“إمبيريال جت” تهويل كاد يكبد لبنان 200 مليون دولار: مناسبة لإعادة الحديث عن الثواب والعقاب

،
2021-03-26    |   

“إمبيريال جت” تهويل كاد يكبد لبنان 200 مليون دولار: مناسبة لإعادة الحديث عن الثواب والعقاب

مؤخّرا، أعلنتْ وزيرة العدل ماري كلود نجم عن تحقيق انتصار للدولة اللبنانية في القضية المعروفة باسم “إمبيريال جت”. وفق نجم، تحقّق هذا الانتصار بصدور القرار التحكيمي عن المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار في 14/1/2021 وذلك في الدعوى التي أقامتها شركة Imperial Holding S.A.L وعبد الجاعوني أحد المساهمين فيها ضد الدولة اللبنانية. فقد انتهى القرار إلى رد معظم طلبات الجهة المدعية وإلزامها بتسديد مبلغ 266 ألف د.أ للدولة الذي يمثّل الجزء الأكبر من النفقات التي كانت تكبّدتها في هذه الدعوى. لا يكمن الانتصار المعلن عنه في المبلغ الذي حكم به فقط، بل في تجاوز الدولة مناورة خطيرة كادت تؤدّي إلى الاستيلاء على قرابة 200 مليون د.أ. وهي مناورة ما كانتْ لتبلغ ما بلغته من خطورة لولا تخلّي قضاة عن قصد أو غير قصد عن أدوارهم في حماية مصالح الدولة وتماهيهم مع مطالبها وتهويل خصومها. وما كانت بالمقابل لتفشل لولا حرص قضاة آخرين على مواجهة هذا التهويل في اتجاه وضع القضية على سكّة التعامل الاحترافي معها وهي السكّة التي أدّت إلى استصدار القرار التحكيمي لمصلحة الدولة. ومن هذه الزاوية، اكتستْ هذه القضية أهمية كبرى لجهة أنها تعطينا مزيداً من الإضاءة على الممارسات المعتمدة للاستيلاء على المال العام وأدوار الموظفين العامّين سلباً أو إيجاباً فيها.    

وما يزيد من أهميتها هو أنّ بعض القضاة موضوع الشبهة شغلوا وظائف متقدّمة ويترشّحون اليوم لتولّي مسؤوليات لا تقلّ أهمية عن مسؤولياتهم السابقة من دون أن يتعرّضوا لأيّ مساءلة، وأنّ بعض القضاة الذين واجهوا بالمقابل هذا التهويل تعرّضوا على خلفية أدائهم هذا بالذات لعقوبات تأديبية من دون أن يُعاد اعتبارهم حتى الآن، رغم هذا الانتصار الذي ما كان ليتحقّق من دونهم.  

صناعة التهويل  

بدأت فصول هذه القضية حين أصدرتْ المديرية العامّة للطيران المدني في النصف الثاني من سنة 2009 قرارين بمنع شركة “إمبيريال جت” من تشغيل الطائرة المملوكة منها في بعض البلدان الأوروبية مع إعطائها مهلة ستة أشهر لاستبدالها حفاظاً على سلامة الطيران. وقد نجحت الشركة تبعاً لمراجعة مجلس شورى الدولة في استصدار قرار بإبطال هذين القرارين بتاريخ 28/12/2011. كما عادت المديرية وأصدرت في 2010 قراراً ثالثاً قضى بإلغاء شهادتيْ مستثمر جوّي وخدمات المساندة الأرضية للشركة المذكورة تبعاً لعدم استجابتها للشروط المفروضة عليها، وهو قرار أبطله لاحقاً أيضاً مجلس شورى الدولة بتاريخ 21/1/2014.

متسلّحاً بقرار الإبطال الأوّل الصادر عن مجلس شورى الدولة، باشر عبد الجاعوني المساهم في الشركة المذكورة مساعيه للتهويل على الدولة بهدف حملها على إبرام مصالحة مجحفة بحقّها. وتدعيماً لمساعيه، أبرز الجاعوني جنسيته الألمانية والتي تخوّله بموجب اتفاقية تنشيط وحماية الاستثمارات المتبادلة بين لبنان وألمانيا، اللجوء إلى التحكيم الدوليّ في ما يتّصل بالخسائر التي قد يكون تكبدها من جرّاء استثماره في لبنان. وهذا ما نستشفّه بشكل خاصّ من الكتاب الذي وجّهه لوزير الأشغال العامة والنقل غازي العريضي في حزيران 2013 حيث عرض “تسوية النزاع حبّياً” تحت طائلة اللجوء إلى التحكيم الدولي سنداً لهذه الاتفاقية.

وقد زادت مطالب الشركة قوّة مع إصدار مجلس شورى الدولة قراره الثاني في 2014 لصالحها، وهو القرار الذي سرعان ما تناولته وسائل الإعلام على أنّه قد يمهّد لتكبيد لبنان خسائر جمة تصل إلى ملياري دولار. ولاستثمار هذا القرار، عادت الشركة لتوجّه كتاباً ثانياً إلى المديرية العامّة للطيران المدني في أواخر 2014 طلبت بموجبه أن تدفع لها تعويضاً عمّا أسمته الخسارة المادية والمعنوية اللاحقة بها جرّاء تسبّبها بحرمانها من ممارسة أعمالها، من دون تحديد قيمة هذه التعويضات. 

الملفت أنّه وقبل أن تحسم وزارة الأشغال العامّة (وهي الوزارة المسؤولة عن مديرية الطيران المدني) موقفها من التسوية المعروضة، فوجئت بمجموعة من الكتب الصادرة الواحد تلوَ الآخر عن رئيس هيئة القضايا مروان كركبي يعلمها فيها بلجوء الشركة فعلياً إلى التحكيم مع التشديد على أهمية التوصّل لمصالحة تفادياً للأسوأ. وقد ذهب كركبي في كتبه الصادرة تباعاً بتواريخ 8 كانون الثاني و31 آذار و7 نيسان 2015 إلى تفصيل شروط المصالحة المعروضة من الشركة والتي تقوم ليس فقط على قبول طلبها بإعادة تفعيل شهادات المستثمر الجوي وتقديم خدمات المساندة الأرضية بل أيضاً على قبول طلبها بدفع مبلغ باهظ قدره /148,335,147/ د.أ تضاف إليه الفائدة القانونية بنسبة 4% من تاريخ 1/1/2009 وحتّى تاريخ الدفع الفعلي أي ما يقارب /35,600,000/ د.أ، وتالياً ما مجموعه 184 مليون د.أ. وفي حين خلت هذه الكتب من أيّ تعليل أو تبرير، فإنّها على العكس من ذلك رشحت عن تماهٍ مع مطالب الشركة وسعيها للتهويل على الدولة. وهذا ما نقرأه بوضوح كلّي في كتاب 7 نيسان 2015 حيث جاء حرفياً: “أصبح من الملحّ البتّ بموضوع المصالحة المعروضة عليكم، مع التأكيد على أن المصالحة المذكورة تصبّ في مصلحة الدولة، إذ قد تعمد الجهة المخاصمة، في حال السير بالتحكيم، إلى مطالبة الدولة بمبالغ قد تناهز الملياري دولار أمريكي.” ويلحظ أنّ جلّ ما فعله كركبي لتبرير المصالحة هنا أو التهويل من قيمة التعويضات المطالب بها هو أنّه أرفق مذّكرة للجاعوني يُفترض أنّها تضمّنت التهديد بمطالبة الدولة بملياري د.أ. 

تستدعي هذه الكتب الريبة بالنظر إلى الدور المُناط بهيئة القضايا والمنتظر منها بحكم تكوينها من قضاة وبخاصة فيما يتّصل بالموافقة على المصالحات أو حجب الموافقة عنها. فأن يمنع القانون الإدارات العامّة من توقيع أي مصالحة لم توافق هذه الهيئة مسبقاً عليها، إنّما يعني أنّه يعتبرها بمثابة صمّام أمان ضدّ أي استهتار أو تعسّف من قبل الإدارة، نظراً لما يجدر أن تتمتّع به الهيئة بحكم تكوينها من حرص وحيادية وتجرّد وأمانة. وعليه، تتأتّى الريبة في ما ذهب إليه كركبي من أمور عدة: أولاً، أنّه لم يُبدِ رأيه في مصالحة مقترحة من الإدارة العامة وبناء على طلبها إنما عفواً ومن تلقاء نفسه، هذا فضلاً عن أنه أبدى رأيه في مصالحة مقترحة ليس من الإدارة بل من الشركة المخاصمة لها. وثانياً، وهذا هو الأمر الأخطر، أنّه تبنّى إلى حد التماهي عرض المصالحة الذي عرضته هذه الشركة من دون أن يتبيّن من كتبه أنه دقّق في أسنادها أو مدى ملاءمتها أو توافقها مع أحكام القانون والنظام العام، وذلك بفعل خلوّها من أيّ تعليل قد يساعد الإدارة العامة على بلورة الموقف الأكثر تناسباً مع القضية المطروحة. وعليه، ذهب كركبي إلى حثّ الإدارة مراراً وتكراراً على إبرام مصالحة تكلّفها قرابة 184 مليون د.أ أي ما يشكّل ثروة طائلة تقتطع من الأموال العامّة، كلّ ذلك من دون أن يكبّد نفسه عناء تفسير موقفه بأيّ تبرير مقنع. ومؤدّى ذلك هو أنّ هيئة القضايا تصرّفت بشكل يناقض سبب وجودها: فبدل أن تكون صمّام أمان في مواجهة ما قد يظهر من انحياز أو استهتار بالمال العام من قبل الإدارة، تميّزت مواقفها بالرعونة على نحو كاد يكبّد الدولة مبالغ طائلة غير مستحقّة ومن دون مبرّر. 

وما يزيد من هذه الريبة هو أنّ هيئة القضايا أخلّت بمهامها في تقدير مدى سدادة المصالحة المعروضة، بعدما كانت قد أعرضت عن اتخاذ الإجراءات الضرورية التي يتطلبها الدفاع عن مصالح الدولة وسلامة الطيران أمام مجلس شورى الدولة. وهذا ما نستشفّه بشكل خاصّ من تقاعسها عن اتخاذ أيّ إجراء بعد صدور الأحكام بإبطال القرارات الإدارية الصادرة عن المديرية العامة للطيران (كأن تطلب إعادة المحاكمة) رغم مطالبتها من قبل وزارة الأشغال صراحة بذلك.  

وقد أتى القرار التحكيمي بتعرية زيف وفراغ ادّعاءات الشركة، ليزيد علامات الاستفهام حول أداء رئيس الهيئة في هذا الخصوص، علماً أنّ الشركة استمدّت من كتبه سلاحاً لتقوية موقفها أمام الهيئة التحكيمية بعدما اعتبرتها بمثابة إقرار من الدولة الممثلة بهذه الهيئة بمسؤوليتها. وعليه، شكّلت هذه الكتب إلى جانب القرارات الصادرة عن مجلس شورى الدولة لصالح الشركة أبرز مستنداتها في دعواها التحكيمية. 

بقي أن نشير إلى أنّ ما مكّن الشركة من تضخيم أرباحها وتالياً مطالبها لتصل إلى مليارات الدولارات، من دون أي خشية لجهة تكليفها بدفع ضريبة مرتفعة على الدخل، هو أنّه كان تمّ إعفاؤها سابقاً من هذه الضريبة عملاً باستشارة صدرت من هيئة الاستشارات والتشريع في كانون الثاني 2007 وهي استشارة خلصت إلى وجوب إعفاء الملاحة غير المنتظمة كما الملاحة المنتظمة من الضريبة على الدخل، بعد تفسير خاص لقانون ضريبة الدخل. ومن دون الغوص بمدى سدادة هذه الاستشارة، نكتفي هنا بالتذكير بثلاثة أمور: (1) أنّ موقّعها كان رئيس هيئة التشريع والاستشارات الذي صودف أنّه هو نفسه شكري صادر الذي عاد وأصدر القرارات بإبطال القرارات الصادرة بحق الشركة، و(2) أنها أدّت إلى تغيير التفسير المعمول به لدى وزارة المالية في هذا الشأن لجهة التمييز بين الملاحة المنتظمة أي الملاحة التي ترشح عن خدمة تأمين النقل والملاحة غير المنتظمة التي يصعب إدراجها ضمن هذه الخانة، و(3) أنّ تعليل الهيئة لتوسيع الإعفاء خلافاً لما درجت عليه وزارة المالية خلا من أيّ تفسير حول مدى توافق هذا التوسّع مع مبادئ العدالة الضريبية مكتفياً بإجراء تحليل لغوي لحرفية النص وتحديداً لكلمة navigation التي استمدّ منها المشرّع كلمة الملاحة. 

الإرادات الحسنة في مواجهة التهويل  

في مقابل التهويل الذي اعتمدتْه الشركة لإرغام الدولة على الموافقة على تسديد مبالغ طائلة لها تجنّباً للتحكيم الدولي وما قد يصدر عنه من قرارات، برزت إرادات حسنة في القضاء والإدارة العامة انتهت إلى عقلنة هذه القضية ووضعها على السكة الصحيحة وصولاً إلى إصدار قرار لصالح الدولة.  

أولى هذه الإرادات الحسنة تمثّلت في موقف المستشارة في مجلس شورى الدولة القاضية كارمن عطا الله بدوي التي أودعتْ وزير العدل آنذاك أشرف ريفي تقريراً مفصّلاً حول القضية فنّدت فيه مغالطات قرار المجلس بإبطال قرار المديرية العامة للطيران والذي صدر بمعزل عن أي خبرة فنية. يلحظ أنّ بدوي كانت عُيّنت  مقرّرة في الملف المذكور من رئيس الغرفة شكري صادر الذي عاد واستبدلها بقاضٍ آخر. وقد شكّل استبدالها على هذا الوجه نموذجاً عن ممارسة مخلّة لمبدأي استقلال القضاء والمحاكمة العادلة وهي ممارسة رائجة في مجلس شورى الدولة، سبق للمفكرة القانونية في مقالات عدّة أن انتقدت مخاطرها وخصوصاً لجهة تمكين رؤساء الغرف من التحكّم بوجهة القرارات الصادرة عن غرفهم من خلال استبعاد المستشارين الذين قد لا يؤيدون الوجهة التي يريدونها. وقد أكّدت بدوي في ختام تقريرها على انتفاء مسؤولية الدولة عن دفع أي تعويضات تطالب بها الشركة. 

شكّل هذا التقرير الذي سعتْ بدوي من خلاله للدفاع عن مصالح الدّولة بالنسبة إلى رئيس مجلس شورى الدولة آنذاك شكري صادر إخلالاً بالآداب القضائية وتحديداً بموجب التحفظ. وعليه، أحال صادر القاضية بدوي إلى المجلس التأديبي قبلما يعود ويشارك فيه وصولاً إلى الحكم عليها بعقوبة تأديبية، قوامها تخفيض رتبتها من مستشار إلى مستشار معاون. وفي حين شكلت عقوبة التأديب هذه رسالة لإسكات أي صوت يحاول انتقاد المجلس وقراراته وإن كان في سياق الدفاع عن حقوق الدولة وأموالها، تجدر الإشارة هنا أيضاً إلى أن مسار التأديب المتّبع يشكل هو أيضا نموذجا عن ممارسة أخرى سائدة في مجلس شورى الدولة ومخلّة بمبدأي استقلالية القضاء والمحاكمة العادلة، حيث أدى بموجبها رئيس المجلس دور المدعي والمحقق والقاضي على حدّ سواء. وهي ممارسة انتقدتها أيضا “المفكرة القانونية” كأحد أبرز أوجه الخلل في تنظيم هذا المجلس. 

أما الإرادة الحسنة الثانية التي برزت في الملف فقد صدرت عن مستشار منتدب من وزارة العدل لدى وزارة الأشغال العامة، وهو القاضي محمد رعد الذي أدّى دورين بالغيْ الأهمية مستعينا بالتقرير الذي قدمته بدوي: 

– الأوّل، إبداء رأي قانوني بشأن أثر القرارات الصادرة عن مجلس شورى الدولة وتحديدا ما يترتب عنها من مسؤوليات في ذمة الدولة، وقد انتهى هذا الرأي بدعوة الإدارة إلى رفض المصالحة، خلافا لما كانت ذهبت إليه هيئة القضايا. ومن أهمّ ما استند إليه رعد هو أن نطاق التحكيم بموجب الاتفاقية الدولية لحماية الاستثمارات ينحصر بالشركات أو الأشخاص من التابعية الألمانية، أي فقط بالجاعوني والذي يملك حصة ضئيلة جدا من أسهم شركة “إمبيريال” التي تعدّ من التابعية اللبنانية ولا يحق لها اللجوء بهذه الصفة إلى التحكيم. ومؤدّى هذا الأمر الذي أثبتت الهيئة التحكيمية فيما بعد سدادته هو عدم قبول التحكيم عن الضرر الذي قد تكون الشركة تكبدته مقابل انحسار نطاق التحكيم بالخسارة التي قد تكون أصابت الجاعوني بحدود مساهمته في الشركة. كما لفت رعد على سبيل العقلنة وبهدف وضع حدّ للتهويل إلى أن الشركة لم تتكبّد أصلا عناء تحديد ماهية التعويضات أو قيمتها في هذه القضية. وهذا أيضا ما ثبتت سدادته في القرار التحكيمي. وإذ عرضت الإدارة بنتيجة هذا الرأي على الشركة تنفيذ قرارات مجلس شورى الدولة بالرجوع عن إبطال التراخيص بعد قيامها بالإجراءات اللازمة، فإنها رفضت بالمقابل استحقاق أي تعويض للشركة لعدم ثبوته، تاركة لها حق تقديم مراجعة في هذا الشأن أمام مجلس شورى الدولة. وهو عرض سارعت الشركة إلى رفضه مصرة على اللجوء إلى التحكيم الدولي.    

– والثاني، الجهود التي بذلها رعد إلى جانب قاضيين آخرين (وهما أحمد عبدالله ومحمد صعب) تم تعيينهما بقرار مشترك من وزيري العدل والأشغال العامة لمتابعة هذا الملف، سواء لجهة اختيار مكتب محاماة للدفاع عن الدولة أمام الهيئة التحكيمية بكلفة معقولة أو تأمين التواصل معه تدعيما لموقف الدولة. وقد أسفرت تكامل هذه الجهود مع جهود المكتب الفرنسي المعيّن BREDIN PRAT إلى ردّ الجزء الأكبر من مطالب الشركة لخروجها عن صلاحية التحكيم المقررة بموجب اتفاقية تشجيع الاستثمارات بين ألمانيا ولبنان. كما ردّت الهيئة التحكيمية معظم طلبات الجهة المدعية المشمولة (وتحديدا طلبات الجاعوني) وتقديراتها بعدما عجزت هذه الأخيرة عن إقناع الهيئة بها أو حتى بواقعيتها. وهذا ما نقرؤه حرفيا في النص الإنكليزي للقرار وتحديدا في الحيثية الآتي: The tribunal considers that the Claimants effectively failed to establish their case on quantum, in spite of being given two opportunities to make that case      

 ومن الملفت في هذا الصدد مقارنة حرص الهيئة التحكيمية (وهي طرف محايد حيال المتعاقدين) مع رعونة رئيس هيئة القضايا الذي يفترض أنه المحامي الأول عن الدولة في تقييم مدى جدية مطالب المدعية. ولم يفتْ الهيئة التحكيمية أن تسجل في هذا الإطار في معرض عرضها لمطالب الفرقاء ما أثارتْه الدولة أمامها لجهة اعتراضها على مبادرة رئيس هيئة القضايا إلى مناقشة مشروع مصالحة مع الجهة المدعية بصورة غير أصولية وبصورة استباقية لصلاحياته بهذا الخصوص ومن دون موافقة الإدارة المعنية.

الثواب والعقاب 

إذ انتهى النزاع بين شركة “إمبيريال جت” والدولة بانتصار هذه الأخيرة على التهويل الذي مورس ضدّها، فإن ما تخلّله من أدوار ومعطيات يفرض عليها القيام بمراجعة عامّة لأداء مختلف مؤسساتها المعنية والعاملين فيها تمهيدا لاستخلاص العبر والنتائج وإعمال الثواب والعقاب. ومؤدّى هذا الأمر تحديدا مساءلة من أخلّ في ممارسة وظيفته على نحو عرّض مصالح الدولة للخطر ومكافأة من أحسن بالمقابل أداء مهامه على نحو انتهى إلى حماية مصالحها وأموالها أو على الأقل رفع الضيم الذي تعرّض له على خلفية أدائه هذا عنه. وفي حين أخذنا علماً أن النيابة العامّة المالية باشرتْ تحقيقات في هذه القضية للتثبّت من مدى وجود مسؤوليات جزائية، فإنّ إنجاح المراجعة الذاتية إنما يفرض عدم الاكتفاء بالمسار العقابي، إنما يتطلّب أيضاً استخلاص العبر بشأن الممارسات المخلّة بالصالح العام والتي كادت تكبّد الدولة أموالاً طائلة، وضمناً الممارسات الحاصلة في هيئة القضايا ومجلس شورى الدولة على حد سواء، منعاً لانزلاقات مشابهة. والأهم أنّه يتطلّب أيضاً إيجاد السبل لإعمال الثواب وإعادة الاعتبار لمن تعرّض لضيم من جراء حفظه للأمانة كما حصل مع المستشارة بدوي. 

وما يزيد هذه المراجعة العامّة إلحاحاً هو إعلان كركبي ترشّحه لعضوية الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد المزمع تشكيلها بموجب القانون رقم 175/2020 وهي الهيئة التي يناط بها دور محوري في ضمان الشفافية ومكافحة الفساد واسترداد الأموال المنهوبة. وهو ترشيح قد يوليه في حال انتخابه تبوؤ رئاسة هذه الهيئة حكماً، طالما أن القانون رقم 175 يولي هذا المنصب للقاضي المنتخب الأعلى درجة عند تقاعده. 

من حقّ جميع قضاة لبنان الذين سيُدعون للمرة الأولى في تاريخ القضاء اللبناني لتشكيل هيئة جماعية ناخبة لانتخاب إثنين من بين القضاة المتقاعدين المرشحين، أن يعلموا حقيقة دور كركبي في قضية “إمبيريال جت”.  

انشر المقال

متوفر من خلال:

استقلال القضاء ، قرارات قضائية ، قضاء ، لبنان ، مؤسسات عامة ، محاكم إدارية



لتعليقاتكم