الأخوات الثلاث اللواتي لجأنَ إلى البحر


2021-04-15    |   

الأخوات الثلاث اللواتي لجأنَ إلى البحر
وفاة الشقيقات الثلاث سر دفن معهن

“نحن يللا هيدا آخر يوم لي شفتينا فيه وودعناك، عرفتي كيف، وسامعة هيدا الصوت، هيدا صوت البحر، فسامحينا وإنشالله تكوني مبسوطة بحياتك”، هذا ما بُث من تسجيل صوتي في تقرير على تلفزيون “المنار” قيل إنّ الشقيقات الثلاث كارول (24 عاماً)، وعايدة ( 19 عاماً) وميرنا (15 عاماً) الحاج حسين ودّعن فيه والدتهن، قبل أن يقفلن هواتفهن ويختفين عن عائلتهنّ المؤلّفة (معهنّ) من أب وأم وثلاثة شباب وخمس فتيات، ليعدن ثلاث جثث هامدة وجدها الأمن السوري في بحر طرطوس.

لم يحدث في تاريخ لبنان أن انتحر ثلاثة أفراد من عائلة واحدة جماعياً. وهذا حدثٌ ليس تفصيلاً، بل هزّ البلاد والرأي العام، وربما يعبّر ما قاله صاحب الدكان في بلدة بزيزا الكورانية حيث تسكن الفتيات، عمّا يدور في خلد الجميع “ما في وحدة منهن قالت لأ ما بدي موت؟” ولماذا؟ وهل كانت رسالتهنّ موجّهة إلى والدتهنّ فقط؟ أم إلى هذا المجتمع برمته؟

ومع معطيات القوى الأمنية التي تستند إلى تقرير الطبيب الشرعي لحسم سبب الوفاة غرقاً حيث “لا كدمات ولا إشارات تثبت تعرضهنّ للعنف ولا آثار للضرب قبل وفاتهنّ”، وفق ما أوضح مصدر أمني لـ”المفكرة القانونية”، فإنّ ذلك لا يعفي القضاء من مهمّة الإجابة عن تساؤلات محقّة: ماذا حصل وكيف؟ ولماذا؟ حصل ما حصل؟ “التحقيقات جدّية، ويقودها فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي، وسوف نعلن للرأي العام أيّ نتائج تتوصّل إليها القوى الأمنية”، يضيف المصدر عينه.

قد تكشف هذه التحقيقات كيف غادرت الفتيات المنزل وكيف وصلن إلى البحر وكيف غرقن، وقد يغلق الملف على أنّه انتحار، ولكن ربّما لن يكشف التحقيق ما هي الظروف التي دفعتهنّ إلى هذا الفعل بحدّ ذاته, علماً أنّ فعلاً كهذا خصوصاً بشكله الجماعي لا يأتي سوى من تضافر عوامل نفسية واجتماعية وحتى عائلية والأهم غياب المساعدة أمامهنّ في لحظة ما كان يمكن أن تمنعهنّ عن فعلهنّ هذا.

ستّة أيام من الغياب قبل العودة جثثاً هامدة

إذاً، غادرت الفتيات منزل العائلة نهار الأحد 28-3-2021 إلى جهة مجهولة، ليتم العثور عليهنّ جثثاً هامدةً على شاطئ طرطوس في سوريا تسلّمها الأمن العام نهار الجمعة بتاريخ 2-4-2021 بحضور الوالد الذي تعرّف عليهنّ. ووريت الفتيات الثرى في مقبرة بلدة بحبوش نهار الإثنين الفائت 5 نيسان 2021، بعد أن كشف عليهنّ طبيبان في مستشفى طرابلس الحكومي أحدهما نديم الأيوبي. ورفض الدكتور الأيوبي الإدلاء بأيّ معلومات ومنها إن كان قد جرى تشريح الجثامين، واكتفى بالقول لـ”المفكرة” إنّ “المدّعي العام وحده المخوّل الاطّلاع على التقرير”.

رافقت وفاة الفتيات الثلاث تكهّنات عدّة، ومنها هروبهنّ على متن قاربٍ تحطم في المياه ما أدى إلى غرق من عليه وهنّ من بينهم. ولكن عزّزت الرسالة الهاتفية الصوتية التي أرسلنها إلى والدتهنّ فرضية الانتحار. تضاف إلى تلك الرسالة التي أمكن الاطّلاع على مضمونها إشارة عمّ الضحايا إلى رسالة أخرى لم نتمكّن من الاطّلاع على مضمونها يدّعي فيها العم عباس الحاج حسين أنها وصلت إلى أحد الأقارب يدعونه فيها إلى الانتباه لوالدهنّ الذي يعمل في تأجير السيارات بحسب ما جاء على لسان عمّهنّ، وبأنّ الفتيات أجريْن مكالمة هاتفية بالصوت والصورة مع شقيقهنّ الأصغر جلال، لم نتمكّن أيضاً من معرفة مضمونها.

وتفيد المعلومات حتى الآن عن توقيف أحد الأشخاص بتهمة ابتزاز العائلة وليس الفتيات، وفق قريب آل الحاج حسين. فبعد شيوع خبر اختفائهنّ على مواقع التواصل الاجتماعي والتلفزيونات، وتعميم صور الفتيات بهدف التعرّف إليهنّ، وتناقل معلوماتٍ عن مكان وجودهنّ، “حاول هذا الشخص مقايضة الأهل ببطاقات هاتفية مسبوقة الدفع أو ببعض الأموال مقابل الإدلاء بمعلومات عنهنّ، إلاّ أنّ القوى الأمنية تمكّنت من إلقاء القبض عليه وتوقيفه” يقول المصدر.

كيف يقرأ الطب النفسي الانتحار الجماعي؟

تشرح الدكتورة هلا كرباج الأخصّائية في الأمراض العقلية والنفسية والعضو في “المفكرة القانونية” أنّ الانتحار يأتي نتيجة عوامل عدّة تتراكم وتتفاعل فيما بينها ولا يمكن حصر دوافعه بدافع واحدٍ، ولا يقدم الشخص على الانتحار فجأة، بل يبدأ بفعل التفكير بالانتحار وتراوده أفكار انتحارية تأخذ منحىً تصاعديّاً لينتهي به الأمر إلى الاستسلام إلى ما يختلجه من هواجس فيقدم على الانتحار.

وميّزت كرباج بين الانتحار الفردي والجماعي، فأوضحت أنّه في حالات الانتحار الفردية غالباً ما ترجّح فرضية المرض النفسي المسبق إضافة إلى وجود عوامل “خطر” من المحيط المجتمعي، فعادة ًما تدفع الأمراض النفسية الفردية والوراثية مثل “الاكتئاب المزمن” أو “الفصام” أو الاضطراب “ثنائي القطب” الشخص إلى التفكير في الانتحار، والنيّة على الإقدام على الانتحار تزداد عند الأشخاص الذين يعانون من مرض نفسي مسبق. ولكنّها شدّدت على أنّه ليس بالضرورة أن يكون كل منتحر هو مريض نفسي بل يمكن للظروف المجتمعية المحيطة أن تؤدّي دوراً في إقدام الأشخاص على الانتحار. أما انتحار الأطفال والمراهقين، فلفتتْ كرباج إلى أنّه بحسب الدراسات فإنّ التحرّش الجنسي والتعرّض لأحد أنواع العنف الجنسي والجسدي عاملان أساسيان يدفعان بهذه الفئة العمرية على الإنتحار، فغالباً ما يعاني هؤلاء من مشاعر الذنب والعار والضعف مترافقة مع عدم القدرة على البوح والكلام ما يدفعهم إلى اليأس وبالتالي الإقدام على الانتحار.

أما الانتحار الجماعي بحسب كرباج، فغالباً ما يحمل دلالات رمزية معيّنة، وتصبح فرضية المرض النفسي المسبق فرضية “ضعيفة”، ليؤدّي المحيط المجتمعي دوراً أكبر في الانتحار الجماعي ويكون الإقدام على هذا الفعل “رسالة” يريد المنتحرون إيصالها.

وعلّقت كرباج على الرسالة الصوتية التي بعثتها الفتيات لوالدتهنّ معتبرةً أنّها تؤشّر إلى أن انتحارهنّ ليس وليد “لحظة يأس” فقط بل هناك نيّة عالية جداً بالانتحار، وبخلاف من يقدم على محاولة الانتحار في لحظة انفعالية ربما يخالجه الندم بعدها إذا بقي على قيد الحياة، فإنّه في حالة الفتيات الثلاث تبيّن الرسالة الصوتية وجود تعمّد وتقصّد ونيّة بالموت عالية جداً.

وشددت كرباج على أهمّية توفّر مراكز للصحّة النفسية المجّانية في كافة المناطق اللبنانية، لما لذلك من دور كبير في الوقاية من الانتحار.[1]

الحيرة والحزن يلفّان بلدة بزيزا

كيف استقبلت بلدة بزيزا الحادثة، وكيف هو حال العائلة وماذا عن الجيران وزملاء عمل كارول كبرى الضحايا؟

بهدوء مثقل بالحزن والحيرة تستيقظ بلدة بزيزا على دفن الفتيات اللواتي عدن جثثاً هامدة بعد مضي أكثر من أسبوع من حالة الترقّب والقلق في القرية. قلّة من النسوة يمارسن رياضة المشي في الأزقّة القديمة عند السابعة من صباح البلدة الباكر، أخريات يتحادثن من شبابيك المنازل حفاظاً على المسافة الآمنة التي أدخلتها جائحة كورونا على ثقافة التواصل. بعض سكان البلدة يعرفون الضحايا معرفة سطحية ومنهم من لم يسمع بوجودهنّ في البلدة إلاّ بعد شيوع خبر الحادثة. فالعائلة التي تعود جذورها إلى جرود الهرمل في البقاع الشمالي قدمت إلى بزيزا قبل سنواتٍ عدّة حيث استأجر الأب منزلاً في وسط البلدة، ثمّ تمكّن من شراء أرضٍ على ضفة النهر القريب وبناء منزل مستقل هناك.

ترحّب ميراي بمشاركتها رياضتها الصباحية، تتحسّر على الفتيات “الجميلات” اللواتي كبرن في كنف البلدة، وارتدن مدرستها الرسمية قبل أن يتسرّبن منها قبل الشهادة المتوسطة. لازمت عايدة وميرنا المنزل والتحقت كارول بسوق العمل باكراً في شركة سانيتا. وبحسب ميراي لطالما جابت الفتيات القرية سيراً على الأقدام بكل أدبٍ ووقار “كنت شوفهن أوقات عم يمشو عالطريق، كثير مهذبات ورايقات”. وفيما أفاد بعض سكان البلدة أن الفتيات “مظلومات” في منزل ذويهن من دون شرح طبيعة هذه المظلومية، تنفي ميراي، بناء على جيرتها مع العائلة، علمها بتعرضهنّ لأيّ من أنواع العنف المنزلي “ولا مرة سمعت هيك شي أو لاحظت وجوده لمن كانوا ساكنين حدنا”، تقول لـ”المفكرة”.

دكان البلدة مقصد الفتيات اليوميّ

في محال البلدة التجارية لا تزال القضية حديث الناس، فما اجتمع اثنان إلّا وكانت قصّتهنّ حاضرة لتحليل دوافع إقدامهن على الانتحار.

بـ”حزن كبير” تلقّى صاحب دكان البلدة خبر وفاة الفتيات اللواتي كنّ يقصدنه بشكلٍ شبه يوميّ لشراء المعسّل للنرجيلة، إضافة إلى علب السجائر لوالدتهنّ وحاجيات أخرى “البنات كانوا قمّة بالأخلاق والرصانة” يقول لـ”المفكرة”. وقيل إنهنّ تذرّعن بالذهاب إلى دكانه قبل مغادرتهنّ البلدة. ويتداول السكان معلومة تفيد أنّ الفتيات سلكن الطريق العام لبلدة بزيزا باتجاه منطقة أميون سيراً على الأقدام، وهناك انتقلن في إحدى سيارات الأجرة إلى بلدة كفرحزير حيث ترجّلن من السيارة، وتوجّهن سيراً على الأقدام نحو شاطئ البحر حيث قيل أنهنّ رمين بأنفسهن في الماء.

منزل العائلة النائي

على بعد مسافةٍ من دكّان القرية، وعلى ضفة نهر بزيزا مباشرةً اختارت عائلة الحاج حسين تشييد منزلها المتواضع الذي تصله السيارات عبر طريقٍ ترابيةٍ فرعيةٍ. تحيط بالمنزل البعيد نسبياً عن بقية المنازل المجاورة، المروج على وقع خرير مياه النهر. بمحاذاة المنزل الإسمنتي نُصبت خيمة العزاء لاستقبال المعزّين الرجال، في حين تموضعت النساء في صالون البيت. يستنفر الرجال تلقائياً مع وصول كلّ سيارة غريبة ليسألوا مباشرة وبتعابير صارمة عن هوية الزائر، مع قرار حازم: “ممنوع الإدلاء بأي تصريح للإعلام أقلّه قبل مرور ثلاثة أيام على الدفن” وفق ما يقول ابن عم الوالد. “أي كلام اليوم لن يصبّ في صالح القضية”، وفق ابن العم الذي يقول أيضاً إنّ الأهل في “حال صدمة وفاجعة وليس بمقدورهم إجراء مقابلات”. وسمح لنا فقط بتقديم واجب العزاء للأم.

منهكاً يبدو والد الفتيات الذي يتقدّم صفّ المعزّين، لا قدرة له على الوقوف أو حتى الكلام في حين يحيط به أولاده وأبناء أعمامه وبقية أفراد العشيرة. داخل المنزل تجلس الوالدة في “صدر” الصالون، بعينين تملأهما الحيرة، وتستهجن بمجرّد معرفتها بهويتنا الإعلامية، في حين لم يسمح لها أقاربها الرجال الذين أحاطوا بها فجأة التلفّظ بكلمةٍ واحدةٍ عدا عن مجاملات العزاء.

حافلة السانيتا مقعد شاغر لكارول

على الطريق بين بزيزا وبلدات الكورة الأخرى، تعبر حافلات ممهورة باسم شركة سانيتا. أوقفنا إحدى هذه الحافلات وإذ بها الحافلة التي كانت تستقلّها كارول، كبرى الفتيات المتوفيات، للانتقال إلى مقرّ عملها في ذوق مكايل. كان مقعدها فارغاً. أفاد السائق، كما زملاء عملها والطريق أنّ كارول تعمل في الشركة في قسم تصنيع وتوضيب الفوط الصحيّة منذ أكثر من عشر سنوات، وأنّ راتبها يفوق المليون ليرة لبنانية شهرياً، وبأنّ شقيقتها لور كانت تعمل سابقاً في الشركة عينها. لا يعلم رفاق كارول في الحافلة شيئاً عن حياتها وأخوتها مستغربين إقدامها على الانتحار خاصةً وأنها فتاة “مفعمة بالروح الإيجابية” على حد قولهم.

في مقرّ شركة سانيتا في ذوق مكايل تبيّن أنّ الحافلات تقلّ الموظفين والموظفات من داخل المصنع ولا يخرجون إلى الشارع لمقابلة أيّ منهم. وأفادت المديرة المشرفة أن الشركة لاحظت غياب كارول من عدم تسجيل بصمتها عند الدخول، وتبيّن لدى الاتصال بالأهل أنها اختفت، حتى أُعلن في نشرات الأخبار العثور على جثتها. وبحسب المديرة، فإن كارول، وشقيقتها من قبلها، متكتمتان وانطوائيتان، “ما حدا بيعرف عنهم شي، ما كانو يتواصلو كتير مع الباقيين، بيخلّصو شغل وبيروحو”.

  1. نذكّر القرّاء بالخط الساخن للدعم النفسي والوقاية من الانتحار من جمعية “إمبرايس” Embrace: 1564، وتوفّر خدمات الصحّة النفسية المجانية في عيادة الجمعية، رقم الهاتف: 81003870

 

انشر المقال

متوفر من خلال:

الحق في الحياة ، جندر ، جندر وحقوق المرأة والحقوق الجنسانية ، قضاء ، لبنان ، محاكمة عادلة وتعذيب



لتعليقاتكم