في الأشهر الأخيرة، تداولت وسائل إعلامية عدة  قضية طارق الملاح، الشاب الذي أودع في الميتم وهو في الثانية من عمره، فتعرض للاغتصاب طوال سنوات قبل أن يفرّ منه في الرابعة عشرة. بعد أعوام من فراره، بدأ الملاح مقاومته ضد نظام الرعاية ليكون الصرخة الأكثر قوة وبلاغة في كسر قانون الصمت هنالك. دار الأيتام المعنية أقرت في بيان بأن "طارق" تعرض للاغتصاب وأن أموراً كهذه تحدث ولكنها لا تتحمل المسؤولية كون الفاعل طفلاً آخر في الدار، وبأن ما قدمته لطارق هو منة من الدار وليس واجباً تُساءل عليه. بكلمة، تنصلت المؤسسة من المسؤولية من خلال تحميلها لأطفال تربوا هم أيضاً في كنفها فكانوا ضحايا كطارق أكثر من أي شيء آخر. جواب الأجهزة الحكومية وفي مقدمتها وزارة الشؤون الاجتماعية جاء أكثر بلاغة:  الصمت، وكأن استمرار النظام الحالي للرعاية البديلة رغم كل مساوئه التي باتت بينة واضحة، قدر لعشرات آلاف الأطفال المودعين، جيلاً بعد جيل، في المياتم. وفي هذا الإطار، تنشر المفكرة القانونية ملاحظات للخبيرة في مجال الرعاية زينة علوش رداً على هذه السياسة وتحديداً على مساعي مؤسسات الرعاية والحكومة التنصل من المسؤولية الجسيمة والتي لا نبالغ إذا قلنا إنها تقارب الخيانة العظمى (المحرر).   

في 2006، عبّرت لجنة حقوق الطفل الدولية عن قلقها العميق إزاء تقارير لبنان حول وضع الأطفال في دور الرعاية وحول الأعداد المتزايدة والمقدرة بحوالي 28 ألف طفل ضمن هذه الدور، بينما يقدر عدد الأطفال الذين يحتاجون فعلياً لرعاية بديلة مقيمة بـ5 آلاف فقط. وكانت دراسة قد أعدها عام 2008 مركز الدراسات والأبحاث بالتعاون مع وزارة الشؤون الاجتماعية واليونيسف أشارت إلى أن غالبية هؤلاء الأطفال مودعون في المياتم ليس بسبب اليتم بل بسبب الفقر. كما أشارت الدراسة تلك الى واقع هزيل للرعاية البديلة في لبنان، فضلاً عن أن كلفة دعم العائلات الفقيرة مالياً لتمكينها من إبقاء أولادها في كنفها (إسكان، تعليم، غذاء..)، يقل عن الكلفة التي تترتب على دعم مؤسسات الرعاية.

وكانت الأمم المتحدة قد دعت في 2008 لصياغة المعايير الدولية للرعاية البديلة بعدما أظهرت الدراسات مدى الإساءات التي تعرض لها آلاف الأطفال الخاضعين لأنظمتها. وقد أوصت هذه المعايير التي أُلحقت باتفاقية حقوق الطفل، مباشرة بالتخلي عن النمط المؤسساتي في الرعاية البديلة والتوجه إلى النمط العائلي ليكون للطفل الفاقد الرعاية الأسرية حقه الفردي في الرعاية والنمو والتمكين والاندماج والعيش المطلق ككائن مكتمل منتج وفعال. لم يكن لبنان بعيداً عن صياغة هذه المعايير الدولية، كما شارك فعلياً في تبني الميثاق العربي للمعايير الدولية  للرعاية البديلة في القاهرة عام 2009.

وإزاء هذه التقارير والدراسات، لزمت السلطات الحكومية الصمت، ما جعلها في حال انفصام تام بين ما تقره مع دول أخرى من معايير في مجال الرعاية البديلة (آخرها الميثاق العربي للمعايير الدولية  للرعاية البديلة في القاهرة عام 2009) وما تطبقه في الواقع. وبالطبع، يصبح هذا الصمت أكثر دلالة وبلاغة مع بروز قضايا كقضية طارق الملاح وتواتر الأحاديث عن حصول اغتصابات في هذه المؤسسة أو تلك. فرغم إسهام الدولة بمبالغ طائلة في تمويل عمل مؤسسات الرعاية، فإنها تواصل التعامل مع الرعاية البديلة في لبنان وكأنه عمل خيري غير خاضع للمساءلة، أو المحاسبة، أو الملاحقة القانونية.

ونقضاً لهذا المنطق، قد يكون من المفيد التفكير في المسؤوليات المترتبة على مؤسسة الرعاية وعلى وزارة الشؤون الاجتماعية، من وجهة نظر المعايير الدولية للرعاية الأسرية البديلة[1].

المسؤوليات المترتبة على دار الرعاية

1-   في مرحلة قبول طارق في الميتم:
هنا، نسجل أنه جرى قبول طارق في الدار دون تحقيق اجتماعي ميداني للتأكد من المعلومات، وخاصة للتأكد من عدم أهلية الجد والجدة لرعايته. وبذلك، حُرم طارق من إمكانية البقاء في منزل جديه وفصل تبعاً لذلك عن شقيقته التي تكبره سناً، من دون أن يكون في ملفه أي دليل على حتمية ذلك أو ضرورته. وبما لا يقل أهمية عن ذلك، قُبل طارق في الدار من دون قرار قضائي يمنحها حق الوصاية عليه، الأمر الذي يشكل إخلالاً بمعايير الرعاية الدولية.
 
2-    في شكل الرعاية:
هنا، نشير بداية إلى أن النظام المؤسساتي الذي يعتمد على العنابر ونظام الإشراف هو بحد ذاته انتهاك للطفل. ونورد من باب التفصيل المخالفات الآتية:

-          في مرحلة الحضانة وكذا في المراحل الأخرى كان عدد المشرفات على الأطفال غير كاف، ما أدى إلى نقص في الرعاية والاهتمام الذي يحتاج الطفل اليه في هذا العمر وبالتالي يكون عرضة للخطر، علماً أن المعدلات العالمية تشير إلى ضرورة أن يكون لكل 2-4 أطفال مشرفة دائمة وثابتة،

-          في مرحلة السعادة: تقسيم الأطفال من 9 إلى 14 سنة مع شباب كبار في السن دون فصل بحسب المراحل العمرية، ما يعرّضهم لمشاكل سلوكية كبيرة، ولا سيما أن البعض ما زال طفلاً والبعض الآخر بلغ مرحلة المراهقة بالإضافة إلى مجموعة بالغة،

-          عدد الأطفال في مبنى واحد يقارب الـ400 طفل وهو عدد أطفال في مدرسة، أي يحتاج إلى طاقم متكامل من العاملين ولا يمكن أن تتولاه 4 مشرفات وهن في الأغلب شابات ومن دون مؤهلات علمية تمكنهن من توفير الرعاية لـ100 طفل في ست غرف،

-          اكتظاظ الأطفال في الغرفة الواحدة.
 
3-   في نوع الرعاية:
هنا، نسجل الملاحظات الآتية:

-          عدم توافر طاقم عمل متعدد الاختصاصات من مساعدين اجتماعيين واختصاصيين نفسيين يمكن أن يحيل الطفل إليهم أو أن يطلب الطفل مقابلتهم عند الحاجة،

-          غياب أي سياسة واضحة لحماية الطفل ضمن الدار،

-          اعتماد العنف والترهيب والحرمان والإذلال في التعامل مع الأطفال، ما يشير إلى غياب التدريب للمشرفات،

-          استغلال الأطفال في الأنشطة من أجل رصد الأموال،

-          اعتماد مقاربات غير دامجة في التعليم،

-          نظام الأكل الموحد في أوقات وكميات محددة،

-          حرمان الأطفال من مصروف الجيب،

-          عدم الاستثمار الفعلي في التعليم وهو الأداة الأساسية للطفل عند الاعتماد على النفس،

-          عدم وجود متابعة فردية لوضع كل طفل ودرس قدراته وإمكاناته،

-          فصل الأطفال الذكور عن الإناث فصلاً كلياً،

-          اعتماد سياسة الأبواب المغلقة والحراسة، علماً أن حالات الهروب كثيرة،

-          عدم التبليغ عن هروب طارق وعدم محاولة السؤال عنه في منزل الجد والجدة.
 
مسؤوليات وزارة الشؤون الاجتماعية
هنا، نسجل المعطيات الآتية:

-          غياب الوزارة عن دورها الفعلي في تحديد شكل الرعاية ونوعيتها،

-          اقتصار عملها على دفع المستحقات،

-          عدم ضبط حركة القبول و"التخرج" من الرعاية البديلة،

-          غيابها عن دورها كمراقب لنوعية الرعاية.

ويمكن أن يكون تهربها من تحمل المسؤولة عند حدوث حالة مماثلة لحالة طارق هو أكبر خطأ تقع فيه وزارة الشؤون الاجتماعية وهي التي يجب أن تكون المسؤولة قانونياً عن طارق وأطفال مثل طارق.
 
للاطلاع على شهادة طارق الملاح اضغط/ي هنا

نشر في العدد الواحد و العشرين من مجلة المفكرة القانونية


للإطلاع على النص مترجما الى اللغة الإنكليزية يمكنك الضغط هنا



[1]من أهم هذه المعايير الآتية: الرعاية البديلة للأطفال الفاقدي الرعاية الأسرية هو حق للطفل وواجب على الدولة، حماية الطفل ضمن الرعاية البديلة حق للطفل وواجب على الدولة ضمان المعايير الرعائية، وضع معايير وطنية للقبول ضمن الرعاية البديلة هو واجب الدولة، تبني سياسة واضحة لحماية الطفل ضمن الرعاية البديلة شرط اساسي للتعاقد مع مانحي الرعاية، لا يحق للدولة التعاقد مع دور رعاية في حال عدم وضع سياسة حماية واضحة للأطفال، يجب أن لا يقبل الطفل في الرعاية البديلة إلا بناءً على قرار قضائي يوصي بهذا الإجراء نتيجة عدم توافر أطر رعائية تقليدية محمية، على مانحي الرعاية البديلة أن يقوموا بأقصى جهدهم لإعادة شمل العائلة إن أمكن، على وزارة الشؤون الاجتماعية أن تولي أهمية للوقاية من الإيداع في الرعاية البديلة علماً أن برامج الوقاية هي اقل كلفة وأجدى على المدى الطويل.