التعريف الدستوري لإسرائيل كدولة يهودية: المنظور الاستعماري الاستيطاني


2020-07-03    |   

التعريف الدستوري لإسرائيل كدولة يهودية: المنظور الاستعماري الاستيطاني

في صيف العام 2018، سنّ الكنيست الإسرائيلي "قانون أساس: إسرائيل الدولة القومية للشعب اليهودي" وهو قانون دستوري يكرّس الصّبغة اليهودية لإسرائيل كدولة "قومية" (والقوانين الأساس هي بمثابة قوانين ذات صفة دستورية). يشدّد قانون الأساس الجديد على مبادئ مثل حق تقرير المصير لليهود في إطار الدولة الإسرائيلية، وعلى أهمية كون "القدس الكاملة والموحّدة هي عاصمة إسرائيل" وعلى رموز الدّولة مثل العلم والنشيد الوطني. كما أنّه يتطرّق إلى بعض الرّموز الثقافية والدينية مثل اللغة العبرية والتقويم العبري والأعياد اليهودية، ويرسّخ أهمية الهجرة اليهودية والاستيطان اليهودي في فلسطين التاريخية. هذه  المبادئ والقواعد هي أصلاً جزء من القانون الإسرائيلي منذ عقود، سواء على شكل تشريعات سنّها الكنيست أو عن طريق قرارات المحاكم التي تشكّل القانون العرفي في إسرائيل (common law). 

لم يُدخل قانون الأساس الجديد أيّ تغيير جوهري على القيم الدّستورية أو الحقوق أو رؤية الدولة لنفسها أو علاقتها بمواطنيها، بل سرد في صفحة واحدة بعض تفاصيل الوضع القائم التي تعدّ من المسلّمات في السياسة الإسرائيلية وتحظى بإجماع واسع حتى في الأوساط الأكثر ليبرالية. إلّا أنّه أثار عاصفة من ردود الفعل المحلّية والدولية تباينت بين المنددة والمعارضة والمؤيّدة. وكانت هذه العاصفة نفسها غريبة بعض الشيء، فإسرائيل كانت قبل أن يُسنّ هذا القانون دولة يهودية من الناحية الدستورية. 

يُعدّ قانون الأساس الجديد تلخيصاً للوضع الحالي، لكنّه لا يجيب على أسئلة جوهرية كمعنى الدّولة اليهودية، وكيف من الممكن أن تكون "يهودية وديمقراطية" كما ينصّ التعريف الدستوري المتّبع. سوف تجيب هذه المقالة على هذه الأسئلة مرتكزة على محورين: المحور الأول يتناول المعنى القانوني لتعريف إسرائيل دستورياً كدولة يهودية كما فسّرته المحكمة العليا الإسرائيلية، أما المحور الثاني فسوف يتطرق إلى العلاقة بين الدولة وتعريفها والاستعمار الاستيطاني.

 

معنى الدولة اليهودية

ماذا يعني أن تعرّف دولة ما نفسها بصفات دينية أو إثنية؟ بل وأن يشدّد قضاتها في قراراتهم على أنّ هذا ليس مجرّد توصيف بل هو جوهر الدولة ومنطق وجودها. الإجابة على هذه الأسئلة تبدأ من النظر إلى الماضي والواقع السياسي ولا تبدأ من القانون. فهذا التعريف هو عملية قوننة أو حتى دسترة (أي إضفاء صيغة دستورية) للصهيونية التي كما أقرّ المؤتمر الصهيوني الأول في بازل في العام 1897 هدفها "إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين". فهي إذاً، من منظور الحركة الصهيونية وفكرها، ليست كباقي دول المنطقة التي تعدّ عربية أو مسلمة لأنّ غالبية سكّانها عرب أو مسلمون، بل دولة يهودية لأنّها أُسّست كدولة لليهود وهذا منطق وجودها.

يترتّب على هذا المنطق مبادئ عدّة تُشكل بحسب أبرز المنظّرين (مثل أهارون باراك وروث غافيزون وأمنون روبينشتاين) مضمون يهودية الدولة. ليست هذه المبادئ بطبيعة الحال موضع نقاش نظري فحسب، بل كونها تصبّ في تعريف الدولة، أصبحت تشكّل أسئلة قانونية ودستورية تتدخّل المحاكم في تفسيرها ولها  تبعات عديدة خاصة بالنسبة للفلسطينيين. لخّصت المحكمة العليا الإسرائيلية هذه العناصر الأساسيّة التي تُبلوِر الحدّ الأدنى من متطلّبات الدولة اليهوديّة، كالتالي: "…عناصر ذات جانب صهيونيّ وجانب تراثيّ معاً… وفي صلبها [ماهيّتها] يقع حقّ الشعب اليهوديّ في القيام بـِ"علياه" (هجرة اليهود) إلى دولة إسرائيل، وأن يشكّل اليهود فيها أغلبيّة؛ وتكون العبريّةُ اللغةَ الرسميّة الأساسيّة للدولة، وأعيادها الرئيسيّة ورموزها تُمثّل نهضة الشعب اليهوديّ القوميّة؛ وميراث إسرائيل هو مركّب مركزيّ في ميراثها الدينيّ والثقافيّ".[1]

على رأس هذه المبادئ إذاً هو أن يهودية إسرائيل هي تعبير عن حق تقرير المصير لليهود، وعليه فهي "الوطن القومي لكل يهودي". ويتلخّص البعد العملي لهذا المبدأ في أنّ لكلّ يهودي، كيهودي، الحق في الهجرة والاستيطان في إسرائيل. هذا أيضاً يعني العمل على خلق غالبية يهودية والمحافظة على هذه الغالبية. بطبيعة الحال، تحتاج هذه الغالبية إلى بعد جغرافي لكي تستوطن فيه، وعليه، فإنّ أحد عناصر الدولة اليهودية هو مبدأ "خلاص الأرض" (أي "تخليص" الأرض من الملكيّة الفلسطينية) وتشجيع اليهود على استيطانها. على الصعيد الثقافي، فإن أحد معاني يهودية الدولة هو هيمنة الصبغة اليهودية على الحيّز العام، سواء أكان ذلك من ناحية اللغة، أو العطل والأعياد الرسمية التي هي جميعها إما دينية أو متّصلة بالتاريخ اليهودي. كذلك الأمر بالنسبة لرموز الدولة الرسمية التي تعكس التاريخ اليهودي.

 

الدولة اليهودية كتجسيد للاستعمار

لكنّ إقامة دولة مخصّصة لمجموعة ما على أرض لا تنتمي الغالبية العظمى من سكّانها لهذه المجموعة يُحتّم على الأقلّ أمرين: الأول إزالة الشعب الموجود على هذه الأرض، والثاني توطين مجموعة أخرى على الأرض عوضاً عن السّكان الذين تمت إزالتهم. وهذا باختصار هو تعريف الاستعمار الاستيطاني – نوع من الاستعمار الذي يقوم منطقه في الأساس على منطق الإزالة. وقد رأى الفلسطينيون الاستيطان الصهيوني في فلسطين التاريخية كحالة استعمارية منذ بداياته. وتماشى هذا التشخيص مع الوضع القائم في منتصف القرن العشرين وبداياته حيث كانت غالبية مناطق آسيا وأفريقيا ترزح تحت الاستعمار. وبالرغم من أنّ جميع بلدان المنطقة العربية كانت تحت نوع من الاستعمار (بمسمّياته المختلفة) كان هناك فارق كبير بين نوعية الاستعمار الصهيوني في فلسطين والاستعمار الأوروبي في سائر المنطقة . وأشار قسطنطين زريق إلى هذا الفارق في كتابه "معنى النكبة" الذي نشر في آب/أغسطس 1948، إذ شدّد على أنّ الاستعمار ومشاكله في البلدان العربية المجاورة لفلسطين "لا توازي الصهيونية خطراً وبعد أثر، إذ أنّ ما تمثّله من استعمار وعبودية شرّ زائل يوماً، مهما بعدت أيامه وطالت جذوره. أما الاستعمار الصهيوني، فغايته استبدال وطن بوطن، وإفناء قوم ليحلّ محلّه قوم آخر: هو الاستعمار العاري المجرّد بأوضح ألوانه وأفظع أشكاله".[2]

يتمحور هذا النوع من الاستعمار الذي يسمّيه الباحثون بالاستعمار الاستيطاني (settler colonialism)  حول الأرض والسيطرة عليها. ولكي يتمكّن المجتمع المستعمِر من السيطرة على الأرض، يجب عليه أولاً إزالة المجتمع الأصلي واستبداله بمجتمع مستوطنين يُبنى على أنقاض المجتمع الأصلي. ومنطق الإزالة هذا، كما يذهب أهم مُنَظِري الاستعمار الاستيطاني باتريك ولف، هو جوهر هذا النوع من الاستعمار.[3] وتتخذ الإزالة، في هذا السياق، مناحٍ عدّة. فهي تشمل أعمال القتل والإرهاب والترحيل، لكنها لا تقتصر عليها أو على العنف، إذ أنّ الإزالة وإلى حد بعيد هي في جوهرها سياسية وثقافية، تستهدف السّكان الأصليين كمجتمع له ثقافته واقتصاده ومنظومته السياسية. وهنا يؤدّي العنف دوراً مهمّاً، لكنّه ثانوي نسبة للهدف المنشود ألا وهو إزالة المجتمع الأصلي كوحدة ثقافية وسياسية قد تهدد سيطرة مجتمع المستوطنين على الوحدة الجغرافية ونظام الحكم فيها. الاستعمار الاستيطاني هو أيضاً عامل أساسي في الدولة التي نشأت نتيجة له. وبالتالي فهو ليس بالحدث العابر أو جزءاً من الماضي بل هو جزء من هيكلية أي دولة أو مجتمع قام على أساس الاستعمار الاستيطاني بمعنى أنّ سياسات تلك الدول والقوانين التي تُمكّن من تبنّي هذه السياسات تسعى دائماً إلى إعادة إنتاج الحالة الاستعمارية بطرق مختلفة وبصور شتّى تتأقلم مع التغييرات.[4] هذا هو الحال فيما يخصّ السياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية وغزة وفي مناطق الـ48 أيضاً.

لقد كان هذا المنطق الاستعماري الذي هو تعبير عن الفكر الصهيوني، موجوداً في كلّ النّصوص القانونية منذ تأسيس إسرائيل.[5] فمن الممكن رؤيته جليّاً في "إعلان قيام الدولة" التي هي وثيقة سياسية – دستورية تحتوي على سرد تاريخي وتعلن بعض مبادئ وقيم الدولة. وهذه الوثيقة التي تعلن وفقاً لقرار التقسيم قيام دولة حوالي نصف سكّانها آنذاك من الفلسطينيين، تزيل الفلسطينيين من التاريخ. فهي تتغنّى بالتاريخ اليهودي وقيام الحركة الصهيونية ونشاطاتها وإنجازاتها، ولا تتطرّق لأيّ وجود فلسطيني في هذه السردّية. فالصورة التي يرسمها هذا الإعلان هي أنّ الأرض التي بدأ المستوطنون اليهود استيطانها فارغة وقاحلة، بحاجة لمن يستوطنها ويحييها من اقفرارها. ويفرّغ الإعلان الأرض من غالبيّة سكانها ويعلنها terra nullius، وهو مصطلح لاتيني يعني بالعربية "الأرض التي لا تتبع لأحد". وكان هذا المصطلح، وما يحمله من معانٍ، أحد أهم المبرّرات القانونية للسيطرة على الأراضي من خلال الاستعمار، خصوصاً الاستيطاني الذي يحلّ به مجتمع المستوطنين مكان المجتمع الأصلاني. بكلمات أخرى، يُقصد من المصطلح أنّ الشعوب التي تسكن هذه الأرض لا ترتقي إلى درجة الحضارة الأوروبية، ولذلك لا تمتلك كمجموعة تلك الحقوق التي يملكها الأوروبيون، مثل السيادة على أرضها. وبهذا التمهيد، تمّ محو الفلسطينيين، سكان البلاد الأصليين الذين كانوا يشكّلون الغالبية العظمى من السكان عام 1948، تمهيداً لإنشاء شعبٍ جديدٍ من المهاجرين على أرض فلسطين. وتطرّق الإعلان مرّة واحدة للفلسطينيين، أو كما سمّاهم: "السكان العرب في أرض إسرائيل" بوصفهم معتدين في سياق حرب عام 1948.

الاستعمار إذاً هو جزء أساسي في صميم  مبدأ الدولة اليهودية. وإذا كان إعلان قيام إسرائيل هو تعبير معنوي عن منطق الاستعمار عن طريق السرديّة التي يتبنّاها، فإنّ مبدأ الدولة اليهودية نفسه، وعلى كافة القيم والمعاني التي يحملها، أصبح تجسيداً قانونياً للفكر الاستعماري ومنطق الإزالة. فالإزالة الجسدية المادية حصلت على نطاق واسع في مرحلة النكبة، لكن لمبدأ الإزالة شق آخر – (فعلي) يركّز على موضوع بناء المجتمع الاستيطاني كمجتمع مسيطر على الدولة الاستعمارية. هذا البناء يأخذ طرقاً عدة. فالسرديّة والقيم التي يتبنّاها إعلان الدولة مثلاً هي جزء من هذا الشق الفعلي، حيث أنّ هذا الإعلان هو بمثابة القصة الرسمية للدولة التي سوف تصبح مرجعاً دستورياً بالإضافة إلى بُعدها السياسي. وفي مركز هذا البناء هو أنّ الدولة هي دولة يهودية، وهذه الفكرة هي أحد تجليّات الاستعمار سياسياً وقانونياً، تُترجم على أرض الواقع لتفتيت الوجود الفلسطيني وبناء مجتمع المستوطنين.[6]

يمكن رؤية هذا الأمر في قوانين الجنسيّة والهجرة. فالمنطق الرئيسي الذي يحكم هذه القوانين هو التوازن الديمغرافي ونسبة عدد الفلسطينيين إلى عدد اليهود لضمان الغالبية اليهودية التي هي جزء من يهودية الدولة حسب تفسير المحكمة العليا الإسرائيلية. ووفقاً لهذا المنطق، يعدّ قانون الجنسية (الصادر عام 1952) امتداداً للنكبة، حيث أنّه ينزع الجنسية عن اللاجئين الفلسطينيين كافة، ويعطيها للفلسطينيين الذين بقوا في أرضهم وفقاً لشروط صارمة من ضمنها إثبات الفلسطيني لوجوده بشكل غير منقطع لمدة أربع سنوات. كذلك الأمر بالنسبة لتشريعات أخرى تهدف إلى الحد من عدد الفلسطينيين الذين يحملون الإقامة أو الجنسية الإسرائيلية، كقانون الجنسية والدخول إلى إسرائيل الصادر عام 2003 الذي يمنع فعلياً مصادقة طلبات لمّ الشمل بين الفلسطينيين الذين يحملون الهوية الإسرائيلية والفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة.[7]

 أما بالنسبة إلى اليهود، فالقانون الرئيسي الذي يتعلّق بالهجرة هو قانون العودة الصادر عام 1950. ولا تكمن أهمية هذا القانون فقط في كونه قانون هجرة، فبحسب المحكمة العليا، هو:

"أحد أهمّ القوانين في إسرائيل إن لم يكن أهمّها… وهو قانون دستوري في جوهره… هذا هو المفتاح لدخول دولة إسرائيل، وهو تعبير عن حقيقة أن إسرائيل هي ليست دولة ديمقراطية فحسب، بل دولة يهودية أيضاً. هذا القانون هو حجر الأساس لصفة الدولة كدولة الشعب اليهودي… هو تعبير عن حق الشعب اليهودي بتقرير المصير".[8]

 

هذا القانون إذاً هو تجسيد لفكرة بناء المجتمع الاستيطاني. فلا يسهّل القانون الهجرة فحسب، بل يقوم ببناء الشعور بأنّ الوجود والدخول إلى الأرض هو حقّ أساسي يستفرد به اليهود دون سواهم. وشدّدت المحكمة على هذا الأمر عندما وصفت كلمات المادة 1 من القانون (التي تنصّ على أنّ "لكلّ يهودي الحق بالهجرة إلى البلد") بأنّها تجسيد مختصر لكل النظرية الصهيونية بل وربطها أحد القضاة بوعد ربّاني "الذي يوجد ويترسّخ في الكود الجيني اليهودي من بدأ العالم".[9]

يتجلّى البعد الاستعماري لمبدأ يهودية الدولة في القوانين التي تحكم التمثيل السياسي في البرلمان أيضاً. فمع أنّ الحق في الترشّح للانتخابات هو حق دستوري منصوص عليه في قانون أساس – الكنيست، إلّا أنّ هذا الحق محدود ومقيّد بعدد من القيود المنصوص عليها في قوانين وقوانين أساس دستورية الطابع. فالبند 7-أ لقانون أساس: الكنيست، (الذي سنّ عام 1985) يمنع ترشّح أيّ فرد أو حزب إذا ما كانت أهدافهم أو أفعالهم، صراحة أو ضمناً، تتضمّن "نفي وجود دولة إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية" (البند 7-أ(1))، أو "تحريضاً للعنصرية" (البند 7-أ(2))، أو "دعم كفاح مسلّح من قبل دولة معادية أو منظمة إرهابية ضد دولة إسرائيل" (البند 7-أ(3)). وتطبيقاً لهذه القاعدة، وفقاً للبند 57 (ط-1) لقانون انتخابات الكنيست (صيغة مدمجة) – 1969، (وهو القانون الذي ينظّم الأمور الاجرائية التي تتعلق بالانتخابات) على كل مرشّح في الانتخابات أن يصرّح كتابياً بأنّه "يتعهّد بأن يكون مخلصاً لدولة إسرائيل، وأن يمتنع عن العمل بما يتعارض مع مبادئ البند 7-أ من قانون أساس الكنيست". هذا التصريح هو شرط للترشّح. أما قانون الأحزاب، فيتضمّن في بنده الخامس أُسساً مشابهة لرفض تسجيل حزب سياسي. ونفي يهودية الدولة ودعم كفاح مسلّح ضدّها هما الشرطان الأكثر تأثيراً على الفلسطينيين، إذ أنّهما أدخِلا في القانون خصيصاً من أجل الفلسطينيين. فتعريف الدولة كدولة يهودية يعني بالضرورة دونية غير اليهود في الدولة وحصرهم في مواطنة من الدرجة الثانية، أما دعم الكفاح المسلح فهو يعني استهداف التضامن بين الفلسطينيين في إسرائيل والفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة والشتات والمحيط العربي.[10]

لم تمنع هذه القوانين الفلسطينيين من الترشّح والفوز في الانتخابات، ففي غالبية الحالات التي تقوم فيها لجنة الانتخابات المركزية بمنع ترشّح حزب أو شخص ما، تقوم المحكمة العليا بإلغاء هذا القرار. وعادة ما يتم ذلك بقرارات تستنتج فيها المحكمة بأنّه لا يوجد أدلّة كافية لمنع الترشّح، مع إضافة تحذير للمرشح أو الحزب بأن تصريحاتهم خطيرة جداً وقريبة جداً من الخطوط الحمراء حتى وإن لم تتخطّاها.[11] لكن وجود هذه التقييدات يدلّ على بعدها السياسي والاستعماري. ففي جوهره يرسم قانون أساس – الكنيست حدود الإجماع الصهيوني والآراء السياسية المسموحة بالنسبة للفلسطينيين في إسرائيل. يعني هذا الحد، إذا ما نظرنا إلى الموضوع بشكل أوسع، إقصاء المواطنين الفلسطينيين سياسياً وضمان عدم قدرتهم على ممارسة أيّ عمل برلماني من شأنه تحدّي الواقع السياسي أو تغييره.

لكن حتى وإن كان هناك متّسع للعمل السياسي في البرلمان لإحداث تغيير جدّي، فإنّ مبدأ يهودية الدولة من شأنه منع أيّ عمل كهذا. فأيّ تغيير جدّي سوف يسعى بالضرورة إلى تحدّي أسس الواقع الاستعماري وانعدام المساواة، أي تحدي تعريف الدولة كدولة يهودية وتغيير القوانين التي تترجم هذا التعريف إلى سياسات. هذا يعني إحداث تغييرات تشريعية تلغي الامتيازات التي يحظى بها اليهود على كل المستويات. ومع أنّ أيّ توجّه كهذا هو توجّه مستحيل سياسياً، إلّا أنّه أيضاً مستحيل قانونياً. فالنظام الداخلي للكنيست يمنع طرح أيّ مشروع قانون من قبل الأعضاء إذا رأت رئاسة الكنيست أنّه "ينفي وجود إسرائيل كدولة الشعب اليهودي، أو إذا كان عنصرياً في جوهره" (المادة 75 (هـ) للنظام الداخلي). بل يذهب التحصين الدستوري لمبدأ يهودية الدولة أبعد من ذلك. فحتى إذا كانت هناك غالبية مطلقة في الكنيست لتعديل قوانين الأساس التي تنصّ على تعريف الدولة  كدولة "يهودية وديمقراطية"، فإنّ هذا التعديل الدستوري، كما قررت المحكمة العليا الإسرائيلية مرات عدّة، هو "تعديل دستوري غير دستوري"، لأنّه يتناقض مع المبادئ الدستورية الأساسية لنظام الحكم. [12]  أيّ أنّ مبدأ يهودية الدولة لا يمكن تغييره بشكل ديمقراطي.

 

بين "اليهودية" و"الديمقراطية"

يرى البعض أنّ وجود "ديمقراطية" إلى جانب "يهودية" في التعريف الدستوري للدولة من شأنه أن يوازن بين التوصيفين بحيث تكون الدولة في المحصّلة هي دولة ذات صبغة يهودية مع نظام حكم ديمقراطي. لكن يهودية الدولة، كما ذكر سابقاً، ليست مجرّد صفة أو صبغة، بل هي جوهر الدولة أو كما سمّته المحكمة "الكود الجيني للدولة".[13] ومع أنّ إسرائيل تقيم انتخابات دورية وتعطي جميع المواطنين الحق في التصويت والترشّح، إضافة إلى الحقوق المدنية، إلّا أنّ هذه الحقوق تظلّ منقوصة بالنسبة لفلسطينيي 48 لأنّ طغيان الجوهر اليهودي للدولة يترجم إلى امتيازات لا يتمتّع بها الفلسطينيون. فوجود بعض العناصر الديمقراطية لا يجعلها دولة ديمقراطية. كما يوجد تناقض بين عنصري التعريف، فالديمقراطية تعني بالضرورة المساواة في الحقوق والمشاركة السياسية، بينما العنصر الآخر يعني أنّ لليهود مركزاً خاصاً وامتيازات خاصة.

حاول العديد من المفكّرين والسّاسة والقضاة الإسرائيليين التوفيق بين العنصر "اليهودي" في التعريف والعنصر "الديمقراطي" وطرح رؤية ليبرالية لهذا التعريف. إلّا أنّ هذه المحاولات ترتكز بالأساس على محاولات تدليس تعيد تعريف الديمقراطية أو المساواة لتوفيقها مع فهم معيّن "ليهودية" الدولة لا يعكس الوضع القائم. تركّز هذه المحاولات على التفريق بين مصطلح الشعب لمجموعة مدنية من الأفراد تعيش في دولة، والتي تشمل جميع المواطنين في إسرائيل، والمجموعة القومية والتي تشمل اليهود فقط. وعليه فإنه ما دامت الدولة تعطي جميع المواطنين حقوقهم الفردية كأفراد، فإنّ ذلك يحقق مبدأ المساواة التي تقتضيها الديمقراطية. أما على مستوى الجماعات فإنّ الجماعة الرئيسية التي تملك حق تقرير المصير والحقوق القومية هي اليهود فقط. وعليه فإنّ لليهود كمجموعة الحق في التمتّع ببعض الامتيازات التي تقتضيها الحقوق القومية مثل الحق في الهجرة والاستيطان في إسرائيل، ولا مانع إذا ما فضّلت الدولة مصالح اليهود على مصالح فئات أخرى. [14] تتجاهل هذه المحاولات البنية والواقع الاستعماريين للدولة وتتبنى تعريفات وتفسيرات وحجج أكروباتيكية لتبرير الواقع الاستعماري. ومع ذلك، تلقى هذه الطروحات رواجاً واسعاً في الأوساط الليبرالية في إسرائيل وخارجها. [15]

 

خاتمة – نحو فهم أعمق

مع أنّ مفهوم الدولة اليهودية هو بالضرورة مفهوم قانوني (حيث أنّه من أهم المبادئ الدستورية الإسرائيلية)، إلّا أنّه لا يمكن فهمه ووضعه في سياقه إلّا إذا قاربناه من زاوية غير قانونية. فالمصادر القانونية قد تشرح لنا هذا المفهوم وموقعه في النظام القانوني، إلّا أنّنا بحاجة لفهم أعمق يصل المفاهيم القانونية بالواقع السياسي، وبحاجة إلى فهم يتعدّى التوصيف إلى تحليل يربط بين القانون والسياق السياسي والتاريخي، ويفسّر كيف يقوم القانون بترجمة المبادئ السياسية إلى سياسات عامة وآليات تبرير هذه السياسات. من هنا، لا بدّ من مقاربة مفهوم الدولة اليهودية كمفهوم يرتبط بشكل عضوي بالاستعمار الاستيطاني بل وكتجسيد له وأداة  تُستعمل بشكل دائم لتبرير الواقع الاستعماري الذي يعامِل الفلسطينيين كغرباء في أرضهم. هذا التحليل الذي يعتمد الاستعمار الاستيطاني كعدسة لرؤية القانون وفهمه ينطبق أيضاً على المناطق المحتلة عام 1967، إذ أنه لا يمكننا فهم القانون وآليّات عمله بدون التطرّق إلى الاستعمار. كذلك الأمر بالنسبة لموضوع اللاجئين الفلسطينيين. ومن خلال هذه المقاربة، يمكننا فهم بعض المسائل القانونية التي لا ترتبط بالضرورة بشكل مباشر بيهودية الدولة، وفهم بعض الديناميكيات الداخلية للمجتمع الإسرائيلي، وعلاقة القانون بالاستعمار، والواقع الذي يعيشه الفلسطينيون في ظل هذه العلاقة. 

 

 

 


* أستاذ محاضر في كلية الحقوق في سيتي، جامعة لندن، صدر كتابه The Dynamics of Exclusionary Constitutionalism: Israel as a Jewish and Democratic State في العام ٢٠١٧ عن  دار النشر Hart Publishing.

[1] مصادقة انتخابات ٠٣/٥٠ (٢٠٠٣). لجنة الانتخابات المركزيّة ضدّ طيبي وآخرين، قرار حكم ٥٧(٤)١، ٢٢.

[2] قسطنطين زريق، معنى النكبة، بيروت، دار العلم للملايين، ١٩٤٨، ص.٢١.

[3]  Patrick Wolfe, Settler-Colonialism and the Transformation of Anthropology: The Politics and Poetics of an Ethnographic Event (London and New York: Cassel, 1999).

[4]  Patrick Wolfe, “Settler-Colonialism and the Elimination of the Native” Journal of Genocide Research 8(4) (2006): 387.

[5] Mazen Masri, "Colonial Imprints: Settler-Colonialism as a Fundamental Feature of Israeli Constitutional Law." International Journal of Law in Context 13 (3) (2017): 388.

[6] Mazen Masri, The Dynamics of Exclusionary Constitutionalism: Israel as a Jewish and Democratic State (Oxford: Hart Publishing, 2017).

[7] Mazen Masri, "Love Suspended: Demography, Comparative Law and Palestinian Couples in the Israeli Supreme Court", Social & Legal Studies 22 (3) (2013): 309.

[8] محكمة عدل عليا ٩٩٢٥٩٧ (٢٠٠٥)  طوشبايم ضد وزير الداخلية، قرار حكم ٥٩(٣) ٧٢١، ٧٣٣.

[9]محكمة عدل عليا ٠٨١٠٢٢٦ (٢٠١٠) زفيدوفسكي ضد وزير الداخلية، الفقرة ٤.

[10] Mazen Masri, The Dynamics of Exclusionary Constitutionalism: Israel as a Jewish and Democratic State (Oxford: Hart Publishing, 2017).

[11]  انظروا مثلاً مصادقة انتخابات ٠٣/٥٠ (٢٠٠٣). لجنة الانتخابات المركزيّة ضدّ طيبي وآخرين، قرار حكم ٥٧(٤)١.

 [12] محكمة عدل عليا ٠٢ ٦٤٢٧ (٢٠٠٦) الحركة لجودة الحكم في إسرائيل ضد الكنيست (لم ينشر)؛ محكمة عدل عليا ١٠٤٩٠٨  (٢٠١٠) بار أون ضد الكنيست (لم ينشر). انظروا أيضاً  Mazen Masri, ‘Unademendability in the Israeli Constitutional Order: A Critical Perspective’, in Richard Albert and Bertil Emrah Oder (eds), An Unconstitutional Constitution? Unamendability in Constitutional Democracies (Springer, 2018) 169-193

 

[13] مصادقة انتخابات ٠٣/٥٠ (٢٠٠٣). لجنة الانتخابات المركزيّة ضدّ طيبي وآخرين، قرار حكم ٥٧(٤) ١، ٢١.

[14]  انظروا مثلاً: أهارون براك، قاض في مجتمع ديمقراطي، القدس، نيفو للنشر، ٢٠٠٤، (بالعبرية)؛ Amnon Rubenstein & Alexander Yakobson, Israel and Family of Nations (New York, NY: Routledg, 2009); Ruth Gavison, ‘The Jews’ Right to Statehood: A Defense’ Azure 15 (2003):70.   

[15] لمعالجات نقدية لهذه الأدبيّات، أنظروا: هنيدة غانم وأنطوان شلحت محرران، في معنى الدولة اليهودية، (رام الله: مدار: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية، ٢٠١١)؛ عزمي بشارة، من يهودية الدولة حتى شارون: دراسة في تناقض الديمقراطية الإسرائيلية، رام الله، مواطن، المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية، ٢٠٠٥؛ Nimer Sultany, “Review of Israel and the Family of Nations: Human Rights, Alexander Yakobson and Amnon Rubenstein”, Palestine Yearbook of International Law 15 (2008–09): 439; Mazen Masri, The Dynamics of Exclusionary Constitutionalism: Israel as a Jewish and Democratic State (Oxford: Hart Publishing, 2017);

 

انشر المقال

متوفر خلال:

دستور وانتخابات ، فلسطين ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *