أطباء نفسيين عن حالة طارق يتيم: واعٍ ومدرك لكنه سريع الغضب


2017-02-08    |   

أطباء نفسيين عن حالة طارق يتيم: واعٍ ومدرك لكنه سريع الغضب

انعقدت أمس جلسة جديدة في إطار محاكمة طارق يتيم، المتهم بقتل جورج الريف. وهذه الجلسة الحاصلة أمام محكمة الجنايات في بيروت برئاسة هيلينة اسكندر، هي الأخيرة قبل المرافعة التي حددت في 11 نيسان 2017. وكان جورج قد قضى متأثّراً بجراحه بتاريخ 16 تموز2015 بعدما قام يتيم بطعنه في منطقة الصيفي بيروت، أمام أعين الناس وفي وضح النهار، إثر إشكال على أحقية المرور. فظاعة الجريمة جعلتها محل إهتمّام الرأي العام. لا سيما بعدما ثبت أن طارق يتيم كان يعمل مرافقاً لدى أحد كبار النافذين ماليا في لبنان أنطوان صحناوي، وسبق أن تورط في جرائم أخرى لا تقل خطورة من دون أن يؤدي ذلك إلى إدانته بعقوبات صارمة. وقد علقت “المفكرة القانونية” آنذاك على القضية مشيرةً إلى أنّ التدخّل في القضاء، يقتل”.

وقد خصصت جلسة أمس للإستماع إلى الأطباء النفسيين الذين عاينوا يتيم، لتتمكن المحكمة من الوقوف على حالته النفسية. وكان يتيم تذرع بتعاطيه لحبوب مخدرة وللكحول وبحالته للنفسية والعصبية لتبرير فعلته. وبعد القسَم، أجاب كل من الأطباء رامي أبو خليل، ايلي كرم وأحمد عياش، على أسئلة المحكمة وجهتي الإدعاء والدفاع.

وكان أبو خليل قد عاين يتيم لمرة واحدة في عيادته، بعد أن قصده الأخير “بهدف التخلص من إدمانه على الحبوب المخدرة وحشيشة الكيف”. هذه الزيارة حصلت قبل أسبوعين على الأقل من ارتكاب يتيم لجريمته، وفق ما أفاد به الطبيب. وقد انتهت إلى وصف علاج لـ “يتيم” يرتكز إلى دواءين، أحدهما يساعده للبقاء في حالة هادئة خلال إقلاعه عن تعاطي “الحشيش” والآخر يساعده على تجاوز حالة الإكتئاب خلال هذه المرحلة. كما أعلمه الطبيب آنذاك بضرورة الدخول إلى المستشفى لتلقي العلاج اللازم للإقلاع عما يتعاطاه من مواد مخدرة. لكن يتيم رفض ذلك، ولم يعاود زيارة الطبيب وفقاً لما كان متفق عليه. أما عن حالة يتيم النفسية والعصبية، ومدى وعيه وإدراكه للجريمة التي ارتكبها، يشير أبو خليل إلى أنه “لم يتبين له أن يتيم غير متمتع بقدراته العقلية أو مصاب بأي من الأمراض التي تفقد الشخص إرادته الواعية”. بالمقابل، جل ما يعانيه يتيم هي “إضطرابات في الطباع والشخصية، تؤدي باجتماعها مع تعاطي الكحول والحشيشة وأنواع معينة من الحبوب، إلى دخول الشخص بفورات غضب كبيرة أمام بعض المواقف”.

أما كرم، الذي كان عيّنه قبل قاضي التحقيق جورج رزق، فقد صرح أنه تأكد عند أول لقاء له مع يتيم لمرة واحدة أن الأخير “كان بوعيه وإدراكه عند ارتكابه للجريمة”. غير أنه وفقاً لكرم “لم يكن (يتيم) يريد قتله (أي الضحية جورج الريف) بل إسكاته كونه وُجد في حالات مماثلة بسبب عمله كمرافق شخصي واستطاع إسكات الناس”. وللتأكيد على ذلك، ينقل كرم عن يتيم ما كان ادعاه من “أنه لم ينزل معه المسدس من السيارة بعدما رأى الريف أعزل”. وقد تعجب من أن ينزل شخص للمشاجرة من دون سلاح. من جهته أيضاً ينفي كرم أن يكون يتيم يعاني من حالة اكتئاب. فهو فقط “سريع الغضب والإنفعال”. هذه الأطباع وفقاً للطبيب “تزداد حدتها عند التوقف عن تعاطي الحشيشة”. ويزداد الأمر سوءاً “لو تناول الشخص الكحول”. ففي هذه الحالات “ينفعل بسبب أمور لم يكن ينفعل بسببها قبل”. بالنتيجة ينتهي كرم إلى القول، بناءً على حديثه مع المتهم، أن “يتيم كان مدركاً أنه كان يضرب إنساناً، لكنه لم يكن يدرك أنه كان بصدد قتله”. لكنه في مطلق الأحوال لا يعاني من أمراض تفقده الوعي، ويبقى إثبات فرضية عدم إدراكه لجريمة القتل معلقة على التثبت من صحة ما سرده يتيم للطبيب. إلا أن يتيم، علق على أقوال الطبيب قائلاً: ” كان في جو سخرية وقت شفت الدكتور”. وهنا سألته القاضية اسكندر عن قصده فأوضح: “عندما كنت أتكلم مع الطبيب كنت أسخر من نفسي وأقول أشياء من دون تفكير فقد كنت بحالة سيئة”.

خلافاً لهذا التعليق، قال يتيم بعد شهادة عياش “بس شفت د.عياش ارتحت لشخصيته، بدليل أني أخبرته عن كل أمراضي”. وبدا أن تعبير يتيم عن ارتياحه مبررا بأن شهادة عياش تصب في مصلحته الى حدّ ما. وقد أدت هذه الشهادة إلى إثارة ضجة في المحكمة بعدما اعترض وكيل عائلة الريف المحامي زياد بيطار عليها، مصرّحا أنه سيدعي على الطبيب بجرم “الشهادة الكاذبة”. واعتبر بيطار أن عياش “تمكن من سرد قصة حياة يتيم في إثر جلسة مدّتها ساعة معه فقط”. وقد ذهب بيطار أبعد من ذلك حين قال متوجها إلى جهة الدفاع: “إشتريتوه” (أي حصلتم على تقرير لصالحكم مقابل رشوة).

وقد جاء في شهادة عياش أن يتيم “يعاني من شخصية غير متزنة مفرطة في انفعالاتها لأسباب نفسية مرتبطة بتاريخه وطفولته القاسية”. فـيتيم “كان قد تربى في مؤسسة جبل عامل للأيتام، وعيش الأطفال في هذه الظروف تجعلهم يشعرون أن المجتمع لم ينصفهم وحتى الآلهة لم تنصفهم”. يضيف عياش أن “هذه الظروف لا تؤدي إلى فقدان الوعي، بل تنتج ردات فعل مفرطة”. ويكون عياش حتى هذا الحد متوافقاً الى حد ما مع زميليه. الا أنه توسع من ثم في شرح الحالات العامة النظرية أكثر من التركيز على حالة يتيم، مما دفع النيابة العامة الى التدخل: “خلينا بلا تعميم ونحكي عن حالة المتهم”.

الفارق البارز بين شهادة عياش وزميليه ما قاله لناحية أن الأدوية التي وصفت ليتيم من قبل أبو خليل “في حال دمجها مع الكحول، تؤدي الى رفع مزاج الشخص فيصبح مستهتراً بأفعاله ما يسمح له أن يقوم بانفعالات كان قادراً على كبحها سابقاً”. وهو ما يتلاقى مع إدعاء يتيم أنه كان قد أسرف بشرب الكحول في الليلة السابقة على الجريمة.

أخيراً يسجل وجود تفاوت فيما أفصح عنه يتيم للأطباء الثلاثة. ففي حين نفى كل من أبو خليل وكرم، باجابتهم على سؤال وكيل يتيم، أن يكون قد أخبرهم عن معاناته من داء الصرع في طفولته، أو تعرضه لمحاولة “ذبح” آنذاك. فإن عياش أكد أن يتيم أخبره بالأمرين. أما لناحية المحكمة، فلا بد من الإشارة إلى أن رئيسة المحكمة أعطت الوقت المناسب للأسئلة والإجابات حول تعاطي المتهم للمواد مخدرة والكحول والظروف التي يدعي أنه واجهها ومدى تأثيرها على إرادته وإدراكه. إنما يسجّل أن سؤالا أساسيا وبالغ الأهمية لم يطرح على الأطباء النفسيين وهو يتصل بمدى تأثير تفلت يتيم من العقاب في جرائم أخرى على فعله. وهو سؤال تستدعيه ليست فقط هذه القضية، إنما جميع القضايا العالقة أمام القضاء. فلنتساءل.

انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد القضائي ، لبنان ، حريات عامة والوصول الى المعلومات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية