منذ نشأتها، كانت المفكرة جزءاً من حراك ذوي المفقودين، التزاماً منها بقضاياهم ولكن أيضاً قناعة منها بأنهم يمثلون حركة المقاومة الأكثر صدقية ومثابرة ضد نظام ما بعد الحرب القائم على تمجيد أبطالها وطمس جرائمها. في هذا الإطار، تنشر المفكرة الكلمة التي ألقاها رئيس تحريرها وهو نفسه وكيل ذوي المفقودين في المؤتمر الصحافي الذي عقدوه في 25-9-2014 في الحديقة المقابلة للسرايا الحكومية (المحرر). 

مع استلام تقرير التحقيقات في مصائر المفقودين في لبنان في 20-9-2014 تنفيذاً لقرار قضائي، يقتضي بداية التنويه بأهمية القرار الذي اتخذته لجان ذوي المفقودين في الاحتكام الى القضاء لتكريس حقوق هؤلاء في مواجهة سلطة اختارت أن تتجاهل قضاياهم وأن تتقاعس عن إيجاد حلول لها. فبفضل هذا الرهان الذي بدأ في 2009، حقق ذوو المفقودين إنجازات عدة أبرزها طبعاً قرار مجلس شورى الدولة الصادر في 4-3-2014 بتكريس حق المعرفة كحق طبيعي لا يقبل أي استثناء أو تقييد. وقد جاء إذعان رئيس الحكومة تمام سلام للقرار من خلال تنفيذه، ليكرّس لحظة هامة، لحظة اعتراف بهذا الحق وما يرتبه من موجبات، ومن دون أي مبالغة لحظة انعطاف هامة في تاريخ لبنان: فهذا النظام الذي تأسس منذ انتهاء حرب 1975-1990  على تمجيد قادة الحرب ونكران ضحاياها بالكامل، هذا النظام الذي بُني على تمجيد أبطال الحرب وطمس الذاكرة منعاً لأي اضطراب ضميري، وجد نفسه مع هذا القرار أمام نقيضه تماماً: حق ضحايا الحرب (ذوي المفقودين) بالمعرفة والعدالة مع ما يستتبعه من تذكر واضطراب ضميري لا بد منه للخروج من قيم الحرب. ومن هذه الزاوية، بدا الحكم القضائي وكأنه يعيد للبنانيين جزءاً أساسياً من ذاكرة كان من المقرر أن تبقى محجوبة، وكأنه يمهد لإعادة كتابة التاريخ: فلا نرى الحرب فقط من خلال أبطالها الذين يُطلب منا تمجيدهم والإذعان لهم، بل بالدرجة الأولى من خلال ضحاياها الذين يجب قبل كل شيء إنصافهم وتضميد جراحهم. فلا تكون ذاكرتنا ذاكرة بطولات تسجل هنا وهنالك، ذاكرة انتقائية طائفية، فيزيد انقسامنا حدة، إنما بالدرجة الأولى ذاكرة وجع، ذاكرة جماعية وطنية، ذاكرة أمهات وزوجات يجتمعن من كل حدب على خطوط التماس ضد التقاتل الطائفي، يجتمعن ويجمعْنَنا في رؤية موحدة للمستقبل قوامها المساواة والعدالة. منذ انتهاء الحرب، بقي ذوو المفقودين، بفعل عذابهم ووجعهم، علامة الاستفهام الأكبر حول مشروعية نظام المحاصصة الذي كاد الجميع، إلا هم، يذعن له. وقد ظن، وربما راهن كثيرون على أن مقاومتهم ستضعف وتتلاشى مع مرور الوقت، مع وفاة كل أم وزوجة، كل شاهد على الماضي، فجاء الحكم، ليكرّس قوة مقاومتهم المبنية على حق طبيعي وليلبس قضيتهم لباس قضية وطنية كبرى تعني كل مواطن فتقوى مع كل مولود جديد، كل شاهد على المستقبل. وبذلك، شكل استلام الملف لحظة تاريخية، منعطفاً تاريخياً، يشهد فيها النظام بداية تحول في جذوره وأسس مشروعيته، بمعزل عن مضمونه.

ولكن، وبمعزل عن أبعاد الحكم المعنوية والرمزية، من حق الرأي العام اليوم أن يسأل عن النتائج العملية لتنفيذ هذا الحكم وتسليم الملف؟ بم يسهم مضمون هذا الملف في ترسيخ حق المعرفة؟ وما هي المعلومات التي يمكن الاستفادة منها أو البناء عليها للمضي قدماً في عملية البحث عن مصائر المفقودين؟ هذه هي الأسئلة التي يرتقب كثيرون اليوم الإجابة عنها. وما يزيد من إلحاحها، أننا لسنا هنا بصدد ملف تحقيقات للجنة واحدة، بل بصدد ملف مجمل التحقيقات التي قامت بها مجمل حكومات ما بعد الحرب من خلال لجان عدة وفي أوقات مختلفة (2000، 2001، 2005). وتالياً، نحن اليوم أمام ملف يجسّد سياسة الحكومات المتعاقبة برمّتها وكيفية تعاطيها مع ملف ضحايا الحرب، ما يحوّل الملف الى إثبات دامغ وقاطع على طبيعة السياسات المتبعة على هذا الصعيد. وعلى سبيل التقييم، أمكن تسجيل الملاحظات الآتية:      

أولاً: أن من يقرأ ملفات التحقيق، سرعان ما يتبين أن المعلومات الواردة فيها مجتزأة وقد بقيت، على أهميتها، في أحيان كثيرة معلومات خاماً. بمعنى أنها بقيت في مراحل التحقيق الأولى من دون أن تقوم اللجان المتعاقبة بواجبها في التدقيق فيها سعياً الى الوصول الى الحقيقة. وهكذا نجد أن الملف تضمن كماً كبيراً من الاستمارات التي ملأها ذوو المفقودين وأودعوا فيها كل ما يعرفونه بخصوص خطف أحبائهم، تاريخ حصوله، أسبابه وظروفه، والجهات الخاطفة أو الأشخاص المشتبه بتورطهم بالخطف. ومن هذه الناحية، وفر الملف للجان معلومات هامة وقيمة عن عائلات المفقودين وعن الجهات التي من الممكن أن تكون حائزة المعلومات المطلوبة حول مصائر هؤلاء. ولكن، للأسف، بقيت تحقيقات اللجان بعد تجميع هذه المعلومات سطحية ومجتزأة. فقد اقتصرت جهودها هنا على تصنيف ملفات المفقودين وفق الجهة الخاطفة المفترضة ومدى توافر أدلة: فهل هي تنظيم أم ميليشيا لبنانية؟ أم هي جهاز تابع للجمهورية السورية؟ أم هي إسرائيل؟ بخصوص الحالة الأولى، وجهت اللجنة طلب استعلام لجميع الأجهزة الأمنية (الأمن العام، أمن الدولة، الأمن الداخلي) عما لديها من معلومات فجاءتها إجابات شبه متطابقة: "أن النتيجة سلبية" أو "أن لا معلومات لدينا"، باستثناء حالات قليلة جداً حيث أوردت الأجهزة ما قد يكون لها من معلومات بقيت أشبه بالخبريات حول بعض الأشخاص. ويتضح أن اللجان اكتفت بهذا الحد، من دون أن تكلف خاطرها عناء مراجعة أي من الميليشيات أو التنظيمات التي نسب اليها ذوو المفقودين في استماراتهم مسؤولية في الخطف. أما في الحالة الثانية (الأشخاص المحتمل وجودهم في سورية)، فقد وجه رئيس اللجنة المعينة في 2001  النائب فؤاد السعد طلب الاستعلام للواء الراحل غازي كنعان مستهلاً إياه: "عطفاً على الحديث الذي جرى بيننا.. وبناءً لطلبكم" ولا نلقى في الملف أي جواب. وفي الحالة الثالثة، وجهت اللجنة طلب الاستعلام من خلال البعثة الدولية للصليب الأحمر فجاءتها إجابات بشأن عدد من الأشخاص الذين اعترفت إسرائيل باحتجازهم لديها.

أما بخصوص المقابر الجماعية، فقد زعمت لجنة التحقيق في 2000 عثورها على مقابر جماعية عدة، ذكرت بعضها وأبقت الكتمان على أخرى. وهنا، وباستثناء إحدى المقابر الجماعية والتي تم فيها معاينة جثث، لم يتضمن التقرير المسلّم الى لجان ذوي المفقودين أي إشارة الى الأسناد أو المعلومات الاستخبارية التي ارتكزت عليها اللجنة في هذا الخصوص. والأهم من ذلك، وبدل أن يؤدي استكشاف المقابر الجماعية الى اتخاذ تدابير فورية لصونها وحمايتها تمهيداً للتعرف على هوية الأشخاص الذين رُميت جثثهم فيها، للسماح لأهلهم بدفنهم وفق طقوسهم وبدء الحداد عليهم، فإنها اعتبرت وجودها سبباً لإغلاق الملف وإنهاء القضية.

وبنتيجة ذلك، يظهر بوضوح كلي أن التحقيقات التي أجرتها اللجان المتعاقبة بقيت عموماً في مراحلها الأولى (أي جمع المعلومات وتصنيفها) من دون أن تعمق اللجان تحقيقاتها للوصول الى نتائج واضحة عن المفقودين، فرداً فرداً.. بل بدت وكأنها تدفنهم جميعاً في مقابر جماعية مفترضة تمهيداً لإغلاق الملف. وبذلك، بدت اللجان وكأـنها استعانت بأهالي المفقودين واستماراتهم، ليس لاستكشاف الحقائق، بل للإيحاء أن الدولة أنجزت كل ما عليها أن تفعله وأنه آن تالياً للأهالي أن يتخلوا عن مطالبهم وأن ينخرطوا كسواهم في لعبة التناسي والصمت. ومن هذه الزاوية، يشكل الملف الذي هو اليوم بحوزة ذوي المفقودين دليلاً قاطعاً على تقاعس الحكومات السابقة في هذا المضمار، وهو تقاعس يعكس بوضوح سياستها المشار اليها أعلاه في التنكر للضحايا وطمس الذاكرة.

أما السؤال الثاني الذي يطرحه الملف بشكل لا يقل إلحاحاً، فمفاده: ما هي الإمكانات المتاحة لذوي المفقودين بعدما باتت هذه المعلومات على اجتزائها ونقصانها، في حوزتهم، للوصول الى حق المعرفة؟ فثمة معلومات هامة، معلومات تحتاج الى استكمال للوصول بها الى خواتيمها. وإذا اختارت في لحظة اللجان الرسمية المتعاقبة أن تنكفئ في لحظة معينة عن مزيد من التحقيق، فلجان الأهالي تجد نفسها محكومة وملزمة، باسم عذابات جميع الذين ما لبثوا ينتظرون، بالقيام بكل ما يلزم لاستكمال التحقيقات من المرحلة التي وصلت اليها من خلال خطوات قضائية وغير قضائية، بالقرب من الجهات الحكومية، الخارجية والداخلية المشتبه بها بانتهاج الخطف وممارسته. وبالطبع، ما يعزز إمكانات الأهالي في هذا المجال هو كسبهم نتيجة حراك عقود حق معرفة الحقيقة وما يستتبعه من موجب بالبوح بها، وأيضاً القضاء الذي أثبت من خلال الحكم الذي أوصلهم الى استلام الملف، قدرته على أداء دور اجتماعي في نصرة الفئات الأكثر تعرضاً للغبن في مواجهة النظام السياسي السائد.
 
نشر في العدد الواحد و العشرين من مجلة المفكرة القانونية