إحصاءات قوى الأمن عن مهرّبي الأدوية لا تشمل الحدود البرّية: أزمة الدواء بين التهريب والترشيد والتخزين


2020-12-23    |   

إحصاءات قوى الأمن عن مهرّبي الأدوية لا تشمل الحدود البرّية: أزمة الدواء بين التهريب والترشيد والتخزين

يسخر أحد الصيادلة من اتّهامه وزملاء له بالضلوع في تهريب بعض الأدوية من لبنان، وبالتالي تفاقم أزمة الدواء وهلع المواطنين، ليسأل “من وين بيجيب الصّيدلي الدوا ليهرّبه؟”. بعدما يستغرب الطلب منه الإجابة بنفسه عن سؤاله، يجيب “طبعاً من الوكيل”، ليضيف “لو كان كل صيدلي عم يتسلّم حاجته المعتادة من الدواء ما كان فات بالتهريب”، ليستنتج “من الآخر الوكيل بيهرّب الدواء عبر الصيدلي وبالشراكة معه”. يعرف هذا الصيدلي أنّ الدواء يُهرّب عبر الحدود البرّية إلى سوريا “وبكمّيات كبيرة”، وطبعاً إلى دول أخرى عبر المطار. يعطي مثلاً عن دواء واحد يستعمل في علاج مرض السرطان واسمه مابثيرا Mabthera. يبلغ سعر هذا الدواء في لبنان مليونين و700 ألف ليرة، فيما يباع في سوريا وتركيا بـ700 دولار أي بـ5 ملايين و880 ليرة لبنانية على سعر 8 آلاف و500 ليرة للدولار في السّوق السوداء. وبالتالي “من الطبيعي أن يتمّ تهريب هذا الدواء المدعوم من الدولة، يعني بيربح المهرّبين 3 ملايين و180 الف ليرة بكل علبة دواء منه”.

لدى الصيدلي نفسه لائحة طويلة من الأدوية المهرّبة عبر الحدود البرّية، لكنّ اتهاماته لا تقتصر على تورّط الوكلاء الذين يتقاسمون الأرباح مع الصيادلة، بل يسأل عن كيفية تسعير الدواء في لبنان، ليعطي مثلاً عن دواء يُصنع في لبنان بسعر 4 دولارات، فيما يباع هو نفسه بدولار واحد في سوريا “روحوا شوفو مافيا الدوا وما تستقووا ع الصيدلي بس”، يقول. ولكن الحديث المقتضب الذي أجريناه مع الصيدلي عن تهريب الأدوية المستوردة لا نجد له أثراً في إحصاءات المديرية العامّة لقوى الأمن الداخلي في كتابها الجوابي على أسئلة “المفكرة القانونية” حول عمليات ضبط تهريب الدواء من لبنان والذي يكتفي بالإشارة إلى التوقيفات في المطار.

يشكّل تهريب عدد كبير من الأدوية المدعومة من لبنان حالياً، وخصوصاً تلك الخاصّة بعلاجات السرطان والأمراض المزمنة والكلى والأمراض النفسية، جزءاً كبيراً من أزمة الدواء التي يعيش تحت ثقلها اللبنانيّون والمقيمون في لبنان. يتهافت هؤلاء على الصيدليات في موجات متتابعة لتخزين الأدوية لأشهر تتراوح بين 3 إلى 4 أشهر كلّما أطل حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ولوّح بوقف الدعم خلال شهرين، كما فعل أوائل كانون الأول الجاري خلال إطلالته عبر قناة العربية-الحدث. كلّ ذلك ومجلس النواب والحكومة المستقيلة مستمرّان بالمراقبة، كالمواطنين وليس كمن في موقع المسؤولية، إلى أن تمخّضت اللجان النيابية مؤخّراً عن حديث عن ترشيد الدعم. ولكن أيّ بحث رسمي جدي حول تفعيل مكتب الدواء، أو استكمال إنشاء المختبر المركزي وحتى دعم صناعة الدواء محلّياً، وطبعاً بموازاة ضبط الحدود، لم يحصل على الأرض، في ما يؤكّد استمرار تحكّم كارتيل الدواء وشركاته المحتكرة بالاستيراد “كما حصل ويحصل منذ استقلال لبنان ولغاية اليوم”، وفق ما يرى النائب السابق الدكتور اسماعيل سكرية رئيس الهيئة الوطنية الصحية في لبنان.

تبحث “المفكرة” في هذا التحقيق أزمة الدواء وترشيد الدّعم مع إطلالة على الصناعة المحلية لبعض الأدوية والحلول المطروحة. (المحرر)

الأرقام الرسمية حول التهريب ضئيلة ولا تشمل الحدود البرّية

إذاً، بعد 3 أسابيع على إرسال “المفكرة” كتاباً إلى المديرية العامّة لقوى الأمن الداخلي بشأن تهريب الأدوية من لبنان جاءنا الجواب التالي: “منذ 4/10/2020 وحتى 4/11/2020، تمّ توقيف 19 شخصاً من جنسيّات عراقية ومصرية في مطار بيروت الدولي وبحوذتهم أدوية مهرّبة، لأمراض السكري والضغط والسيلان وعلاج السرطان والكلى وغيرها، وبلغ عددها 799 علبة مختلفة و1166 ظرف، فيما أوقفت مفرزة الضاحية الجنوبية شخصان من الجنسية اللبنانية لتجميعهم أدوية تمهيداً لتهريبها”. يبدو من رد المديرية أنّ الأخيرة ليست معنيّة بما يحصل على الحدود البرّية، أم أنّها تقع خارج صلاحياتها؟

في ما يلي النص الحرفي للكتاب الجوابي للمديرية:

توقيف أشخاص من قبل قوى الأمن الداخلي في مطار رفيق الحريري الدولي وضبط أدوية مهربة

التاريخ عدد الموقوفين أنواع الأدوية المهرّبة عدد المضبوطات
4/10/2020 8 من الجنسية المصرية  

أنواع مختلفة من الأدوية لأمراض السكري والضغط والسيلان، وعلاج السرطان، أملاح الكلى وغيرها…

 

 

799 علبة مختلفة و1166 ظرفاً

5/10/2020 5 من الجنسية المصرية
14/10/2020 1 من الجنسية المصرية
16/10/2020 1 من الجنسية المصرية
17/10/2020 2 من الجنسية العراقية
31/10/2020 1 من الجنسية المصرية
4/11/2020 1 من الجنسية العراقية

مفرزة الضاحية الجنوبية القضائية توقف أشخاص لتجميع أدوية تمهيداً لتهريبها

 

 

التاريخ عدد الموقوفين أنواع الأدوية المهربة
23/10/2020 2 من الجنسية اللبنانية أدوية متعددة

 

فقدان الأدوية

ربما لم تسلم عائلة واحدة في لبنان في الأشهر القليلة الماضية من معاناة البحث عن دواء مقطوع لأحد أفرادها، وأخذت تتنقّل من صيدلية إلى أخرى علّها تجد الدواء المطلوب، لاسيّما تلك التي يتناولها المرضى المصابون بالأمراض المزمنة والمستعصية مثل القلب والسرطان والأعصاب والمهدّدون بإمكانية التعرّض لجلطات واللائحة تطول فيما خصّ الأدوية الأخرى.

بدأت أزمة فقدان الدواء من السوق في الرّبع الأخير من العام الماضي، مع بدء أزمة الدولار وارتفاع سعره في السوق السوداء، حينها بدأ الحديث عن صعوبات تواجه شركات استيراد الأدوية، منها تأخّر فتح الاعتمادات المالية كما التأخّر في إنتاج الدّواء المصنّع في لبنان بسبب صعوبة استيراد المواد الأوّلية. وفوراً اختفت بعض أصناف الدواء من السوق وبدأت أخرى تنقطع تارة من الصيدليات وتتواجد تارة أخرى، وفاقم هلع الناس من فقدان أدويتهم التي تحدّد مصير صحّتهم أو صحّة أفراد العائلة في التهافت على التخزين من 3 إلى 6 أشهر.

ومؤخّراً تأزّم الوضع أكثر مع إعلان المصرف المركزي أنّه لن يكون قادراً على دعم السّلع الأساسية ومنها الدواء بعد نهاية هذا العام نتيجة نفاذ الاحتياطي لديه من العملة الأجنبية، فأقبل الناس على تخزين أدويتهم من جديد، وبدأ تقنين تسليم الصيدليات بشكل علني، والتي بدورها قالت إنها تقنّن في بيع الزبائن (عبوة واحدة أو اثنتين في أحسن الأحوال) أو خصّت بها زبائنها. في موازاة ذلك استعر الحديث عن كميات من الدواء يجري تهريبها إلى الخارج بعد أن يتمّ استيرادها بالدولار المدعوم، فيقبض المهرّب ثمنها بالدولار “الفريش”، فعلى سبيل المثال لا الحصر، ضبطت فصيلة تفتيش المطار في قوى الأمن الداخلي أدوية مدعومة يجري تهريبها إلى خارج لبنان في الفترة الماضية مثل مصر وتركيا والعراق، فيما الحدود البرية مفتوحة على التهريب دون حسيب أو رقيب. علماً أنه جرت العادة، في كل عام أن تُفقد بعض الأدوية بشكل مؤقت، ومن ثم تعود إلى السوق مجدداً، لكن المختلف هذا العام هو اختفاء عدد كبير من الأدوية ولوقت طويل.

وفي هذا السياق، كشفت جولات ميدانية قام بها وزير الصحة الشهر الماضي إلى مستودعات أدوية في مناطق عدّة من لبنان، بهدف تتبّع الأدوية وتحديد مكمن الخلل بدءاً من المستورد الى الوكيل والمستودع والصيدلية، أنّه كان يتم تخزين كميات من الأدوية في المستودعات وبعض الصيدليات أيضاً بانتظار بيعها بعد رفع الدعم بأسعار مرتفعة، وبحسب الوزارة تحسّنت تغذية الصيدليات بالعديد من الأصناف بعد هذا الإجراء، وإن ليس بالشكل الكافي.

ترشيد الدعم أم رفعه؟

كرّر حاكم مصرف لبنان رياض سلامة في الآونة الأخيرة بأنّ البنك المركزي لن يتمكّن من دعم السلع الأساسية ومن بينها الأدوية سوى لشهرين مقبلين بسبب نفاذ الاحتياطي من العملة الأجنبية الذي بلغ يومها عتبة الـ800 مليون دولار، تخوّف اللبنانيين وإقبالهم على تخزين الدواء لأشهر.

بوادر الأزمة حرّكت اللجان النيابية، ومنها لجنة الصحة التي أكد رئيسها النائب عاصم عراجي لـ”المفكرة” أنّ آخر ما توصّلت إليه اللجنة في حال رفع الدعم “تقسيم الدواء إلى أربع مجموعات، المجموعة الأولى: OTC التي يمكن شراؤها من دون وصفة طبية، ثم أدوية الصحّة العامّة كأدوية التهاب اللوزتين ووجع الظهر وهذه تُستهلك مرّة أو مرّتين في السنة، أي بشكل ضئيل، وتُسعَّر على أساس 3900 ليرة للدولار. أما أدوية الأمراض المزمنة (المجموعة 3) مثل القلب والسكري والضغط فيتمّ تخفيض الدعم عليها بنسبة 5%، أي من 85% إلى 80% على سعر 1515، وبالتالي بات على المستورد تأمين 20% من سعر الدواء بالدولار بدل 15%. وتضمّ المجموعة الأخيرة الأدوية المستعصية التي ستبقى مدعومة بـ85% كما كان عليه الحال”. ولفت عراجي الى أنه سيتمّ دعم المواد الأوّلية التي تدخل في الصناعات الأوّلية للمجموعتين الأولى والثانية، متوقعاً، “وفق التقديرات أن نوفّر 250 مليون دولار عبر هذا الترشيد، كما سنُحفّز الصناعات الوطنية”.

ويشكك النائب السابق الدكتور اسماعيل سكرية، بفاعلية اختيار أصناف محدّدة من الدواء للاستمرار بدعمها، معتبراً أنّها “قابلة للفشل كما المحاولات السابقة لوضع اللائحة الأساس للدواء بسبب الضغوطات والوسائط”.

معاناة و”لا ثقة”

ترك الوضع تداعياته على صحة المرضى وسلامتهم، إذ تحدّث أطباء وصيادلة عن تدهور صحّة العديد من المرضى بسبب عدم تمكّنهم من تناول أدويتهم بسبب انقطاعها، وقد علت صرخة أطباء القلب أكثر من مرة، لاسيّما أنّ المرضى لا يثقون بالبديل المتوفّر بحسب نقيب الصيادلة في لبنان غسان الأمين الذي قال لـ”المفكرة” إنّ “ثقافة الخوف من البديل لدى المرضى أثّرت سلباً بعض الشيء، إذ يمتنع غالبيتهم عن تناول بديل عن أدويتهم خوفاً من إصابتهم بمكروه لأنهم لا يثقون بفعاليتها”، فيما رأى أحد الصيادلة أن المشكلة أحياناً تكمن في أن البديل “يكون أغلى ثمناً لا يمكن للمرضى تحمّله”.

وتحدّث الصيدلي نفسه عن معاناة الصيدليات أيضاً خلال الفترة الماضية من شحّ الدواء وانقطاع بعضه لفترات، أو تسليمها كميات محدودة منه. وبحسب الأمين جرى تنفيذ البروتوكول الموقّع بين وزارة الصحة ونقابة الصيادلة والموزعين الّذي ينصّ على تسليم كل صيدلية حاجتها الشهرية، لكن بـ”القطاّرة” وهذا الأمر مستمرّ حتى اليوم، لكن الخلّل الحاصل هو بسبب استنسابية تسليم الأدوية للصيدليات والتمييز بين صيدلية وأخرى لاسيّما تلك الموجودة في الأطراف بسبب ارتفاع كلفة التوزيع.

ويتحدّث الأمين عن معاناة من نوع آخر يعيشها الصيادلة مؤخراً، وتتعلق بأرباحهم التي باتوا يتقاضونها بالليرة اللبنانية على أساس 1515 للدولار فيما الكلفة التشغيلية للصيدليات باتت مرتفعة ما اضطرّهم لاستخدام مخزونهم من الأموال لضمان استمرارهم. ويرى أنّه إذا ما استمرّ الحال على ما هو عليه فإن عدداً كبيراً من الصيدليات (نحو 3000 صيدلية في لبنان) مهدّدة بالإقفال، فيما بلغ عدد التي أقفل منها حتى اليوم 300 صيدلية تقريباً.

ومثل الأدوية في الصيدليات، تبرز أزمة انقطاع الدواء في مراكز توزيع الدّواء التابعة لوزارة الصحة، أي في الكرنتينا حيث توزّع أدوية الأمراض المستعصية، وفي المستوصفات المرخّص لها، حيث توجد أدوية الأمراض المزمنة.

يقول الدكتور سكرية لـ”المفكرة” إنّ إنقطاع الأدوية من هذه المراكز لا يعود للأزمة نفسها حتى ولو كان بعض الأدوية انقطع مؤخّراً للأسباب عينها، إذ هناك انقطاع مستمر وقديم للأدوية في هذه المراكز لاسيما أدوية الأمراض المستعصية التي “يتمّ تهريبها وبيعها في السوق السوداء، ما ينعكس سلباً على صحة المرضى، ومرضى السرطان خصوصاً الّذين يفترض أن يتلقّوا علاجات متواصلة”، وفق سكرية.

الأغلى ثمناً

يستورد لبنان حوالي 5500 صنفاً من الأدوية، وتعدّ الأدوية في لبنان من الأغلى عالمياً، إذ يباع معظمها بأضعاف سعرها الحقيقي، فكارتيل الدواء كما أصبح واضحاً هو من يتحكّم بالسعر وليس الدولة، وقد يصل سعر الدواء إلى خمسة أضعاف ما ينبغي أن يكون عليه، الأمر الّذي يجعل من قطاع الدواء قطاعاً تجارياً بالدرجة الأولى ومدرّاً للرّبح.

في الفترات الماضية، جرى الحديث عن تخفيض أسعار حوالي 300 صنف من الأدوية لكن بقي الكثير من الأدوية والتي تستهلك كثيراً مثل أدوية الكولستيرول والأعصاب مرتفعة الثمن، والأسوأ من ذلك أنّ هناك أدوية “جينيريك” يكون سعرها أعلى من البراند نفسه.

بالأرقام

ينقسم الدواء إلى قسمين، الماركة الأساسية (Brand) والمماثلة (Generic)، والدواء الثاني مثل الأول ولكنه أدنى سعراً كون الشركة المصنّعة لم تتكلّف كما شركة التصنيع الأولى التي سجّلت براءة اختراعه. لكن في لبنان تسود ثقافة تفضيل الدواء الأصلي عن المماثل (جينيريك) رغم أنّه عادة ما يكون أغلى سعراً بسبب الترويج له من قبل الجهات المسيطرة على سوق الدواء. وبحسب سكرية إن غياب الرقابة سمح بتسجيل أدوية الجينيريك بأثمان مرتفعة، “علماً أنه لو لم يجر تعطيل المختبر المركزي بقرار وتأثير من مافيا الدواء، وهو المختبر المعني بفحص وتقييم الأدوية المنتجة والمستوردة، لكان تمّ الاستغناء عن مئات الأصناف من الأدوية ومنعت من التداول لانتفاء الحاجة اليها وعدم فعاليتها العلاجية”، بحسب سكرية. ويؤكّد أن المختبر المركزي “كان صمّام الأمان الّذي تم تطييره لنكون الدولة الوحيدة، عالمياً، التي لا تمتلك هذا المختبر”.

أما السوق في لبنان فينقسم إلى قسمين، الدواء المصنّع محلياً ويشكّل حوالي 7% من حجم السوق حيث يتواجد 11 مصنعاً مسجّلاً محلياً، فيما نستورد 90% من حاجة السوق، وتسيطر على هذه النسبة شركات كبرى منها “ميرساكو” و”فتال” و”أبيلا” و”سادكو” و”أومنيفارما” و”مركوفار” إلخ ويتمتع هذا الكارتيل بوكالات حصرية لاستيراد الدواء.

وفق مستشار وزير الصحة الدكتور محمود زلزلي “يبلغ حجم الاستيراد السنوي للدواء مليار وثلاثمائة مليون دولار. يدعم مصرف لبنان هذه الفاتورة بما يقارب مليار دولار سنوياً، بنسبة 85% من معظم فاتورة الدواء على أساس 1515 للدولار الواحد فيما تتحمّل الشركات الـ15% على سعر السوق السوداء”.

وأكّد زلزلي لـ”المفكرة” أنّ الحديث عن رفع الدعم كان له تداعيات سلبية على الإجراءات التي اتخذتها وزارة الصحة لتخفيض الفاتورة الدوائية الشهرية، لأنّه أدّى إلى ارتفاع حجم الطلب على الدواء الذي كان متناسباً نسبياً مع حجم الاستيراد.

وبحسب زلزلي تعود زيادة حجم الطلب إلى أسباب متعدّدة ومركّبة أبرزها تخوّف المواطن من انقطاع الدواء أو رفع سعره، ومحاولته تأمين حاجته من الأدوية المزمنة لأشعر عدّة، يضاف إلى سعي المستورد إلى الحفاظ على مخزونه وتقنين البيع للصيدليات والتي بدورها عكست ذلك على مخزونها وعلى المواطن تضاف إليه عمليات التهريب من بعض التجار، والتي زدات نتيجة سعر الدواء المدعوم الذي أصبح يعد من الأوفر. وترافق كل ذلك، وفق زلزلي، مع تأخير في تغطية الفواتير من مصرف لبنان سواء للأدوية المستوردة أو حتّى للمواد الأوّلية للصناعة الوطنية حيث بلغ معدّل الفترة المطلوبة لتحصيل الدعم حوالي شهرين، و”قد عملت الوزارة  على عدّة محاور فتابعت عمليات التهريب بالتعاون مع القوى الأمنية، وأجرت تفتيشاً ميدانياً لمستودعات الوكلاء والمصانع للتأكّد من عدم التخزين، وتواصلت مع المصرف لتسريع الإجراءات، وشجّعت على تسريع دراسة وتسجيل مثيلات الأدوية التي لا بدائل لها في السوق”.

ويبلغ حجم الإنفاق الحالي على الدواء في موازنة وزارة الصحة 170 إلى 180 مليار ليرة لتأمين أدوية الأمراض المستعصية والمنقذة للحياة. ويقول زلزلي: “حاولنا تلبية الحاجة بنسبة عالية رغم تزايدها مؤخراً نتيجة توسّع شريحة المواطنين التي تغطيها الوزارة إثر فقدان كثيرين أعمالهم، وبالتالي ضمانهم الصحّي. وحققت الوزارة بدءاً من العام 2019 وفراً بحدود 35% من قيمة الفاتورة نتيجة اعتماد آليّات جديدة في التعامل مع المكاتب العلمية والوكلاء”، يقول.

ضعف الصناعة الوطنية

يوجد في لبنان 11 مصنعاً للدواء، اثنان منها لإنتاج الأمصال، وتنتج المصانع الأخرى دواءً لعلاج الأمراض المزمنة والمضادات الحيوية وغيرها. لكن الصناعة الوطنية لم تحظ يوماً بالاهتمام المطلوب كي يكون في لبنان صناعة دوائية متطوّرة بدل إغراق السوق المحلية بالدواء المستورد لصالح المستوردين. وبالتالي فإنّ من الأسباب الرئيسية لأزمة الدّواء في لبنان هو غياب أي خطة دعم أو سياسة صناعية محفّزة للإنتاج المحلي. وتعدّ كلفة الإنتاج في الصناعة الوطنية الدوائية مرتفعة في لبنان، وبحسب زلزلي “يفترض أن تحصل الصناعة الوطنية على دعم أكبر، مباشر وغير مباشر لتخفيف الكلفة التشغيلية ولزيادة حصّتها السوقية، والتي لا تتجاوز 20 في المئة لأكثر من 1160 صنف دوائي، 7 في المئة منها صناعة وطنية كاملة (جنريك محلي) والباقي إما under license أو صناعة تعليبية لشركات أجنبية”. ففي لبنان 11 مصنعاً فقط تعمل بكامل طاقتها لإنتاج هذه الأصناف، وفي حال دعم الصناعة الوطنية وتحفيزها سيرتفع هذا العدد وسترتفع معه الحصّة السوقية للصناعة الوطنية.

ويؤكد زلزلي أنّ الوزارة تسعى راهناً إلى تعزيز الصناعة الوطنية واعطائها الأولوية على المستورد سواء لناحية تسريع إجراءات التسجيل أو في المناقصات الرسمية كأنْ يعطى الدواء المحلّي هامش 10% فيها، إضافة إلى وضع آليّة لتسعيره تختلف عن آلية تسعير الدّواء المستورد بهوامش محدّدة إلّا أنّ هذه المعالجات تحتاج لعمل أكثر على المدى الطويل. وينسحب ضعف الإنتاج الوطني على تصديره فيشير عراجي إلى أنّ قيمة الصناعات الدوائية تبلغ حوالي 150 مليون دولار سنوياً في لبنان، يُصدّر منها ما قيمته 32 مليون دولار فقط، فيما تبلغ في الأردن مثلاً 800 مليون دولار يصدّر منها 500 مليون دولار.

بحسب سكرية، إن المشكلة الأساسية في انخفاض قيمة الصادرات هي نوعية الدواء نفسه إذ ترفض أغلب الدول تسجيلها لديها، ويرجع سبب ذلك إلى أنّ غالبيّتها هي صناعات تعليبية لشركات أجنبية.

تاريخياً.. محاولات إصلاحية فاشلة

يروي سكرية، كيف مورست سياسة الدّواء منذ ولادة لبنان واستقلاله على قاعدة الاحتكار والتجارة المالية (حسابات وأرقام) ما انسحب على عدم القدرة على إصلاح الواقع الدوائي في لبنان نوعيّة وسعراً. وبالتالي باءت عدّة محاولات إصلاحية بالفشل، أولى هذه المحاولات كانت مع النائب عن الحزب التقدّمي الاشتراكي فريد جبران عام 1960، الّذي قدّم مشروع مكتب الدواء وسقطت محاولته في مجلس النوّاب حيث حدّدت الجلسة ولكن لم يكتمل النّصاب. والمحاولة الثانية كانت مع وزير الصحّة الدكتور إميل بيطار في “حكومة الشباب” العام 1971 حين حاول إصدار قرار بتخفيض أسعار بعض الأدوية وواجه ضغطاً كبيراً ولجأ إلى مجلس النوّاب لإقرار قانون معجّل مكرّر بهذا المعنى. لكن كما حدث مع جبران حُدّدت الجلسة وطار نصابها. كما سعى بيطار لإلغاء المرسوم رقم 34 الّذي ينص على الحقّ الحصري في الإستيراد ويكرّس الاحتكارات، فأقدم التجّار على إخفاء أصناف أدوية أساسية من السوق. وفي العام 1999 كانت المحاولة الثالثة والتي تمثّلت بالقرار رقم 1/90 الّذي يقضي بالسماح لأيّ كان باستيراد الأدوية شرط أن يكون سعرها أقلّ بـ25% من سعر السوق، عندها اشترت الشركات المحتكرة الأدوية منخفضة السعر وسجّلتها في الوزارة لكنها لم تطرحها في السوق وأبقت على المرتفعة فقط. وفي العام 1998 سقط مشروع المكتب الوطني للدواء في مجلس النوّاب لأنّه تمّ التعامل معه كأي موقع في لبنان يحتسب لطائفة ونفوذ سياسي معيّن.

وهكذا، دائماً يلعب نفوذ الشركات المحتكرة دوراً في إفشال المحاولات الإصلاحية، فيما تتماهى مجالس النوّاب المتعاقبة في إفشالها أيضاً. ويولي سياسيو لبنان بشكل عام تحالفاتهم التجارية أهمية كبرى على حساب صحة الناس، ما ضاعف القدرات المالية للشركات المحتكرة الكبرى، فراكم أصحابها مليارات الدولارات كأرباح غير شرعية، على مدى العقود الماضية، وتقدر بعشرة مليارات دولارات كفائض عن أرباحهم الشرعية.

يعتبر سكرية أنّ تسلسل هذه المحاولات تاريخياً، يبيّن الذهنية التجارية الطاغية على سياسة الدواء في لبنان، “لذلك لا نستغرب ما يجري اليوم من انقطاع أو احتكار أو تهريب للدواء في ظلّ أزمة الدولار، وللأسف أنّ الصناعة الوطنية يتمّ تهريبها أيضاً مثل دواء Lasix”.

يذكر أنّ “المكتب الوطني للدواء” كان قد أنشئ في العام 1973 وكانت مهمّته استيراد وبيع وتصدير الأدوية لسحب هذا الاحتكار من شركات الأدوية الخاصّة، وقد استمرّت المماطلة في إقرار المراسيم التطبيقية له وفي إقرار ملاك المكتب حتى العام 1998. يقول سكرية “هذا الأمر يحملنا إلى استنتاج خلاصة مفادها أنّه يجري تطيير أيّ مشروع لوجود جهة رسمية تضبط قطاع الدواء وتمنع احتكار الشركات، إذ كان المكتب الوطني للدواء والمختبر المركزي بصيص أمل لكن لم يسمح لهما البقاء من قبل مافيا الدواء ومن يقفون خلفهم ويحمون مصالحهم”.

ما الحل؟

برأي عراجي، إنّ قطاع الدواء بحاجة إلى تنظيم، إذ يكلّف هذا القطاع مع المستلزمات الطبّية الدولة اللبنانية ما يقارب ملياري دولار سنوياً، وهذا التنظيم لن يحصل إلّا في حال أُقرّ قانون الهيئة الناظمة لقطاع الدواء بمهامها التنظيمية والرّقابية، لإنهاء الفوضى القائمة في القطاع.

من جهته، يعتبر زلزلي أنّ المكتب الوطني للدواء كان مشروعاً مهماً في حينه ولكن لم يكتب له النجاح، والمطروح حالياً هو ما يشبه منظّمة الغذاء والدواء الـFDA  في الولايات المتحدة التي تعدّ خطوة طموحة ورائدة على غرار بعض دول المنطقة. إلا أن سكرية يعتقد أنّ استبدال المكتب الوطني للدواء بالمنظمة المذكورة، يشي بنيّة الهروب من الدور الذي يمكن أن يلعبه المكتب ومهامه الأساسية التي لا تقوم بها المنظمة من استيراد ومراقبة نوعيّة الدواء، إذ عادة يقتصر دور مثل هذه المنظمات على إبداء رأيها بالدواء واكتماله علمياً.

أما المختبر المركزي المعطّل منذ أعوام، فيرى زلزلي من جهته، أنّه يُعدّ من أهم أدوات العمل لمنظمة الغذاء والدواء المحلية المقترحة، وهو من أولويّات الوزارة التي أنهت جميع الدراسات المتعلّقة به وبدأت خطوات لتنفيذه من تأمين المكان إلى تحصيل التمويل اللازم كهبة لتجهيزه. علماً أنّه يعدّ مشروعا منتجاً من الناحية المالية ويمكنه تغطية مصاريف تشيغله وتطويره. وتبلغ كلفة هذا المختبر وفق دراسات سابقة 16 مليون دولار بما فيها كلفة البناء، ولكن إذا ما تأمّن بناء جاهز عبر خيارات متعدّدة متاحة من الأملاك العامة فقد لا تتجاوز الكلفة المطلوبة ليبصر المختبر النور ويبدأ العمل، 6 ملايين دولار.

ويرى سكرية أنّ “المختبر المركزي في حال إنشائه، وهو أمر مهم وضروري، واعتماد آلية تقييم الدواء من شأنه أن يوفّر نصف قيمة الفاتورة للدواء المستورد تقريباً، إذ سيكشف تقييم الدواء أنّ ما يقارب 50% من الأدوية لا حاجة علاجية لها، ويمكن الاستغناء عنها”.

وعلى مقلب آخر يؤكّد سكرية، أنّ محاولة إصلاح سوق الدواء تبدأ بكسر الاحتكار وفتح باب الاستيراد والمنافسة بين التجّار، وبشكل أساسي بعد أن يكفّ مجلس النواب عن دعم هؤلاء التجار.

انشر المقال

متوفر من خلال:

أجهزة أمنية ، أطراف معنية ، البرلمان ، البلد ، الحق في الصحة ، الحق في الصحة والتعليم ، تحقيقات ، حقوق المستهلك ، سلطات إدارية ، سياسات عامة ، قضايا ، لبنان ، مؤسسات عامة ، مرسوم



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *