ما علاقة المحامين بالدولة في تونس؟ وكيف تطوّرت هذه العلاقة على مر السنوات من دولة الاستعمار الفرنسي إلى حكم الحبيب بورقيبة إلى نظام زين العابدين بن علي وصولاً إلى ثورة ٢٠١١؟ كيف تشكلت هوية المحامين المهنية طوال العقود المنصرمة؟ ما هي علاقة المحامين التونسيين بالقضاة؟ عن هذه الأسئلة وغيرها يجيب كتاب إيريك غوب، "المحامون في تونس من الاستعمار حتى الثورة (١٨٨٣-٢٠١١). تاريخ اجتماعي لمهنة سياسية". وسنستعرض أهم ما ورد في هذا الكتاب على ضوء اهتمام "المفكرة القانونية" الدائم بالمقارنة بين التجارب الاجتماعية القانونية في العالم العربي وتوثيقها وتأريخها، لا سيما في ما يخص القضاة والمحامين وأدوارهم السياسية الاجتماعية. وقد صدر كتاب غوب عام ٢٠١٣في الفرنسية عن منشورات معهد الأبحاث في المغرب المعاصر (IRMC) وكارتالا. وقد سد الكاتب بعمله، وهو مدير أبحاث في المعهد الوطني للأبحاث العلمية في فرنسا (CNRS)، فجوة في الإنتاج المعرفي حول المهن القانونية في العالم العربي. فباستثناء بعض الأعمال حول الوضع المصري (الشلقاني ٢٠١٣، طويل ٢٠٠٧، بوتيفو ١٩٩٣، زيادة ١٩٦٨)، أو العربي (ريد ١٩٨٤، براون ١٩٩٦)، تبقى المهن القانونية العربية مفتقرة الى تأريخ اجتماعي جدي وعلمي. وسنكتفي هنا بالإشارة إلى الإشكاليات الأساسية التي يعرضها الكاتب دون مناقشتها، ولعل ذلك يكون ممكناً في مناسبة أخرى.
 
يحدد غوب هدفه من البداية: التنقيب عن مزايا نشوء الهوية المهنية للمحامين في تونس. وسرعان ما يرسم المعادلة التي سيتمحور حولها كتابه: التشنج بين دور مركزي للدولة في بناء هذه الهوية من الأعلى وفي خدمة السلطة، ومحاولات أصحاب المهنة للتحرر من هذه القبضة وصوغ هوية مهنية مستقلة من الأسفل. والدولة التي نتكلم عليها هنا هي الدولة بصيغتها الاستعمارية والاستبدادية بعد ١٩٥٦. فالاستعمار خلق نموذجاً مهنياً للمحاماة غريباً عما كان يعرفه المجتمع التونسي، وقد استلم نظام ما بعد الاستقلال هذا النموذج وحاول استخدامه من أجل بسط سيطرته على فاعلي المجتمع التونسي. وكان المحامون أيام الاستعمار كما أيام الاستبداد يلعبون دور الوسطاء بين الشعب والسلطة، وهو دور مفارق إذ يشكلون في الوقت نفسه رأس حربة الاحتجاج ضد السلطة بينما هم يساعدونها في بسط هيمنتها، أي هيمنة القانون الفرنسي وقانون النظام الاستبدادي.
 
ويستقي غوب نظرياته من حقل علم اجتماع المهن (sociologie des professions). يدمج بين تيارات نظرية لطالما تصادمت في تفسير تشكيل الهويات المهنية. فهو يأتي بمفاهيم سوسيولوجيا المهن الأنجلو-سكسونية (لا سيما أعمال أبوت وسارفاتي) التي تدرس المهن عبر منطق السوق (عرض، طلب، مصالح، احتكار إلخ.) ليدمجها بما أتت به أعمال أخرى ركزت على العلاقة بين الهوية المهنية للمحاماة والدور السياسي الذي لطالما لعبته المهنة، لا سيما بعلاقتها مع النظام الليبرالي (كاربيك، فيلي، هوليداي). منهجياً، يرتكز غوب أساساً على أرشيفات رسمية فرنسية وتونسية (وإن لم يستطع، كما يعترف هو، الوصول إلى أرشيف نقابة المحامين، بالإضافة إلى نقطة الضعف الثانية في عمله الميداني، وهو شح مصادره في ما يخص الحقبة البورقيبية)، وأرشيفات الصحف، كما يعتمد على مذكرات العديد من المحامين التونسيين وعلى بعض المقابلات معهم. وقد راقب غوب العملية الانتخابية داخل النقابة عام ٢٠١٠. ولم يكتف بالمنهجية النوعية، إذ لجأ أيضاً إلى الاستمارات لينتج صورة دقيقة عن وضع المهنة وممارسيها في تونس اليوم.
 
أركيولوجيا مهن الدفاع في تونس
 
كان القضاء أيام البايات منقسماً بين قضاء شرعي خزانه البشري جامعة الزيتونة التقليدية، وقضاء الباي الذي كان في خدمة سلطته. ويُلحظ أن الدستور التونسي عام ١٨٦١كان قد كرّس مبدأ عدم نقلة القاضي من دون رضاه، وهو مبدأ نجده اليوم في معظم المواثيق الدولية، والذي لا يزال عدد كبير من الدول العربية، ومنها لبنان، تتنكر له. وأضيفت إلى هذين الجسمين المحاكم القنصلية مع بدء النفوذ الغربي على تونس، لتحكم بقضايا الأجانب. وقد انقسمت مهن الدفاع وفق هذا الانقسام القضائي. فقد كان لتونس طوال خلال فترة الاستعمار ثلاث منها: المدافعون (défenseurs)، وهم الفئة الأهم، عددهم قليل وهم فرنسيون بالإضافة لبعض الإيطاليين. المحامون ضمن نقابة "دولية"، يحتل فيها فرنسيون مراكز قيادية، فيما همش فيها الإيطاليون تدريجياً، في موازاة ازدياد مطرد لأعداد التونسيين الذين تمكنوا من السيطرة على النقابة في آخر أيام الاستعمار. وأخيراً نظم الاستعمار عمل الوكلاء أمام القضاء المحلي (أي المعني بخلافات التونسيين بين بعضهم البعض)، وهي فئة مهمشة، ثانوية، ذات سمعة سيئة، ومن جذور اجتماعية متواضعة، بعكس المحامين المتقنين للغة الفرنسية والقادمين من أفضل المدارس (كالمدرسة الصادقية).
 
دخلت المحاماة تونس مع الاستعمار الفرنسي، وأنشئت نقابة المحامين عام ١٨٨٥فكان لها استقلالية محدودة. وتميزت تلك الفترة بمحاولات المستعمر الفرنسي الحد من صعود دور المحامين التونسيين ضمن النقابة، إذ إن عددهم ازداد طوال فترة الاستعمار بالنسبة للمحامين الفرنسيين. وكان الهمّ الأول للسلطة حماية المدافعين الفرنسيين، الذين كانوا يحتكرون حق التمثيل أمام المحاكم الأجنبية. ويتكلم الكاتب عن سياسة تمييز استعماري حقيقية داخل المحاماة لمصلحة المحامين الفرنسيين، كحصر حق الانتخاب بهم. وحتى الإصلاحات المتتالية أتت لتؤكد هذا المنحى، كمرسوم ١٩١٤الذي خلق جمعيتين انتخابيتين داخل النقابة، واحدة للفرنسيين وأخرى لغير الفرنسيين، مانعاً بالتالي التونسيين من التأثير على التوازنات النقابية. وقد وجب انتظار عام ١٩٤٧ليصبح بإمكان التونسيين احتلال منصب النقيب.
 
ويعطي غوب أهمية للانقسامات الطائفية داخل نقابة المحامين أيام الاستعمار، مركزاً على الوجود اليهودي الكبير. وقد أبدى هؤلاء حساسية تجاه المحامين المسلمين، وتميزوا عنهم سياسياً وحتى مهنياً. وكان المحامون اليهود يشكلون القسم الأكبر من النقابة ومجالسها (أكثر من ٦٠٪ عشية الحرب الثانية)، كما كان من بينهم نقباء عديدون. واستمرت هيمنتهم على نقابة تونس إلى حين أتت السياسات اللاسامية لفرنسيي فيشي التي منعتهم من الترشح لانتخابات النقابة بعد ١٩٤٠. وطرحت هذه السياسة المعادية للسامية مشاكل عديدة بفعل حجم الأعمال القانونية والتجارية التي كان يهتم بها المحامون اليهود. فمن أصل ٢١٨محامياً يهودياً في تونس وسوس، لم يبق سوى ١٩محامياً في الحرب. ويشير الكاتب إلى غياب أي حركة احتجاج من قبل المحامين الفرنسيين غير اليهود والمستفيدين من إقصاء هؤلاء. أما المحامون العرب المسلمون، فكان همهم الرئيسي عدم قدوم محامين فرنسيين مكان زملائهم اليهود.
وكان دور المحامين المسلمين كبيراً في العمل السياسي. تطور عددهم ببطء (٧في ١٩١٤، ليصبح ٤٧في ١٩٤٧، أي ١٥٪)، علماً أنهم كانوا يعانون من احتقار القضاة الفرنسيين لهم. أظهروا التزاماً سياسياً مبكراً، بداية بالتعاون مع الاستعمار ضمن حركة التونسيين الشباب، إلى أن نشأ حزب الدستور بعد ذلك مناهضاً للاستعمار. وعند نشوء حزب الدستور الجديد عام ١٩٣٤، كان في صفوفه عدد مهم من المحامين أيضاً، لا سيما قادته الأكثر شهرة كالطاهر صفر، البحري قيقة، الهادي نويرة، المنجي سليم، وبالطبع المؤسسين صلاح بن يوسف والحبيب بورقيبة. معظمهم تخلى عن ممارسة المهنة لتخصيص كامل وقتهم للعمل السياسي ضد الاستعمار، أما البعض الآخر فاستعمل قدراته المهنية للدفاع عن المتهمين في المحاكمات السياسية، كالمحامين الطاهر الأخضر، الطيب غاشم، الهادي خفشة والباجي قائد السبسي، فيما يمكن تشبيهه بعمل المحامين المناصرين للقضايا العامة اليوم (cause lawyers). أما بعد الاستقلال، فإن معظم هؤلاء انخرطوا في بناء الدولة وابتعدوا عن الساحة المهنية.
 
يهتم غوب في الفصل الرابع بإشكالية المساحة المهنية للمحامين، أي الأعمال القانونية التي يقومون بها، والمعارك التي أقاموها لتوسيع هذه المساحة. ومن أولى المسائل التي طرحت على هذا الصعيد إشكالية محكمة استئناف الجزائر منذ ١٨٨٣ مثلاً، التي أراد المحامون التونسيون الاستقلال عنها، ولم يحصلوا على هذا الاستقلال إلا مع فيشي، ولأهداف تطهيرية. أما المسألة الثانية فكانت الصراع المستدام مع فئة المدافعين، أي الفئة الأكثر أهمية في مهن الدفاع، للحصول على حق تمثيل الزبائن أمام المحاكم الفرنسية. إلا أن السلطات الفرنسية كانت منحازة للمدافعين بسبب عدد التونسيين المتكاثر بين المحامين، بينما المدافعون معظمهم فرنسيون. وامتدت قصة هذا الخلاف على عشرات السنين حتى ١٩٥٠. أما الوكلاء (أي الممارسون أمام المحاكم المحلية)، فكان طموحهم المساواة مع المحامين. وقصتهم هي قصة صعود فئة مهنية تعمل باللغة العربية مقابل سيطرة اللغة الفرنسية في المهن القانونية آنذاك، تطمح بالوصول إلى مصاف المهن الليبرالية التي تنعم بنقابة. ويختم غوب الجزء الأول مع صورة هذا الصراع المستمر بين مهن الدفاع طوال عشرات السنوات، في مسرحية يلعب فيها المدافعون دور ممثلي الاستعمار، والمحامون دور نخب الاستقلال، والوكلاء دور محامي المهمشين.
 
المحامون والأنظمة السلطوية: مجاملة الحكم أم مواجهته؟
 
دجّن نظام ما بعد الاستقلال المهن، من ضمن عملية دولنة المجتمع. ورمت الخلافات السياسية بظلها على المهنة، فرأينا مثلاً الوكلاء، الذين دخلوا النقابة كمحامين عام ١٩٥٨، يصطفون مع صلاح بن يوسف في نزاعه مع بورقيبة، ما أنتج تشنجات مع هذا الأخير في سنوات ما بعد الاستقلال، لا سيما بسبب العامل الثقافي واللغوي العروبي الذي يحمله الوكلاء. كما شهدت تلك السنوات هجرة المحامين الفرنسيين، بالإضافة إلى هجرة المحامين اليهود بعد حادثة بيرزت عام ١٩٦١(كان عددهم ١٧٧عام ١٩٥١، فأصبح ٧٤عام ١٩٦٢، ليصبح ٢٠عام ١٩٧٠). ولا شك بأن التطور الأبرز في علاقة سلطة ما بعد الاستقلال مع المحامين كان عندما أوقف بورقيبة عام ١٩٦١النقيب الشاذلي الخلادي، ما شكّل ضربة لطموحات المحامين بعد ثلاث سنوات فقط من إعادة تنظيم المهنة. كما أقيلت مجالس النقابة في المناطق، وعُيّن مجلس إداري مكان النقيب حدد أهدافاً واضحة للمهنة: خدمة مصالح الدولة قبل مصالحها. ويذكر غوب أن معظم متخرّجي الحقوق من مناصري بورقيبة ابتعدوا عن المحاماة ليتجهوا نحو الوظيفة العامة في الستينيات، فأصبحت النقابة تحت سيطرة اليوسفيين، ما جعلها مقاومة لتوجهات الرئيس، على الأقل في ما يخص تدجين المهنة. وبالرغم من أن الرئيس كان يذكّر دائماً بكونه محامياً، ويزور النقيب دورياً، إلا أنه كرر في أكثر من مناسبة أن المحامين هم فقط مساعدون للقضاة في خدمة الدولة لا غير.
 
وقد برز القضاء الاستثنائي ابتداءً من ١٩٥٦حتى نهاية الستينيات، فكان القمع يمر من خلال المحاكمات السياسية الحاصلة أمامه. ويؤكد غوب أن دور المحامي في النظام السلطوي غير مشابه لدوره في النظام الديمقراطي: فإما يلجأ إلى القضايا العادية هرباً من المشاكل، أو يدافع عن قضايا سياسية مع ما يستتبع ذلك من مواجهات مع السلطة. لكن تراجع بورقيبة بعد حقبة بن صلاح أعاد بعض الاستقلالية للمحاماة في السبعينيات. وكان المحامون منقسمين بين ضرورة تطوير علاقة جيدة مع النظام والمحافظة على هامش تحرك وحرية، علماً أن نقباء عديدين عوقبوا لدفاعهم عن معارضين (كفتحي زهير ومحمد بن للونة). هذا الانفتاح النسبي كان حسب الكاتب نتيجة سيطرة خطاب حقوق الإنسان على الساحة العامة في تونس، فأصبح المحامون في قلب كل النزاعات السياسية ابتداءً من الثمانينيات. ويعتبر غوب أن المحامين والقضاة كانوا على خلاف دائم في التاريخ الحديث، مع استثناء ١٩٨٥و٢٠٠٥. فيذكّر بتضامن النقيب منصور الشفي مع جمعية القضاة الشبان عند حلها عام ١٩٨٥، عندما دافع العديد من المحامين عن القضاة، وقد دخل عدد منهم المحاماة بعد تركهم القضاء (علماً أن انضمام القضاة للمحاماة لاحقاً في التسعينيات كان مختلف الأسباب).
 
أصبحت المسألة المركزية في الثمانينات عدد المنتسبين الجدد المتزايد (بالإضافة إلى مسألتي التغطية الاجتماعية الصحية والتقاعد)، وظهر صراع أجيال ولغات داخل المحاماة. وصعد جيل جديد من متخرّجي الجامعات العربية، ومرجعيتهم الجمعية التونسية للمحامين الشباب التي ولدت عام ١٩٧١، وكان مؤسسوها مشاركين في الدفاع عن معارضي بورقيبة. وشكل الانتماء إليها مقدمة للمسؤوليات النقابية. وقد أنتج هذا التطور إشكالية أساسية في السنوات اللاحقة، وهي إشكالية السيطرة على الدخول إلى المهنة. وأتى قانون ١٩٨٩المنظم للمحاماة مخالفاً لتمنيات المحامين. فقد وسّع النص الجديد إمكانية ملاحقة المحامي من قبل القضاة (خلال الجلسة)، وإمكانية دخول القضاة للمحاماة، وهو أمر عدّه المحامون منافسة غير مشروعة. وقد ظهر جلياً حينها كيف أن نظام بن علي الجديد كان يعوّل على التنافس بين المهنتين لفرض هيمنته. وقد شكل قانون ١٩٨٩هزيمة حقيقية لممثلي المهنة، ما فتح الباب أمام انهيار حقوق الدفاع بداية التسعينيات، وصولاً إلى إضراب تشرين الثاني ١٩٩٠، الذي كان من آخر الأعمال المعارضة للنقابة قبل عقد من التطبيع مع النظام.
 
وينتقل الكاتب في الفصل السادس إلى وصف المشهد المهني في التسعينيات وصولاً إلى ٢٠١٠: بفعل صعوبة السوق المهنية، ووضع المتدرجين الهش، شهدت هذه الحقبة انتعاش خطاب "الزحمة" المهنية. ويرسم لنا مشهداً مهنياً حيث شركات المحاماة نادرة جداً (٥٪ من المحامين)، وحيث المحامون العموميون (généralistes) يطغون على حساب المتخصصين (les avocats d'affaires)، وحيث محامو الأعمال ومحامو الحزب - الدولة هما القسمان المسيطران في المهنة، مقابل "محامي البؤساء"، وبينهما المحامون العموميون. وأفضل ما عبّر عن خطاب الزحمة ونتائجه مسألة المعهد العالي للنقابة، الذي من المفترض أن يمر به المتدرجون الناجحون قبل دخول المهنة، والصراع بين النقابة والسلطة حوله. وكان لهذا المعهد أهمية استراتيجية كبيرة، إذ عبره يتقرر من هي الجهة التي تسيطر على المهنة، من خلال اختيار من يدخلها. لذا فرض النظام قواعده عند إنشائه، ما شكّل هزيمة جديدة للمحامين.
 
وينتقل بعدها غوب إلى استراتيجيات التطبيع (normalisation) التي اعتمدها بن علي للسيطرة على النقابة التي كانت "المنظمة المهنية الوحيدة حيث كان المسؤولون ينتخبون عبر مسار غير مزور، فشكلت بالتالي مساحة اعتراض حيث كان من الممكن أن تعبّر السياسة عن نفسها". أولاً، توزيع المصادر المالية والزبائن (لا سيما المؤسسات الحكومية وحلفاءها في القطاع الخاص) على المحامين حسب ولائهم السياسي، بما يعرف بالسمسرة الكبيرة. وكان النظام يكافئ المحامين المتحمسين (وهم يشبهون القضاة المنسجمين)، وهم يشكلون خلية داخل النقابة (حوالي ٥٠٠عضو عام ٢٠٠٩)، يراقبونها ويلجأون إلى القضاء لعرقلة عملها كعام ٢٠٠٢. ثانياً، السمسرة الصغيرة، عبر وضع المحامين الصغار تحت رحمة سماسرة (غالباً ما يكونون من الشرطة) يؤمّنون لهم زبائن بطريقة غير مشروعة. ثالثاً، الصراع حول تحديد المساحة المهنية للمحاماة، عبر تفعيل المنافسة مع المهن القانونية الأخرى (ككتّاب العدل)، وذلك عبر قوانين عدة سمحت لتلك المهن بمنافسة المحاماة على العديد من الأعمال القانونية.
 
أما المحامون المعارضون فتختلط عندهم المسارات النضالية والمهنية: فالنضال يأتي قبل المهنة. ويدرس الكاتب هذه المسارات حيث المرور بالسجن أو الإبعاد غالباً ما شكلا أهم محطّات تكوين الهوية النضالية (يذكر حالة مختار الطريفي، وعياشي الهمامي، وعبد الفتاح مورو). النظام اضطهد هؤلاء المحامين، لاحقهم معنوياً وضرائبياً، روّع زبائنهم. والمحامون المعارضون غالباً ما دافعوا في المحاكمات السياسية عن متهمين قريبين سياسياً منهم، ما يطرح مجدداً مسألة المحامين المناصرين (عبر حالات عبد الرؤوف العيادي وسمير ديلو). ويتوقف الكاتب عند المفارقة التي نرى عبرها النظام يحاول فكفكة تسييس المهنة، ما جعل على العكس من النقابة مساحة تسييس بامتياز. كما يركز على وسائل تحرك المحامين المعارضين: إضراب عام ٢٠٠٠و٢٠٠٢و٢٠٠٥(على إثر قضية عبو حيث نفذوا اعتصاماً طويلاً في بيت المحامي)، بالإضافة إلى تحرك أيار ٢٠٠٦في ما يخص المعهد العالي للنقابة.
 
ويخلص الكاتب إلى تأكيد فشل نظام بن علي في تطويع المهنة (ما يفسر استمرار لجوئه إلى وسائل قمعية)، ولكن أيضاً فشل المحامين في جعل اعتراضهم يطال مساحات أخرى من المجتمع التونسي، فبقيت محصورة داخل مهنتهم. أما المحامون في ثورة ٢٠١١، فيرينا إياهم الكاتب يتبعون حراكاً شعبياً سبقهم بأشواط، مركزاً على ترددات النقابة والنقيب في بداية التحرك، قبل الدعوة للإضراب في أول ٢٠١١. ويبرز الموقع المركزي الجديد للمهنة بعد الثورة، عبر عملية صنع تاريخ ثوري للمحامين، واستثمار هذا الرصيد السياسي لاحتلال مواقع مهنية جديدة. وأبرز دليل على قوة المحامين قانون تنظيم المهنة الجديد الذي يعطي المحامي موقعاً مميزاً رمزياً وقانونياً، ما أنتج تشنجاً مع القضاة الذين تمكنوا من فرض توازن معين مع المحامين، وهو ما فشلت بالقيام به المهن الأخرى التي تراجعت مساحتها المهنية لمصلحة المحامين، الذي أصبحوا ربما الفاعل المهني الأبرز في تونس اليوم.

نشر في العدد صفر من مجلة المفكرة القانونية في تونس