolling out لهذه المشاريع وأن تقوم بتوظيف العديد من الأشخاص فقامت بتوظيف كوادر حتى تتمكن من تطبيق الخطة”. وعليه، بكلمة، يمكن اختصار كلمة الحريري كالآتي: “الكل مسؤول إلا إدارة أوجيرو، وبالتالي لا أحد مسؤول”.

ويبدو أنه كان لهذه الحجة صدى كبير داخل المجلس. ففيما توقعنا أن ينهض النواب الذين شاركوا في التحقيق في هذا الملف، ليبينوا أعداد الذين تم إدخالهم في الوظيفة العامة، لم يسمع أي اعتراض أو توضيح الدعوة التي وجهها بري للحريري بالتأكد من أرقامه والمشار إليه أعلاه.

الثالث، أن رئيس الحكومة أبدى مرونة فائقة في التعامل مع الضوابط الدستورية والقانونية، مستسهلا هو كما غيره، تجاوزها لصالح ما تتفق عليه القوى السياسية الحاكمة، ولو تم ذلك على حساب المواطنين والدولة كمؤسسات وكمرفق عام.

وعليه، وردا على التساؤلات بشأن توظيف آلاف الأشخاص رغم تضمين القانون 46/2017 حظرا على التوظيف، شهر الحريري الفقرة اللاحقة والتي تجيز لمجلس الوزراء تجاوز هذا الحظر استثنائيا. وبالطبع، جاءت هذه الإجابة من دون تبيان صدور أي إذن عن الحكومة في هذا الخصوص، أو عدد الذين شملهم الإذن، والأهم من دون تبيان مبررات الاستثناء. وقد كشف الحريري بذلك عن إحدى أكبر الحيل المستخدمة من قبل السلطة التنفيذية لتجاوز القوانين اللبنانية، وهي المرونة الفائقة في قبول الاستثناء إلى درجة يتحول معها الاستثناء إلى المبدأ والمبدأ إلى استثناء من دون البوح بذلك. وهذا ما نشهده بشكل منتظم مثلا مع منح رخص إشغال الأملاك العمومية البحرية على نحو يكاد يحول الشاطئ برمته إلى مجموعة من المنتجعات الخاصة، بما يخالف مبدأ استثنائية هذه الرخص المكرس في القرر 1925 بشأن الأملاك العمومية البحرية. واللافت أن الحريري لم يجد حرجا بعد الإدلاء بحجة الاستثناء، أن يدلي بحجة ثانية لا تقل رواجا في خطاب السلطة اللبنانية لتجاوز المحاسبة، وهي الحجة التي تدعو إلى تجاوز مخالفات الماضي والنظر إلى المستقبل. وهذا ما نستدل عليه من خلال إعلان الحريري أن ثمة خطة اليوم لتطبيق حظر التوظيف في القطاع العام، وقد قال حرفيا أن ثمة “اقتراحات عديدة في الحكومة اليوم أنه عوضا عن أن نطلب موظفين أن يحصل مناقلات وامتحانات داخل الإدارة حتى يتحول من موقع إلى موقع ونوقف التوظيف لمدة ثلاث سنوات ولكن هذه اقتراحات سنناقشها في الموازنة”. وهذا القول إنما يفضح تذرع الحريري بوجود استثناء، فكأنما الحكومة وافقت على هذا الكم من الاستثناءات من دون النظر في كيفية استخدام فائض الموظفين لديها في عدد من الإدارات العامة. يذكر أن الحكومة كانت أصدرت مرسوما في تموز من السنة السابقة (المرسوم رقم 3397) قضى باعتبار بعض العاملين في مجلس الجنوب (عمال التنظيفات ولجان الاستقصاء) من “الفائض”، وفق التعريف المعطى لهذه الكلمة بموجب المادة الثانية من المرسوم 5240 تاريخ 5\4\2001، مع ما يترتب على ذلك من نتائج. وقد ضمنت لهؤلاء الاستمرار في العمل لدى مجلس الجنوب وقبض رواتبهم إلى حين إلحاقهم بمراكز عمل جديدة. ولم يعرف فيما بعد ماذا حصل على هذا الصعيد.

وفي الاتجاه نفسه، ذهبت إجاباته بما يتصل بعدم توظيف الناجحين في مجلس الخدمة المدنية. فهنا، تنصل الحريري تماما من مبدأ المساواة في تولي الوظيفة العامة وحصر المناصفة الطائفية في وظائف الدرجة الأولى دون سواها ليعلن ان المسألة سياسية (المادة 95 من الدستور). وقد بدا من خلال ذلك وكأنه يقر بأولوية الممارسات غير الدستورية (فرض الكوتا في جميع الوظائف) على الدستور. وهنا أيضا، دعانا الحريري إلى نسيان الماضي وما يتخلله من أضرار ومسؤوليات والنظر إلى المستقبل. وهذا ما نستشفه من إعلانه عن وجود مفاوضات ومحادثات وحوارات في هذا الشأن لتجاوز الإشكال السياسي. وهذا ما استفز رئيس المجلس النيابي نبيه بري الذي سارع إلى وصف تصرف الحكومة على هذا الوجه بأنه غير دستوري على الإطلاق.

مقالات ذات صلة:

الجلسة الرقابية الأولى لنواب لبنان منذ 8 سنوات (1): الحريري واثق بقدرة لبنان على إنشاء محارق … وسكك حديد مثل أوروبا

انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد البرلماني ، لبنان ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية