أي مستقبل ينتظر الكرنتينا بعد انفجار مرفأ بيروت؟ (3/3) شبح تهجير جديد


2020-12-09    |   

أي مستقبل ينتظر الكرنتينا بعد انفجار مرفأ بيروت؟ (3/3) شبح تهجير جديد
.(الدمار في الكرنتينا بعد انفجار مرفأ بيروت (تصوير سهير عاصي مبسوط

إهمال الكرنتينا هو إهمال ممنهج بلا ريب. موقعها الجغرافي الاستراتيجي معطوفاً على فقر سكانها جعلها ضحية الحرب اللبنانية التي هجّرتها بهدف “تهيئتها للتطوير العقاري المناسب”. للهدف نفسه وُضعت تحت الدرس بعد الحرب وما زالت في حالة انتظار. لا يذكرها المسؤولون إلّا قبل الانتخابات حيث تكثر الوعود ومن ثم تغيب الأفعال 1. النفايات امتدت إليها من مكب برج حمود وكذلك الروائح الكريهة والأوبئة التي سبقت المشاريع الكبرى في محاولة تهجير سكانها، مقابل البقاء فيها تحت خطر الموت مرضاً أو اختناقاً. واقعها البيئي، حسب بعض أهلها، يثبت أنه هناك من يريد أن تكون منطقتهم “موبوءة” لحضّهم على الرحيل 2. مشروع محرقة النفايات المنوي إنشاؤه منذ 2018 في الكرنتينا، يؤكّد أنّ هناك مخططات تهجيرية تحاك للمنطقة.  لكن انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020 كان الأسبق. الكرنتينا هي إحدى أكثر المناطق تضرراً بنتيجة الانفجار. تداعيات الإهمال الذي أدى إلى هذه الجريمة لن تنتهي قريبا وعودة الكثيرين من سكان المناطق المتضررة إلى بيوتهم قد تكون مستحيلة. بالأخص، مستقبل الكرنتينا يكتنفه الغموض نظرا إلى علاقتها الوطيدة بمشروع إعادة إعمار وتطوير المرفأ وبمشروع تطوير الواجهة البحرية الشمالية لبيروت.

بعد أن عرض الجزء الأوّل “تهجير حرب لم تنته بعد” لمحة عن تاريخ الكرنتينا والمأساة التي حلّت بها وبسّكانها من جرّاء الحرب، كشفنا في الجزء الثاني “لينور وقدموس” عن ارتباط وضعها “تحت الدرس” في التسعينيّات  بمشروع مرسوم “منسي” لتأسيس مؤسّسة عامّة باسم “قدموس” تهتمّ بتطويرها كجزء من مشروع بديل لمشروع “لينور” وسنتوقف في هذا الجزء عند الإهمال القاتل الذي يهدّدها ومستقبلها في ضوء مخطّطات إعادة اعمار وتطوير مرفأ بيروت.

على طريق الحرير

اكتشاف النفط والغاز في منطقة شرق المتوسط يضع اليوم هذه المنطقة على خريطة النقل البحري من جديد، ويعزز المنافسة الإقليمية والدولية للسيطرة على طرقات التجارة البحرية الرئيسية. انشاء محطة الحاويات (الرصيف 16) في 2004 وضع مرفأ بيروت على الخريطة الإقليمية وهيأه لاستقبال أحدث السفن. لكن الإضافات التي أُدخلت على خطة وزارة الأشغال العامة والنقل لتطوير المرافئ على طول الشاطئ اللبناني وتوسعتها (2008) أعطت مرفأ طرابلس أهمية خاصة بحكم موقعه وخصائصه ومساحته وأهميته بالنسبة إلى إعادة إعمار سوريا.  انفجار 4 آب أعاد توجيه النقاش في اتجاه فرض مرفأ بیروت كممر تجاري رئيسي لا بديل عنه على الساحل اللبناني وصولاً الى تركیا 3. “المخطّط التوجيهي لمرفأ بيروت 2037” الذي وضعته شركة خطيب وعلمي في 2018 خلُص إلى ضرورة توسعة المرفأ لتأمين المزيد من المساحات المخصصة للحاويات، وذلك عبر ردم الحوض الرابع، أو توسعة حاجز الميناء الحجري (السنسول) من ناحية نهر بيروت (بعد سد مجراه)، أو الجمع الجزئي بين الاقتراحين الأول والثاني 4. من شأن أي من هذه المقترحات، بغض النظر عن السجال السياسي حولها (خاصة حول موضوع ردم الحوض الرابع)، أن تؤدي إلى تغير جذري في هيكل الكرنتينا الحضري بما في ذلك من انعكاسات على نسيجها السكاني وعلاقتها بالبحر، التي تغيرت أساسا جراء أعمال الردم التي نفذت بين 1991-2014.

أغلب الظن أن عملية إعادة بناء مرفأ بيروت، مع توسعته وتحديثه، ستكون على نموذج ال BOT (بناء – تشغيل – نقل)، وان كان من غير الواضح حتى الآن من سيقود العملية. من المعروف أن للصين مصالح وأطماع في استثماره بهدف استكمال مشروع طريق الحرير البحري. إلا أن تأمين إطلالة الصين على البحر المتوسط أصبح أمرا محسوما بعد فوز المجموعة الصينية Shanghai International Port Group (SIPG) في 2015 بمناقصة تشغيل مرفأ حيفا الشمالي (المنافس التاريخي لمرفأ بيروت) لمدة 25 عاما إبتداء من 2021، والتي يرى البعض أنها ستغير “قواعد لعبة الاقتصاد الإسرائيلي” 5. بصرف النظر عن الصراعات الداخلية والأبعاد السياسية الاقتصادية التي أخذها هذا الاستثمار الصيني، التحولات الحضرية الكبيرة التي تواكب المشروع قد يعطينا فكرة عن المستقبل المتوقع الذي ينتظر الأحياء الفقيرة المحيطة بمرفأ بيروت، إن كان سيرقى إلى مستوى مرفأ حيفا من حيث التنافسية الإقليمية والدولية.

الجدير ذكره، أن مشروع تطوير مرفأ حيفا يترافق مع مشروع أكبر لتجديد الواجهة البحرية للمدينة وربطها بوسائل نقل حديثة ومتطورة. بلدية حيفا تطمح إلى تحويل ساحل المدينة “إلى برشلونة الشرق الأوسط”. لهذا تضمنت خطتها للواجهة البحرية الجديدة مقترحا لنقل مرفأ المدينة السياحي القديم وإخلاء سكان الحي المجاور له (حي محطة الكرمل) وهدم منازلهم تمهيدا لاستبدالها بالشقق الفاخرة وإنشاء مساحة عامة مفتوحة على طول الواجهة البحرية إضافة إلى مناطق سياحية تضم حانات ومطاعم وفنادق. سوف يتسبب هذا المشروع بتهجير سكان حي المحطة الفلسطينيين الفقراء تحت ذريعة إعادة احياء مدينة حيفا. هناك أمل ضئيل جدا في أن تدمج البلدية الفلسطينيين في خطتها الجديدة التي ترمي إلى محو التراث والتاريخ الفلسطيني. إهمال السلطات المتعمد للحي أدى في السنوات السابقة إلى إخلاء العديد من سكانه بحجة أن منازلهم “خطيرة للغاية”. غير أن الأمر كان في الواقع خدمة لشركة عقارية استحوذت على نصف منازل الحي. ولم يكن هناك طريقة أفضل من استعمال ذريعة “سوء وضع المباني” للتخلص من السكان غير المرغوب فيهم.

إعادة احياء “قدموس”؟

في ظل غياب التمويل اللازم والخطط المتكاملة لإعادة بناء ما دمره انفجار بيروت، هناك تخوف حقيقي من تحوّل التهجير المؤقت لسكان المناطق المتضررة إلى تهجير دائم. مخططات توسيع وتحديث مرفأ بيروت ومحاولة إحياء مشروع لينور مؤخرا واقتراحه ضمن مشاريع CEDRE، يشير إلى أن الشاطئ اللبناني في زمن طريق الحرير وغاز شرق المتوسط والمنافسة الشديدة على استقطاب الاستثمارات العالمية ورأس المال الأجنبي لن يكون كما عهدناه. أمام هذا الواقع، ليس من المستغرب أن يكون مستقبل الكرنتينا شبيها بمستقبل حي المحطة في حيفا نظرا إلى التشابه بينهما من ناحية الموقع (بالنسبة للمرفأ والبحر) وسوء أوضاع بنيتهم التحتية ومبانيهم وساكنيهم. قد يصعب التكهّن الآن، إلا أن هناك الكثير من المؤشرات التي تدل على هذا الاتجاه. فضلا عن المحصصات السياسية، يرجح البعض أن أبرز أسباب إعادة طرح مشروع لينور يرتبط بالرغبة بتنفيذ الأوتوستراد البحري بين محطة شارل حلو والضبية، خاصة أن ردم البحر أصبح واقعا جراء تفكيك جبل النفايات وإحداث “المطامر الصحية” في برج حمود 6 7. سوف يشطر هذا الأوتوستراد الكرنتينا إلى ثلاثة اقسام. على صعيد آخر ستؤدي مخططات توسيع مرفأ بيروت لخنقها أكثر من ناحية الشمال والغرب. في الوقت نفسه سيكون للاستثمار السياحي تأثير كبير عليها لناحية الشرق. ومن الواضح أن الجيش اللبناني موجود فيها ليبقى.

القانون رقم 194 الذي صدر مؤخرا لا يحمي سكان المناطق المتضررة بانفجار مرفأ بيروت من التهجير. هو يؤجل فقط عملية بيع المباني التي لا يرغب و/أو لا يستطيع أصحابها إعادة تأهيليها، على الأغلب خدمة لمصالح المطورين العقاريين النافذين في شرق العاصمة منذ سنوات و/أو لمن لهم شأن خاص بمشروع تطوير السواحل الشمالية لمدينة بيروت. بالتالي، ليس من المستغرب أن يعاد طرح مشروع مكمل لمشروع “لينور” في هذا الظرف. يجدر التذكير هنا أن الاتجاه في تسعينات القرن الماضي كان لمشروع موسع (“قدموس”) يمتد على رقعة جغرافية تضمن الجدوى الاقتصادية للمشروع “لينور” (راجع الجزء الثاني من هذا المقال). التصميم التوجيهي العام للضاحية الشمالية لمدينة بيروت الذي عرضه التنظيم المدني على المجلس الأعلى للتنظيم المدني في 1996 شمل مناطق المدور والرميل والاشرفية في جزئه الواقع ضمن مدينة بيروت. رغم موافقة بلدية بيروت حينها على وضع هذه المناطق تحت الدرس، الحدود المقترحة لمشروع “قدموس” شملت فقط جزءا من المدور (الكرنتينا تحديدا). فهل يكون انفجار مرفأ بيروت سبيلا لعودة هذا المشروع بحلة جديدة ومبررا لسيطرة شركة عقارية او مؤسسة عامة على المنطقة المتضررة تحت حجة إعادة احيائها وحماية طابعها التراثي؟ عندها، البداية ستكون على الأرجح من الكرنتينا – “حي البوساء” – حيث ان سكانها هم الأفقر والأضعف وعقاراتهم هي الأغلى ثمنا.

***

قراءات أخرى

للمزيد عن التحولات الحضرية للمنطقة ووضعها الراهن والجهات الفاعلة الاساسية فيها، راجع دراسة محترف التجدد المديني (2013-2014). المشروع المديني لمنطقة المدور. اعداد قسم التنظيم المديني، معھد الفنون الجميلة – الجامعة اللبنانية.

[1]  إيلده الغصين، المرجع أعلاه.

[2] هديل فرفور، سكان الكرنتينا: «نحنا والمرض جيران»، جريدة الأخبار، 6 تشرين الثاني 2015.

[3] خبير الاقتصاد السياسي بيار خوري، كما نقل عنه خالد أبو شقرا، إنفجار المرفأ «شحمة» على «فطيرة» الصين، جريدة نداء الوطن، 10 آب 2020.

[4] خضر حسان، ردم الحوض الرابع في مرفأ بيروت.. طائفية وتلزيم مخالف؟ المدن، 10 آب 2018.

[5]Business Reporting Desk, New Chinese Operated Haifa Port a Game Changer for Israeli Economy, Belt and Road News, 10 November 2020.

[6] إيلي الفرزلي، المرجع أعلاه.

[7] سينتيا بوعون، بين مطمرَي برج حمّـود والجـديدة: توسيع المطامر البحريّة لإعادة إحياء “لينور”، المفكرة القانونية، 26 حزيران 2020.

انشر المقال

متوفر من خلال:

أملاك عامة ، اقتصاد وصناعة وزراعة ، الحق في السكن ، بيئة وتنظيم مدني وسكن ، بيئة ومدينة ، تحقيقات ، حراكات اجتماعية ، حقوق العمال والنقابات ، سياسات عامة ، عدالة انتقالية ، قضايا ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، لبنان ، لجوء وهجرة واتجار بالبشر ، مجزرة المرفأ ، ملكية خاصة



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *