التعليم عن بعد في ظلّ الجائحة والأزمة: ضربة قاضية للحقّ في التعلّم للجميع


2021-02-04    |   

التعليم عن بعد في ظلّ الجائحة والأزمة: ضربة قاضية للحقّ في التعلّم للجميع
روان زبيب (8 سنوات) يجلس أمام الآيباد في منزله شرق بيروت، السبت 16 كانون الثاني، 2021. روان يدرس أونلاين منذ آذار 2020 بسبب انتشار فيروس كورونا. (داليا خميسي)

عام مرّ على انتشار جائحة كورونا وعلى بدء مسيرة التعلّم عن بعد في المدارس والجامعات الرسميّة والخاصّة بناء على توصيات وزارة التربية والإدارات الخاصّة للجامعات والمدارس، وتماشياً مع قرارات التعبئة العامّة والإقفال في لبنان من آذار 2020 حتّى اليوم. وبالرغم من مرور سنة، إلّا أنّ تجربة التعليم عن بعد لا زالت تلقى الانتقادات ذاتها، أمام وعود من وزارتي التربية والاتّصالات بتحسين التجربة، وهي وعود لم تتحقّق حتّى الآن.

ولا تنفصل تجربة التعلّم عن بعد عن الوضع الاقتصادي الذي يزداد سوءاً، بحيث أصبح الحقّ في التعلّم غير متاح للجميع لا سيّما الطبقات الفقيرة التي ارتفعت نسبتها إلى 55% من سكّان لبنان العام 2020 وفق دراسة للجنة الأمم المتّحدة الاجتماعيّة والاقتصاديّة لغربي آسيا (الإسكوا) أعدّتها في آب 2020.

وبالتأكيد لم يكن الحقّ في التعلّم، قبل وصول الجائحة وتدهور الوضع الاقتصادي، حقاً مكتسباً لجميع الطلّاب، بخاصّة طلّاب المدرسة الرسميّة والجامعة اللبنانية (اللتين ستكونان عيّنة البحث هذه المقالة) وحوالي 660 طالباً لم يتمكّنوا من تسديد القسط السنويّ للجامعة اللبنانيّة لعام 2019-2020، الذي يبلغ 450 ألف ليرة كحدّ أقصى، وذلك بسبب وضعهم الماديّ. ومن المتوقّع أن يكون العدد قد ازداد مع تردّي الوضع الاقتصاديّ هذه السنة. وفي ظلّ سيطرة الجامعات والمدارس الخاصّة على قطاع التعليم على حساب الرسميّة، تحت حجّة تردّي المستوى التعليميّ في الأخيرة، كان الأهل الميسورون ماديّاً غالباً هم الأكثر قدرة على تأمين التعلّم لأبنائهم وهو ما انسحب أيضاً على التعلّم عن بعد.

البنى التحتيّة والوضع الاقتصادي يهدّدان الحقّ في التعليم

لا زالت شكاوى الطلّاب، والأساتذة، والأهل هي نفسها منذ بدء الإغلاقات بسبب كورونا؛ أوّلها شكاوى تتّصل بالبنى التحتيّة (انقطاع الكهرباء)، وبقطاع الاتّصالات وخاصّة سوء خدمة الإنترنت تحديداً. كما ترافقت الجائحة التي فرضت التعلّم عن بعد أو أونلاين، مع تكاليف ماديّة إضافيّة ليس الجميع قادرين على تحمّلها، وجهداً نفسيّاً وذهنيّاً مضاعفين أيضاً، ما انتزع هذا الحقّ من طلّاب كثر غير قادرين على تأمين لابتوب أو باقات إنترنت، أو مساحات خاصّة للتعلّم في منازلهم، بخاصّة في عائلات محدودة الدّخل أو لديها أكثر من طالب وأحياناً أستاذ أو معلّمة، أمام وعود غير محقّقة من قبل وزارات الدولة بالنظر إلى الوضع الخاصّ الذي فرضته الجائحة على الأساتذة والطلّاب وأهاليهم.

تقول ريما وهي مدرّسة لغة عربيّة للأجانب في الجامعة الأميركيّة في بيروت، إنّها تواجه مشكلة في سرعة الإنترنت لأنّها تعيش في منطقة غير مغطّاة من قبل شركتي ألفا وتاتش المشغّلتين لقطاع الاتّصالات في لبنان، فتلجأ إلى شركات خاصّة بالإنترنت. ولا تقف مشكلتها هنا، فلديها ثلاثة أطفال في المدارس، بحاجة لاستخدام ثلاثة حواسيب في الوقت عينه، إضافة إلى حاجتها هي أيضاً إلى حاسوب. أمّا كريستينا التي تدرّس في منطقة شعبيّة، بعض طلّابها من الجنسيّة السوريّة والطبقات الفقيرة جدّاً، فتقول لـ”المفكّرة” إنّ عدد من يملكون أجهزة خلويّة قليل جدّاً في حين ينعدم عدد من يملكون حواسيب، وبالتالي يقتصر الأمر على إرسال المطلوب إلى الطلّاب عبر تطبيق واتساب فيشاهدونه أو يقرأونه فقط بدون أيّ تفاعل.

الوزارات وسياساتها عاجزة عن ضمان حقّ التعلّم للجميع

في ظلّ ازدياد العبء الماديّ المتمثّل في الحاجة إلى حواسيب أو باقات إنترنت لمتابعة التحصيل العلميّ في المدارس والجامعات، تغيب سياسة واضحة للسّلطة لدعم الأسر سوى بمبلغ 400 ألف ليرة لبنانيّة وزّعتها وزارة الشؤون الاجتماعيّة عبر الجيش اللبنانيّ على “العائلات الفقيرة”، وفق تصنيف غير واضح، ولا يأخذ بعين الاعتبار تزايد نسبة الفقراء، وغلاء المعيشة، وارتفاع سعر صرف الدولار في السّوق السوداء، الذي يجعل المبلغ الموزّع أقلّ من 50 دولاراً للعائلة الواحدة. وبالرّغم من المبلغ الضئيل، فإنّه لم يوزّع على جميع العائلات. وأكّدت وزارة التربية لـ”المفكّرة” بأنّها أمّنت جهاز كمبيوتر في كلّ صفّ من المدارس الرسميّة، حتّى يستطيع المدرّس متابعة التعليم عن بعد من الصفّ، علماً أنّ عدداً من الأساتذة والمدارس التي تواصلنا معها نفتْ وجود هذه الأجهزة لديها. وبالطبع لا يحلّ ذلك أزمة الأسر التي لا تملك القدرة على تأمين اللوجستيّات الأساسية للتعلّم عن بعد.

وأشارت وزارة التربية في إجابتها على أسئلة “المفكرة” أنّها والمعلّمون والمدراء والأهل استطاعوا أن يتكيّفوا مع المشاكل التقنيّة (الإنترنت تحديداً) في المناطق الريفيّة، إصراراً منهم على تحقيق التعلّم عن بعد بحسب القدرات والظروف المتاحة. وبالطّبع “التكيّف” الذي تتحدّث عنه الوزارة بعيد كلّ البعد عن أي معالجة جدّية تؤمّن هذا الحق رغم هذه المشاكل. فما زال طلّاب كثر في مدارس ريفيّة نائية غير قادرين على متابعة هذا التعليم بنسبٍ تصل إلى 50% في المدرسة الواحدة.

ففي إحدى المدارس الرسميّة النائيّة في قضاء الهرمل، يعتمد الأساتذة تطبيق واتساب كوسيلة بديلة عن المنصّة التي تعتمدها المدارس الرسميّة الأخرى، أوّلاً لأنّ الأساتذة فيها لم يتلقّوا التدريبات اللازمة، وثانياً، والأهمّ لأنّ عدداً كبيراً من الطلّاب لا تتوّفر لديهم الأجهزة اللازمة من هواتف ذكيّة أو لابتوب ولا اتصال بالإنترنت. ويعتمد عدد آخر من الطلّاب على هواتف أهلهم، فيتلقّون دروسهم لبضع ساعات كلّ أسبوع حين يُتاح لهم استخدام الهاتف. وفي أحيان كثيرة، يكون ذلك بعد عودة الأهل من عملهم مساءً.

في تلك المنطقة كما في مناطق أخرى تتشارك الظروف نفسها، تلعب الأوضاع الماديّة للأهل دوراً أساسيّاً في مصير تعلّم أبنائهم، فبعض الطلّاب لم يتجاوبوا مع التعلّم عن بعد منذ بداية العام الدراسي، وهم الطلّاب أنفسهم الذين يتغيّبون عن التعليم الحضوري لعدم قدرة أهاليهم على تحمّل أعباء إصابة أبنائهم بفيروس كورونا. وتقدّر نسبة المشاركة في تلك المدرسة بـ50%، وبالتالي يحرم أكثر من 50 طالباً من متابعة التعلّم، في حين لا يتلقّى الخمسون الآخرون التعليم بطريقة مناسبة.

والملفت أنّ وزارة التربيّة قللت في إجاباتها على أسئلتنا من أهمّية الدور الذي يؤدّيه تدهور الوضع المادي لطلّاب كثر في حرمانهم من حقّهم في التعلّم حيث اعتبرت أنّ: “الفوارق الاجتماعيّة موجودة أساساً في مجتمعنا، لكن التجارب السابقة علّمتنا أنّ التفوّق يخرجُ من البيئة الأكثر حاجة، نظراً لعزم الشباب على الدراسة والتفوّق لتحقيق أحلامهم وبناء مستقبلهم وتغيير حياتهم، بالعلم والتفوّق”.

ومنذ ظهور مشكلة بطء الإنترنت وعدم توفّره للجميع، وعد القطاع التربويّ بالسعي إلى تسريع الإنترنت وبباقات مخصّصة للطلّاب والأساتذة، من قبل وزارة الاتّصالات. ومنذ ذلك الوقت، أي منذ حزيران 2020 حتّى اليوم، لا تزال هذه الوعود غير محقّقة. وأوضحت وزارة التربية أنّها حاولت توفير باقات إنترنت كافية للتلاميذ بشكل مجانّي، “لكن وزارة الاتّصالات عبّرت صراحة عن عدم توافر الإمكانات الماليّة لتحقيق هذه الخطوة، نظراً إلى الحاجة للعملة الصعبة لسداد بدل اشتراك لبنان بالإنترنت”.

وعن مبلغ المليون ليرة الذي كان سيقدّم لدعم أهالي الطلّاب ذوي الصعوبات الماديّة، أشارت الوزارة إلى أنّ هذه المساعدة توقّفت لأسبابٍ سياسيّة، وأصبح هؤلاء الأهالي مشمولين ضمن مساعدة الـ400 ألف ليرة لبنانيّة.

عمل وجهد إضافيّان للأساتذة من دون حقوق ماديّة

ضاعف التعليم عن بعد الجهد الذي يبذله المدرّسون في العادة وهو أمر توضحه إحدى المعلّمات لـ”المفكّرة” حيث تتحدّث عن التعب والإرهاق اللذين أصبحت تعاني منهما، بعدما وصلت ساعات عملها إلى 12 ساعة يوميّاً ما بين التحضير أونلاين وتجهيز المعلومات وكتابتها، إضافة إلى “تعبئة البطاقات للوزارة وعدد الحضور والغياب والأهداف التي تقدّمها”.

وتشكو كريستينا، معلّمة متعاقدة منذ 13 عاماً في مدرسة رسميّة وزميلاتها من أوجاع في أجسامهنّ عند الوصول إلى نهاية الأسبوع، بسبب الضغط الكبير الذي يتطلّبه التحضير لتقديم الدروس على منصّة Microsoft teams. وتتضاعف مسؤولية المتعاقدين كغيرهم من الأساتذة مع تجربة التعليم عن بعد، ولكن تتقاضى المتعاقدة الأجر ذاته، ولا تناله قبل شهر نيسان من العام 2021 “عندها تكون العشرون ألف ليرة التي أتقاضاها قد فقدت قيمتها نهائيّاً”[1]، وذلك مع ارتفاع مستمرّ في أسعار السلع، وارتفاع سعر صرف الدولار. وتضيف كريستينا أنّ الأساتذة يعانون مع التلاميذ “ولكنّني أتعاطف مع الأهل ولا ذنب للطلّاب بما يجري، ولكن الجانب المادّي لا يساعدنا إطلاقاً”. كان من المفترض أن تزداد أجرة الساعة للمتعاقدين ولكن مع الغلاء “بات الأمر مستحيلاً”.

وأدّى قرار وزارة التربية في تخفيض عدد ساعات التعليم خلال الإقفال العام في كانون الثاني من العام 2021، إلى تخفيض ساعات المتعاقدين إلى النصف، ممّا يعني أنّ الأجر البسيط الذي يتلّقاه الأساتذة المتعاقدون مرّة أو مرتين في السنة، سينخفض، مع انعدام لقيمته المادية أمام ارتفاع الأسعار والأعباء المادية المذكورة سابقاً. وهذا أدّى إلى إضراب للأساتذة المتعاقدين خلال هذه الفترة من التعلّم عن بعد، علماً أنّ بعض المدارس تعتمد فقط على الأساتذة المتعاقدين.

وزادت تجربة التعليم عن بعد وضع بعض الأساتذة الوظيفيّ سوءاً. ومن بين هؤلاء فئة “المستعان بهم” وهم أساتذة ومعلّمات تلجأ إليهم وزارة التربية عادة للتعليم بعد الظهر للطلّاب النازحين، ولكنّها أيضاً استعانت بهم في ساعات التعليم ما قبل الظهر، والفرق بينهم وبين المتعاقدين أنّهم يتلقون معاشاتهم من مفوضية الأمم المتحدة العليا لشؤون اللاجئين. وتقول إحدى المعلّمات المستعان بهنّ، إنّ طلبات هذه الفئة ما زالت مهملة وغير موقّعة، منذ العام 2014، بحيث هم ليسوا “متعاقدين” أساساً. وتصف المعلّمة التي تدرّس في الصفوف الثانوية تسمية “مستعان بها” بالمقزّزة، فهي تتلّقى تحت هذه التسمية 20 ألف ليرة لبنانيّة مقابل الساعة الواحدة فقط، “مع العلم أنّنا نعمل كالمتعاقدين الذين يتقاضون 38 ألف ليرة[2]“. تضيف المعلّمة “حقوقنا أصبحت مهدورة بشكل مضاعف بعد العمل أونلاين، بالأجرة ذاتها”.

ومقابل شكاوى الأساتذة عن صعوبات التعليم عن بعد، بخاصّة أولئك الذين يصعب عليهم الانخراط السريع في المنصّات التقنيّة المستحدثة، تتحدّث وزارة التربية في إجاباتها على أسئلتنا عن “بساطة استعمال برمجيات وتطبيقات التواصل” التي “جعلت أفراد الهيئة التعليميّة ينخرطون في هذا التعليم بصورة أوسع”.

ما الذي فرضته الجائحة على المنهج التربويّ وأسلوب تقديمه؟

لا ينفصل ما تقدّم عن تقليص المنهج الدراسيّ لطلّاب المدارس والذي قامت به وزارة التربية مع بداية العام الدراسيّ 2020-2021، والإيعاز لبعض الأساتذة الجامعيّين لطلّابهم بالاكتفاء بالمحاضرات الموضوعة أونلاين. يطرح هذا الأمر إشكاليّة المنهج التربويّ المعتمد في الأساس في المدرسة والجامعة الذي من المفترض أن يهيّئ الطلّاب لدخولهم إلى سوق العمل، والعمل كأفراد ومجموعات على صعيد دولة. ولم تساهم تجربة التعليم عن بعد، على صعيد شامل -مع استثناءات- في إلغاء الصفة التلقينيّة للمنهج التربويّ في المدرسة وبعض الجامعات، حيث انتقلت المحاضرات الملقّنة والمعلومات المعلّبة من دون نقاش، من تلقين داخل الصفّ المدرسيّ، إلى وضعها على مواقع ومنصّات إلكترونيّة، يكتفي الطلّاب بالاستماع إليها، والحصول على مساعدة زملائهم أو أهلهم في إنجازها.

في الجامعات:

لا تظنّ فرح، طالبة علاقات عامّة في الجامعة اللبنانيّة الدوليّة، أنّ القسم الملغى في المنهج في تجربة التعليم عن بعد يمكن الاستغناء عنه في اختصاصها، بخاصّة ذلك الذي يتعلّق بالمعادلات وكيفيّة حلّها “لأنّها تحتاج إلى تحليل ودراسات وأمثلة عنها”. وقد اكتفى أحد أساتذة فرح بإرسال المحاضرة المطلوبة مع وظيفة لحلّها بدون شرح أيّ من الاثنين، ولا يمكن للطلّاب مراسلته سوى خلال ساعة واحدة في الأسبوع: “كانت هذه مادّة اللغة العربيّة وهي ضروريّة بالنسبة لي، فلم أستطع اكتساب أيّ معلومة جديدة”. وتشير طالبة كليّة الآداب في صيدا إلى أنّ تجربتها تختلف بحسب كلّ أستاذ، فبعضهم لا زال يقرأ الدروس أمام الشاشة مثل ما كان يفعل في التعليم الحضوري، وبعضهم نقل النقاش داخل الصفّ إلى منصّة teams.

وعلى صعيد آخر، يشكو حسين كطالب علاج فيزيائيّ في الجامعة الإسلاميّة من صعوبة اكتساب العمليّات التطبيقيّة في اختصاصه الذي يعتمد بشكل أساسيّ على التعامل مع المرضى. يقول حسين إنّ التطبيق صعب بحيث يجب أن يرافق الطالب شخصٌ ليرشده ويساعده، “ونحن ننتظر أن يفتتحوا دورات للتمرين على العمل التطبيقيّ نسبة لمعاناتنا مع البرامج من الناحية التقنيّة”.

في المدارس:

1. تعديل الأساتذة في المناهج وطريقة التقديم

يختلف أسلوب التعليم عن بعد بحسب كلّ أستاذ ومعلّمة، بحيث عدّل الأساتذة بدورهم على منهج المادّة المدرّسة وعلى طريقة تقديمها، فقامت معلّمة لغة أجنبيّة تحدّثنا إليها في الحلقة الدراسيّة الأولى بإلغاء قواعد اللغة وأكثرت من الحوارات والمصطلحات. وهي تعتبر الأمر الأهم في هذه التجربة هو وجودها مباشرة على التطبيق ومشاهدة التلاميذ لها، “ففي حال اختفاء الصورة، يفقد الدرس معناه والأطفال تركيزهم”. وتستغرب هنا اتّباع الصوت بدون الصورة من قبل بعض الأساتذة، لأنّه من الصعب الاعتماد على حاسّة السّمع فقط للتركيز.

تتحدّث معلّمة أخرى عن عدم تفاعل الطلّاب أثناء الدروس كإحدى سلبيّات التعليم عن بعد، “فيكون دورهم غير فعّال ضمن هذه العمليّة التي تتمحور حول دور الأستاذ أكثر”. اعتمدت هذه المعلّمة على نوعين من التعليم تراوح بين الطريقة التقليديّة التي كانت تعتمدها في التعليم الحضوري، والطريقة الحديثة التي تقتصر على اعتماد التكنولوجيا لتحقيق الأهداف؛ فالاعتماد على الطريقتين هو الأمر الذي يأخذ مجهوداً أكبر. بيد أنّها ترى أنّ التعليم عن بعد يبقى ذا فائدة مقارنة بالانقطاع الكامل عن التعليم. وتضيف المعلّمة أنّ المدرسة الرّسميّة لا تمتلك حتى اليوم الخبرات والأداء الصحيح للتعليم عن بعد، والتواصل مع التلاميذ يحصل عبر الصوت لا عبر الصورة والصوت. فتبقى المدارس الخاصّة أفضل من ناحية تحضير المعلمات والأساتذة وتزويدهم بالإنترنت ليكون الأداء كافياً لهذه المرحلة.

هذا التصريح يطرح مجدّداً فكرة المساواة في التعلّم بين جميع الطلّاب، التي تعتمد بشكل أساسيّ على القدرة الماديّة للأهل لتسجيل أولادهم في مدارس رسميّة أو خاصّة، وفي ظلّ عدم وجود سياسة واضحة للتعلّم عن بعد من قبل وزارة التربية التي اكتفت بتدريبات للأساتذة على استخدام منصّة Microsoft Teams، وطلب تقديم استمارات بأهداف الحصص وتحضيرها، من أساتذة المدارس الرسميّة تحديداً.

2. ماذا عن الأهل في تجربة أبنائهم طلّاب المدارس

تقول إحدى الأمّهات إنّ ابنتها في الصفّ الثامن أساسيّ قلّ استيعابها لبعض الموادّ، فاضطرّت -على غير عادة- إلى تعيين معلّمة خاصّة لتساعدها في المنزل في مادتيّ العلوم والرياضيّات. وتضيف أنّ نسبة تفاعلها تراجعت بحيث ترى الأسلوب والطريقة في التعليم سريعين: “الأساتذة يتكلّمون ويكتبون بسرعة، حيث يصعب تجاوب الطلّاب”.

وتصف أم أخرى تدعى ريما تجربة بناتها الثلاث مع الامتحانات “التي لا معنى لها”، بحيث يستخدم الطلّاب الإنترنت لمعرفة أجوبة الامتحانات وتقديمها، وتأتي علامات الأطفال مرتفعة في حين أنّ المستخدم هو أساليب غشّ جديدة. ويتعدّى الوضع ذلك إلى موضوع الضجّة الكبيرة وغياب التنسيق بين الأطفال، في حين أنّ التعلّم، برأي ريما، يكتسب عبر تعلّم الأطفال من بعضهم البعض. تعلّق ريما على طريقة بعض المدارس الخاصّة، حيث تتعلّم بناتها: “لا يمكن إجبار الطالب على البقاء جالساً في المنزل لمدّة سبع ساعات متواصلة، ولا يعقل أن يستيقظ الطالب قبل دقيقة من الصفّ”.

كمّ هائل من التوتّر، هو ما تشكو منه ريما وغيرها من الأهل، إضافة إلى خرق الخصوصيّات، “فأنا ملزمة بوضع حجابي خلال الحصص ووجودي مع ابنتي الصغيرة طوال النهار، بحيث يصبح دوامي من السابعة صباحاً حتّى السابعة ليلاً”.

وتتحدّث أماني وهي أم لولدين بسخرية أنّها “تبلي جيّداً في الدراسة”، في إشارة منها إلى أنّ الأهل تحوّلوا إلى أساتذة وتلامذة في آن معاً من خلال مرافقتهم أبناءهم أثناء تعلّمهم أونلاين ولاحقاً أثناء القيام بواجباتهم التي تحتاج أيضاً إلى وجود الأهل معهم في معظم الأحيان.

ويبقى قائماً موضوعُ دفع الأقساط المدرسيّة التي تزداد سنويّاً في المدارس الخاصّة، في حين أنّ الطلّاب يتابعون تعليمهم في المنزل بمساعدة أهلهم، ومن دون نشاطات أخرى، يرتكز قسط المدارس الخاصّة إليها.

خاتمة

إزاء كلّ ما تقدّم، تعتبر وزارة التربية التعليم عن بعد “مكسباً جديداً له محاسن كثيرة ومساوئ قليلة… إلّا أنّه يؤسّس لعصر تحوّل المناهج الكلاسيكيّة إلى مناهج تفاعليّة رقميّة يكون استخدام التكنولوجيا والإفادة من نتائجها ركناً أساسيّاً في المرحلة المقبلة”. وتضيف أنّه “مهما حاول البعض الآخر الاستغناء عن الحداثة فهو لا محالة واقعٌ في شباكها”.

وفي المقابل، تبقى شكاوى الطلّاب والأساتذة والأهل، في ظلّ انتشار كورونا ورداءة الوضع الاقتصاديّ، مؤشّراً لفروقات تعليميّة بحسب الأوضاع الماديّة للطلّاب. ويبقى “التعلّم عن بعد” ملحقاً بسياسة الدولة الفاشلة في التعامل مع الأوضاع في البلد، بحيث لا سياسة شاملة منظّمة له، بل تكتفي الوزارات المعنيّة بـ”ترقيع” العمل، من دون سياسة شاملة تحيط بكلّ جوانب التعليم عن بعد.

وفي ظلّ غياب ذلك، يصبح من الواضح أنّ التعليم، ومع ازدياد سوء الوضع الاقتصاديّ تدريجيّا، ليس حقّاً مكتسباً للجميع لا بل من الممكن أن يقتصر التعليم، إذا استمرّ الوضع على حاله، على العائلات الأكثر قدرة على تأمين الحاجات المادية والتقنية التي تتطلبها هذه التجربة الجديدة.

  1. يتقاضى المتعاقدون في التعليم الأساسي 20 ألف ليرة على السّاعة في حين تبلغ هذه القيمة 38.500 ليرة في التعليم الثانوي والقيمة ذاتها لساعة التعليم المهني.
  2. يتقاضى المستعان بهم في جميع مراحل التعليم 20 ألف على الساعة الواحدة.

 

انشر المقال

متوفر من خلال:

الحق في التعليم ، الحق في الصحة ، الحق في الصحة والتعليم ، تحقيقات ، جائحة كورونا ، حقوق الطفل ، قطاع خاص ، لبنان ، مؤسسات عامة ، مجلة ، مجلة لبنان



لتعليقاتكم