شهد الشهران الأخيران لسنة 2014 تطورات لافتة في مجال حرية التعبير في لبنان، ولا سيما لجهة المسائل المتصلة بكشف الفساد. وعلى ضوء ذلك، بدا أن النشاط الحقوقي لتكريس مبدأ "التشهير حق حين يكون واجباً" بدأ يُؤتي أُكلَه في عمل المحاكم. وما يزيد هذه الأحكام أهمية، هو أن بعضها جاء كنتيجة مباشرة للتفاعل بين المحاكم المعنية والحراكات الاجتماعية والحقوقية في اتجاه تعزيز حرية التعبير في كشف صرف النفوذ والفساد الذي يرافقه. وكانت "المفكرة" قد خصصت عددها الرقم 15 الصادر في آذار 2014 للجدلية بين الإعلام والقضاء، وذلك على خلفية ما أسمته آنذاك بمعركة محكمة المطبوعات.

وقبل المضي قدماً في عرض هذه التطورات، نسارع الى الإشارة الى مدى اتصال أحكام مماثلة بأسس النظام السياسي القائم. وهذا ما عكسه أحد الأحكام موضوع هذه المقالة (الحكم الصادر في 26-11-2014 عن قاضي الأمور المستعجلة في بيروت جاد معلوف) بإحالته الى دراسات عدة أظهرت الترابط الوثيق بين حرية الإعلام والفساد وأكدت أن نسبة الفساد تتضاءل كلما ازدادت حرية التعبير والإعلام. وتؤدي ترجمة هذه العبارة في النظام اللبناني الى القول بأن من شأن تعزيز حرية التعبير أن يؤدي الى تراجع نسبي في الفساد وفي مدى تحكم الزعماء بموارد الدولة وما يستتبعه من استقطاب سياسي. وعليه، ينتمي مبدئياً التضييق على حرية التعبير مثله مثل الامتناع عن وضع موازنة عامة أو عن تكريس استقلال القضاء الى نظام الزعماء، فيما يعزز إقرار حرية التعبير مثله مثل أي من هذه القيم إمكانات الانتقال الى حكم ديمقراطيّ مبنيّ على المساواة والمواطنة.

القرار الصادر عن قاضي الأمور المستعجلة في بيروت جاد معلوف في 26-11-2014: واجب الدولة ضمان مشاركة المواطنين النشطة في فضح الفساد
في هذه القضية، تقدم ضابط في الأمن العام باستدعاء طالباً من قاضي الأمور المستعجلة في بيروت التدخل لإلزام إعلاميّ (لم يذكر اسمه في القرار) بإزالة تصريح ورد على صفحة الفايسبوك العائدة له، وأشار اليه بالأحرف الأولى من اسمه في مسألة تهريب أجهزة خلوية في المطار. وقد برر المستدعي طلبه بأن هذا التصريح يسيء اليه والى وظيفته ورتبته ومركزه. وفي مواجهة هذا الاستدعاء، أكّد صاحب الصفحة صحّة الخبر مصرًّا على إبقائه على صفحته عملاً بحرية التعبير. ولم يقدّم هذا الأخير إثباتات تؤكد صحة المعلومات الواردة في الخبر، بل مجرد مؤشرات على ذلك، من قبيل أنه تم مؤخراً نقل الضابط من مركز عمله على خلفية ارتكاباته. وإذ أشار القاضي معلوف الى عدد من الاعتبارات التي باتت معهودة الى حد ما في أحكامه القضائية (الوصول الى المعلومة وحق المواطنين بالمعرفة عملاً بالدستور والمواثيق الدولية)، فإن  قراره تميز من خلال إقحام مجموعة من الاعتبارات غير الاعتيادية في الموازنة بين حرية التعبير في فضح الفساد وحماية السمعة الشخصية. ومن أهم هذه الاعتبارات الآتية:

أولاً، الإشارة الى الترابط الوثيق بين حرية الإعلام ومستوى الفساد كما سبق بيانه. وفي هذا السياق، لم يكتف القرار بعدّ حرية الإعلام وسيلة مجدية لمكافحة الفساد، بل ذهب أبعد من ذلك، من خلال التأكيد أنها قد تتحول في ظروف معينة الوسيلة الوحيدة للوصول الى هذا الهدف. وتؤشر هذه العبارة الى مخاوف القاضي معلوف إزاء تعطل دور أجهزة الرقابة والمحاسبة الرسمية، فيصبح الإعلام الوسيلة المجدية الوحيدة لفضح المرتكبين أو لإرغام هذه الأجهزة على تحريك الملاحقات ضدهم. وبهذا المعنى، تشكل هذه العبارة رداً أنيقاً وبليغاً على الخطابات التي تدعو الى تجنب الفضح الإعلامي (الذي غالباً ما يُصوَّر على أنه أعمال إثارة وصحافة صفراء) وانتهاج الوسائل الرسمية وحدها للاقتصاص من الفساد، وذلك صوناً لكرامة الأشخاص أو هيبة المؤسسات التي ينتمون اليها. ومن أبرز هذه الخطابات، الخطابات الصادرة عن المراجع القضائية بوجوب حصر أي تشكيك بأي من القضاة في إطار آليات المحاسبة الرسمية صوناً لهيبة القضاء، أو أيضاً الخطابات الصادرة مؤخراً عن عدد من الوزراء في مواجهة حملة التشهير بالمؤسسات المخالفة التي يقودها الوزير وائل أبو فاعور[1].

ثانياً، الإشارة الى تأثيرات الفساد الخطيرة على الاقتصاد، من منطلق أنه يشكل "أحد العوائق الرئيسية للتطور والنمو". وبذلك، أعاد القاضي معلوف شروط الموازنة بين حرية التعبير والحقوق الشخصية بالسمعة: فكفة حرية التعبير لا تقتصر على الحقوق المدنية والسياسية بل تشمل أيضاً اعتبارات التنمية وما يستتبعها من حقوق اجتماعية واقتصادية.

ثالثاً، التأكيد على دور السلطات العامة (ومنها القضاء) بمكافحة آفة الفساد. فقد أشار القرار مراراً الى المادة 13 من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد ومضمونها. وقد أوجبت هذه المادة على الدول أخذ التدابير المناسبة لتشجيع أفراد وجماعات لا ينتمون الى القطاع العام على المشاركة النشطة في منع الفساد ومحاربته، ولإذكاء وعي الناس في ما يتعلق بوجود الفساد وأسبابه، عبر تدابير عديدة، ومنها خاصة ما يضمن تيسّر حصول الناس فعلياً على "المعلومات" واحترام وتعزيز وحماية التماس المعلومات المتعلقة بالفساد وتلقيها ونشرها وتعميمها.

رابعا، التأكيد على أن ضمان حرية وسائل الإعلام في هذا المضمار لا يرتبط فقط بتمكينها من ممارسة حق، بل أيضاً بتمكينها من القيام بواجبها في فضح الفساد. وفي هذا الإطار، ذهب القاضي معلوف الى حدّ مخاطبة الحسّين المواطني والمهني لهذه الوسائل، داعياً إياها الى تحصين هذا الحق/الواجب من خلال التحلي بمعايير أخلاقية عالية واتخاذ التدابير اللازمة لتأمين أعلى مستوى من الدقة والمهنية في الاستقصاء عن المعلومات والتعاطي معها. 

ومقابل هذه الاعتبارات التي من شأنها أن تعزز وترجح وزن حرية التعبير في عملية الموازنة، عمد القاضي معلوف الى التخفيف من وزن اعتبارات السمعة الشخصية للقيمين على خدمة عامة. وفي هذا السياق، استعاد حيثيات حكم سابق له في قضية النائب سامي الجميل ضد الأخبار[2]، ومفادها أن من يتعاطى الشأن العام أو يمارس سلطة عامة يتخلى حكماً عن جزء من الحماية المتوفرة للأشخاص العاديين ويخضع لمراقبة الرأي العام بكل أفعاله المتعلقة بوظيفته، ولا بد له من إظهار نسبة أعلى من التسامح والتقبل.
وعلى أساس هذه الاعتبارات كافة، انتهى القاضي معلوف الى رد الدعوى من دون أن يناقش مدى صحة أو ثبوت الأفعال المنسوبة الى المستدعي. فالقضاء المستعجل يتدخل فقط في حالات التعرض الواضح لحق معين، فيما اتهام موظف عام بالتورط بشكل أو بآخر في عملية تهريب يحتمل أن يكون أمراً محقاً وربما واجباً. وتالياً، يتعين على القضاء المستعجل وفق ما جاء في الحكم رفع يده في حالات مشابهة، على أن يكون طبعاً للمتضرر حق اللجوء الى القاضي المختص (محكمة المطبوعات إجمالاً بما يتصل بقضايا القدح والذم) لإثبات الاعتداء غير المبرر عليه، مع ما يرافق ذلك من وجاهية وعلانية. ولسان حال القرار في هذا الصدد: ما هو بديهي هو صون حرية الإعلام، أما تحصين مسؤولين عموميين إزاء الاتهام الإعلامي فليس كذلك، ما دام ثمة احتمال أن يكون اتهامهم محقاً.

وفي موازاة صدور هذا القرار، كانت قضية أخرى تتفاعل أمام القضاء المستعجل، هي قضية اتهامات الفساد الموجهة من جريدة الأخبار ضد إدارة جامعة خاصة (الجامعة الأميركية في بيروت، AUB)، وهي قضية أكثر دقة ما دامت تتصل بأشخاص من القطاع الخاص لا بموظفين عامّين، وأنها تتصل بنشر مراسلات خاصة محمية من حيث المبدأ باعتبارات الخصوصية. 
 
قضية فضح الفساد الحاصل في جامعة خاصة: التشهير ونشر مراسلات خاصة جائزان عند توفر مصلحة عامة ذات شأن
بدأت فصول هذه القضية حين نشرت جريدة الأخبار مجموعة من المقالات عن الجامعة الأميركية في بيروت. وقد ألحقت ذلك بنشر مراسلات خاصة بين القيمين على هذه الجامعة. وقد بررت الجريدة نشر هذه المراسلات بكونها ترشح عن اعتراف صريح بحصول عمليات فساد. وتبعاً لذلك، تقدمت الجامعة الأميركية الى القضاء المستعجل في بيروت بعدد من الطلبات لإزالة إحدى المقالات وكذلك المراسلات الخاصة العائدة لها والمنشورة على الموقع الإلكتروني للجريدة ومن ثم لمنع الصحيفة من نشر أي مستند خاص بها. وفي حين أن الاعتراض على نشر مقالة بات أمراً شائعاً، فإنها المرة الأولى التي تنظر فيها المحاكم اللبنانية بمدى مشروعية نشر مراسلة خاصة. وللموقف المتخذ في هذا المجال طبعاً أهمية خاصة في ظل انتشار ظاهرة "الليكس" ونظرية المجتمعات المفتوحة. واللافت أن موقف القاضي زوين قد شهد في سياق هذه القضية تطوراً بالغ الأهمية، انتهى بفعله الى تكريس سابقة من شأنها ضمان حرية التعبير في فضح الفساد، ليس فقط الفساد المعزو الى شخص قيّم بخدمة عامة بل أيضاً الفساد المعزو الى هيئات القطاع الخاص.

ففي قراره الأول الصادر في 19-11-2014، ارتكز القاضي على قراءة حرفية لنصوص قانون العقوبات والتي تعاقب الذم بالأشخاص من غير الموظفين العموميين(م. 583) كما تعاقب نشر مراسلات خاصة صوناً للحق بالخصوصية (م. 581) من دون أن يولي أي اعتبار لصحة المعلومات المنشورة أو لمبدأ حسن النية أو لواجب وسائل الإعلام في فضح الفساد. ومن شأن تطبيق هاتين المادتين على هذا الوجه أن يؤدي عملياً الى حظر التشهير بفساد أي مؤسسة أو شركة تجارية خاصة مهما بلغ حجمها أو حجم فسادها.

ولم تنقض أيام حتى تحرر القاضي زوين من هذه القراءة الحرفية لقانون العقوبات ليتخذ في 8-12-2014 موقفاً أكثر انسجاماً مع المبادئ العامة لحرية التعبير، وتحديداً في اتجاه أعمال الموازنة بين المصلحة العامة والحق بالكرامة الشخصية. وقد حصل ذلك في قضية أخرى طلبت فيها الجامعة نفسها منع الجريدة نفسها من نشر أي مستندات أو مراسلات خاصة بها. ولعل العنصر الأساسي الذي استجد على ملف القضية والذي كان من شأنه أن يقود القاضي الى تعديل وجهة قراره، تمثل في إبراز عيّنة من "المراسلات الخاصة" التي تطلب الجامعة منع نشرها، ومنها مراسلة تقر فيها إدارة الجامعة بقيام أحد أطبائها بالتصريح عن عدد كبير من العمليات الوهمية، ما رتب على موازنة الدولة مبالغ طائلة غير مستحقة. فأمام هذه الواقعة، تبدّت بوضوح للقاضي الأبعاد الفعلية لقراره الأول والتي من شأنها أن تؤدي الى إغماض العين أمام عمليات فساد مضرة بالمصلحة الاجتماعية إضراراً كبيراً. وأمام اعتبار مماثل، بدت الرؤية أكثر وضوحاً: فبدل النظر الى الجريدة على أنها جريدة تستبيح الكرامات الواجب حمايتها ويقتضي وقفها، توجب النظر اليها على أنها تؤدي دوراً أساسياً في فضح الفساد ويقتضي تشجيعها. وعلاوة على ذلك، يرجح أن يكون القاضي زوين قد تفاعل الى حد مع الأسئلة المطروحة بشأن قراره الأول وانعكاساته على الحرية الإعلامية، وربما أيضاً مع توجهات القانون الدولي في هذا الإطار وخصوصاً القرار الصادر عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بتاريخ 12-4-2012 والذي أبرزته الجريدة على اعتبار أنه أجاز نشر مراسلات خاصة عند اتصالها بمصلحة عامة ذات شأن.

وعملاً بذلك، استهل القاضي تعليله بالتأكيد على مبدأ سموّ المصلحة العامة على المصلحة الشخصية ومبدأ حق الرأي العام في الاطلاع والمعرفة. وانتهى تبعاً لذلك الى منع نشر أية مراسلة خاصة بالجامعة الأميركية غير ضرورية ومهمة لمصلحة عامة ذات شأن، وعملياً، ومن باب التأويل المعاكس، الى السماح بنشر أي مراسلة تكون ضرورية ومهمة لمصلحة عامة مماثلة. وتجدر الإشارة هنا الى أنه أعلن على غرار القاضي معلوف أنه ليس لقاضي الأمور المستعجلة أن يحسم مدى توفر المصلحة الاجتماعية لنشر مستند معين، بل يتقرر ذلك تبعاً لمحاكمة علانية ووجاهية أمام قضاء الأساس (محكمة المطبوعات). فما هو بديهي هو حرية التعبير، أما تحصين الهيئات الخاصة إزاء أي اتهام بشبهة فساد فليس كذلك.

والواقع أن لهذا الحكم أبعاداً لافتة. فعدا أنه يشكل سابقة هامة في السماح بنشر المراسلات الخاصة "كلما توفرت ظروف استثنائية تدعو الى تفهم نشر مراسلة خاصة كعندما يكون الأمر يمس سلامة الدولة أو أمنها أو متى كان النشر ضرورياً ومهماً للمصلحة العامة ذات الشأن الى حد يسمح بالتضحية بالاعتبار الشخصي"، فإنه يشكل سابقة لا تقل أهمية، يقوم فيها القضاء اللبناني باستبعاد تطبيق النص الجزائي على حالات معينة عملاً بعلوية المبادئ العامة للقانون والتي تحتم تأويل النصوص في وجهة تتوافق معها.
ومن شأن ذلك أن يفتح الباب واسعاً أمام حماية حرية التعبير في لبنان، ولا سيما في كل ما يتصل بفضح فساد الأشخاص الذين لا يتولون أي خدمة عامة.

بقي أن نسجل للقاضي زوين انفتاحه على الآراء الفقهية والتخاطب الاجتماعي، واستعداده لتطوير موقفه على ضوء مقتضيات المصلحة العامة. هذا ما حصل أمام قضاء الأمور المستعجلة، فما هو التطور الذي حصل على صعيد قضاء الأساس، أي محكمة المطبوعات؟ كيف انتهت سنة 2014 وهي التي شهدت معركة بالغة الأهمية حول عمل هذه المحكمة في مستهلها؟
هنا أيضاً، يسجل للنشاط الحقوقي أنه أحرز تقدماً لافتاً.
 
محكمة مطبوعات بيروت تقر حق المواطن بالتشهير بفساد القيمين على خدمة عامة 
التقدم الحاصل هنا تمثل في قرارات أصدرتها محكمة المطبوعات في بيروت في اليوم نفسه (17-11-2014 ) في ثلاث قضايا مختلفة أقامها قيمون على خدمة عامة (قاضيان ووزير سابق) ضد وسائل إعلامية مختلفة. وقد دعت المحكمة بموجب هذه القرارات الجهات المدعى عليها الى إثبات صحة الأفعال موضوع الذم المدعى بها. وقد بررت المحكمة إعادة فتح المحاكمة لهذه الغاية بمقتضيات حسن العدالة وبحرية الصحافة، مستندة في ذلك الى المادة 387 من قانون العقوبات التي تبرئ المدعى عليهم في قضايا الذم ضد موظفين عموميين في شؤون متصلة بوظائفهم من المسؤولية في حال إثبات صحة أقوالهم. ويجدر التذكير هنا بأن تغير موقف المحكمة جاء تبعاً لمواجهة شاركت فيها وسائل إعلام عدة ضد حكميها الصادرين في قضيتي السنيورة ضد الأخبار ورشا أبو زكي ورندة يقظان ضد الأخبار ومحمد نزال، تحت شعار واجب الإعلام في فضح الفساد[3]. وقد رأت جريدة الأخبار آنذاك أن إدانة الصحافي بالذم بمعزل عن صحة موضوعه إنما تؤدي عملياً الى حماية الجهات الفاسدة، وتالياً أصحاب النفوذ وتحصينهم إزاء أي نقد[4]. ومن هذه الجهة، أظهرت المحكمة هي أيضاً استعداداً، يُحسب لها، للانسجام مع الحراك المجتمعي ولإعادة النظر في اجتهاداتها التي يثبت لها عدم صوابيتها.

إلا أنه برغم هذا التوجه الإيجابي والذي لا بد أن يكون له تبعات عدة، تبقى حيثيات المحكمة في فهمها للمادة 387 عقوبات قابلة في بعض زواياها للانتقاد. فهي اشترطت لتطبيق المادة ثبوت حسن النية، أي أن يكون الفعل موحى به من أسباب تتعلق بالمصلحة العامة ومجرداً عن أي غاية شخصية أو مادية أو عدائية أو مقصودة للحد من كرامة الموظف. وإضافة هذا الشرط هو بالواقع أمر مستغرب. فالمادة 387 لم تنص على أي شرط مماثل، وعلة ذلك هو أنها تقوم على قرينة توفر حسن النية لدى كل من يفضح إخلالاً معيناً بالوظيفة العامة ما دام فضح إخلال مماثل مفيداً بحد ذاته أياً تكن الدوافع اليه. أما أن يوضع شرط إضافي لإبراء الصحافي من المسؤولية، فإنه يفتح باباً أمام المخلين بالوظيفة العامة بتحصين ذواتهم ضد النقد من خلال التواري خلف نيات الأشخاص الذين تجرؤوا على انتقادهم ودوافعهم. وعلاوة على ذلك، هو يؤدي في حال عدم ثبوت حسن النية رغم ثبوت الأفعال موضوع الذم الى تجريم أفعال خارج الحالات التي يجرّمها القانون، ما يشكل خروجاً عن مبدأ أن لا جرم من دون نص.

أياً يكن، فإن هذا الأمر يبقى تفصيلاً، من غير المنصف أن يحجب أهمية الإنجازات القضائية التي تشاركت ضمناً في تحقيقها الهيئات المذكورة أعلاه، في تضامن وانسجام لافتين. وبالطبع، هذا التضامن والانسجام لا ينسحب في هذه الحالة على القضاء أو القضاة وحدهم، بل يشمل منظمات حقوقية وإعلامية، كان لها دور محفّز ومنوّر في صناعة هذه الأحكام.

للإطلاع على نص الحكم كاملا الرجاء الضغط على الرابط أدناه

نشر في العدد الرابع و العشرين من مجلة المفكرة القانونية

للإطلاع على النص مترجما الى اللغة الإنكليزية يمكنك الضغط هنا

[1]نزار صاغية، ماذا تعلمنا تجربة انخراط وزير في الدفاع عن حق الناس بغذاء سليم؟ التخاطب الحقوقي كنقطة انطلاق على خارطة بناء الدولة في لبنان، المفكرة القانونية، عدد 23، كانون الأول 2014.
[2]قاضي الأمور المستعجلة يسقط دولة المجاملة، الموقع الالكتروني للمفكرة القانونية، 23-8-2013.
[3]عن هذا الأمر، يراجع المفكرة القانونية، العدد 15، آذار 2014.
[4]"نرفض الحضور أمام محكمة استثنائية"، الأخبار، 27 شباط 2014.