التوثيق .. لحفظ الثورة التونسية


2019-02-04    |   

التوثيق .. لحفظ الثورة التونسية

لطالما نعتت الثورة التونسية بأنها “ثورة شبكات التواصل الإجتماعي”. حيث لعب نشاط مستخدمي هذه الشبكات، “فيسبوك” Facebook  و”تويتر” Twitter تحديدا، دورا مهما في إشتعال وامتداد الثورة. كان ذلك على مستويين، الأول هو “نقل المعلومة” والثاني هو “التحشيد”.

شرح الأستاذ الهاشمي بن فرج، أحد مؤسسي شبكة “دستورنا”، ذلك خلال حواره مع “المفكرة”، حيث أكد بأن احتجاجات الحوض المنجمي في 2008 التى وقعت في مدينة قفصة نتيجة الفقر والبطالة والتى أدت إلى عصيان مدني وسخط كبير على نظام زين العابدين بن علي فاقت من ناحية أعداد المحتجين الاحتجاجات الأولى للثورة التونسية التى وقعت في ولاية سيدي بوزيد. ولكن التضييق الإعلامي في ذلك الوقت قيّد تلك الاحتجاجات إلى حد كبير ومنع صداها من الإنتشار واسعا. يختلف هذا الأمر عن احتجاجات الفترة الأولى من الثورة. فمن خلال المبادرات الفردية والعفوية من تصوير وتدوين (blogging) لأحداث المعارك الدائرة بين “الثوّار” والأجهزة الأمنية للدولة في ولاية سيدي بوزيد، ومن بعدها في ولاية سليانة، ونشرها على شبكات التواصل الاجتماعي وتداولها بكثافة بين رواد هذا الموقع من خلال خاصية المشاركة share والإعجاب like، تمكنت من إحداث صدى في مختلف أصقاع الجمهورية التونسية. وبالتالي عززت الإحتقان الشعبي، خصوصا بين الشباب كونهم الأكثر إستخداما لهذا المواقع، دافعة بهم إلى الشارع للمشاركة الكثيفة في التظاهرات والمسيرات والاحتجاجات في العاصمة والولايات.

من جهة أخرى، تمكنت هذه المبادرات من لفت الأنظار الدولية نحو الأحداث في تونس. في الواقع، لم يكن هناك أي وسيلة إعلامية محترفة لنقل هذه الأحداث وتطوراتها. بل كان الاعتماد الأول لكل من الجزيرة وFrance24 وغيرها من الوسائل الإعلامية الدولية على المعلومات والفيديوهات والصور المتناقلة على شبكات التواصل الإجتماعي. وبالتالي تعزز تبني وصف الإحتجاجات بال”ثورة” من قبل الرأي العام الإقليمي والدولي، ما نقل شرارة الثورة التونسية إلى دول الجوار العربية، مثل ليبيا، ومصر.

نظرا لأهمية ما تم تداوله على هذه المنصات الإلكترونية خلال الفترة الممتدة بين 17 ديسمبر 2010 لغاية فرار الرئيس المطاح به زين العابدين بن علي نهار 14 جانفي 2011، عملت شبكة دستورنا منذ أواخر عام 2015 على جمعه بالتعاون الشبكة الأوروبية-المتوسطية في تونس والمعهد العربي لحقوق الإنسان. بدأ العمل بشكل سري خوفا من أي توظيف سياسي أو تشويه أو إخفاء للحقائق، لغاية مارس 2018، حيث تم الإعلان عنه في ندوة صحفية في المكتبة الوطنية.

لغاية اليوم، استطاعت شبكة دستورنا، من خلال فريقها المكون من باحثين وخبراء وناشطين حقوقيين، من جمع ما يقارب ال1200 فيديو و1100 صورة. كما تمكنوا من الوصول للتسجيلات الأصلية من خلال توصلهم للأشخاص الذي قاموا بهذه التسجيلات.

المثير للإهتمام، هو إتجاه هذا المشروع نحو تعزيز قدرة المؤسسات الرسمية “التوثيقية”. “هذا التوثيق ليس “جمعياتيا” بل يقصد بعمله التوثيق الرسمي تحديدا بمساعدة العمل الجمعياتي. في رأينا، تكمن أهمية المؤسسة الرسمية بكونها تحمي أرشيف الثورة من احتمالية الخضوع لأي تشويه أو تحريف بسبب توجهات شخصية أو سياسية أو حزبية أو إيديولوجية معينة أو إمكانية توظيفه لأغراض سياسية معين. فحفظه بين أيدي الأرشيف الوطني يجعله رسميا يخضع أولا وأخيرا للمؤسسة الرسمية وللحجة القانونية.” هكذا شرح “بن فرج” للمفكرة. لذلك تم التعاون مع مؤسسات وطنية رسمية عديدة منها المركز الوطني للتوثيق، مؤسسة الأرشيف الوطني التونسي، دار الكتب الوطنية، المعهد الوطني للتراث، المعهد العالي للتوثيق، المعهد العالي لتاريخ تونس المعاصر، المتحف الوطني بباردو ووكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية. كما يهدف المشروع إلى إبقاء الوثائق محفوظة داخل مؤسسة الأرشيف الوطني.

نشير هنا إلى أن فكرة هذا المشروع بدأت تتبلور في 2014 تزامنا مع عمل الباحث الفرنسي “جان مارك سلمون” الميداني الذي تخلله لقاءات عديدة مع ناشطين ووثائق جمعت كاملة في كتابه “29 يوما من الثورة، تاريخ الانتفاضة التونسية، 17 ديسمبر 2010 – 14 جانفي 2011 “. أوضح “بن فرج”، وهو صديق ل”سلمون” أنه “عام 2014 حاولنا الوصول إلى فيديو يتضمن مشهدا من أحد الإحتجاجات كان قد وضع خلال الثورة على موقع Dailymotion. للأسف، لم يتمكن أحد من الوصول إليه.” وأضاف “كان ذلك بمثابة ناقوس خطر حثنا على المضي قدما بمشروع التوثيق.”

يتم حاليا عرض جزء مما وثق في معرض “أربعطاش غير درج، الأوان التونسي” (أي قبل نهار 14، لحظة تونسية)، في المتحف الوطني في باردو نهار 14 جانفي 2019، تزامنا مع الذكرى الثامنة للثورة التونسية، ليستمر لغاية 31 مارس 2019. كما نذكر أنه سيحط رحاله بحصن «سان-جان» الملحق بمتحف حضارات أوروبا والمتوسط (ميسم) بمرسيليا بين شهريْ مارس وسبتمبر 2019، ليكون مستقره في متحف قصر السعيد، وهو قصر تونسي قديم كان تابعا للبايات، يقع في منطقة باردو في ضواحي العاصمة التونسية.

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، تونس ، حريات عامة والوصول الى المعلومات



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية