ادارة الاسواق المالية بين قانون 161 والتوجهات المعاصرة


2012-01-23    |   

ادارة الاسواق المالية بين قانون 161 والتوجهات المعاصرة

بعد مخاض عسير دام اكثر من 15 سنة، صدر بتاريخ 17 اب 2011، القانون رقم 161 الخاص بتنظيم العمل في الاسواق المالية.وهو تشريع انتظره طويلا المهتمون بتعزيز فرص النمو الاقتصادي في لبنان يقينا منهم باهميته بتأمين البيئة القانونية الجاذبة للبنانيين، المقيمين وغيرالمقيمين، وللمستثمرين، افرادا عربا او اجانب، ومؤسساتيين، للقيام بتوظيف آمن لمدخراتهم ولاموالهم في الاقتصاد الحقيقي للمجتمع اللبناني. كما يوفر وجود البيئة القانونية العصرية الناظمة لاداء الاسواق المالية فرصا اضافية ان امام القطاع الخاص في الحصول على التمويل المتوسط وطويل الامد لتعزيز رسملته ولمشاريعه مما يخفض تكاليف الانتاج ويزيد من قدرته التنافسية، او امام القطاع العام في استقطاب الموارد للعديد من برامجه المسندة الى الاكتتاب العام كالخصخصة والتسنيد وطرح الصكوك العامة وغيرها ..
وخلال الـ15 سنة المنصرمة، تم اصدار العديد من القوانين والاحكام الضروررية الخاصة بعمل اسواق مالية منظمة مثل: تنظيم تأسيس العديد من المؤسسات المالية العاملة في السوق كالمؤسسات المالية ومؤسسات الوساطة وصناديق الاستثمار المشترك وميدكلير (الحافظة الحصرية للاوراق المالية ومكان تنفيذ عمليات المقاصة المجراة على هذه الاوراق)، والمصارف الاسلامية وعملياتها  اضافة الى عدد من القوانين ذات الصلة كقانون العقود الائتمانية وقانون الايجار التمويلي وقانون تداول اسهم المصارف وسنداتها وقانون حسابات الصكوك المالية والقيم المنقولة لحامله. كما تم وضع العديد من الانظمة كتنظيم عمل العديد من عمليات مصارف الاعمال وعمليات اصدار شهادات الايداع المصرفية بكافة العملات على امل ان تستطيع المصارف تعزيز اموالها الخاصة وودائعها من خلال هذه الشهادات مما يعزز من قدرتها الائتمانية، وشروط التسليف لشراء الاسهم والسندات. كما تم ارساء اعراف تحكم التعامل بالاسواق الثانوية التي تقاعس المشرع عن تنظيمها كشهادات المشاركةeffets participatifs  وايصالات الايداع العمومية  GD والعديد من المشتقات المالية وغيرها.
كما تنامت الخبرات في التعاطي مع المؤسسات والادوات المالية المستحدثة وفي سبل حماية السوق الوطنية من تحركات رؤوس الاموال الساخنة hot money خلال الازمات،او من انتقال العدوى اليها من اضطرابات وعدوى الاسواق الاخرى.
والحقيقة ان احكام العديد من القوانين السابقة كانت مدرجة في نصوص مشاريع النسخ الاولى لقانون عام شامل خاص بالاسواق المالية وضعت في منتصف التسعينات وقد تم اقتطاعها من هذه المشاريع واصدارها بالتدرج وبالشكل المنفصل الذي صدرت فيه لتعذر التوافق في حينه على الصيغة المثلى في امر محوري هو تشكيل الهيئة الادارية العليا المولجة بتنظيم الاسواق المالية والاشراف عليها الى ان صدر القانون 161 مؤشرا على حصول هذا التوافق اخيرا. ففصل كيفية تشكيل الهيئة العتيدة وصلاحيات اجهزتها اضافة الى امور خاصة بالبورصة تتضمن الاصول التي ترعى شروط طرح الادوات المالية فيها واجراء العمليات على هذه الادوات وهي امور تقنية متعارف على غالبيتها العظمى في تنظيمات البورصات الاخرى.
ولا يبدو من القانون 161 ان المشرع اللبناني قد اخذ العبر من دروس ازمة الاسواق المالية الاميركية التي اندلعت عام 2008 وانعكست سلبا على العملة الاميركية ومن ثم على العديد من الاسواق الاخرى المرتبطة بشكل او بآخر بالعملة الاميركية او بفعل انخراطها بالعولمة المالية.
فمعروف ان السبب المباشر للازمة الاميركية هو حصول انحرافات مهنية متنوعة من اهمها انحراف المصارف الاميركية عن نشاطها الاساسي الذي هو منح الائتمان وادارته وفقا للقواعد القانونية والتنظيمية الموضوعة لذلك الى نشاط بديل هو منح الائتمان مع هدف نقله الى الاخرين في الاسواق المالية originate anddistribute بغض النظر عما اذا كانت تتوافر لدى هذه الاسواق الامكانية التقنية او الموضوعية لادارة المخاطر التي انتقلت اليها ام لا. وهذا ما حصل مع عمليات تسنيد الرهونات العقارية titratisation او ما اتفق على تسميته بالــ subprimes والذي ادى الى اكبر عملية انفلاش في مضاعف الاقراض multiplicateur de crédit حسب  تعبير حاكم مصرف فرنسا السابق السيدJacques de Larosiere  . وقد اثار الامر مخيلة الكاتب الاميركي توماس فريدمان في حينه فكتب في احدى افتتاحياته النيويوركية بان سلطات بلاده حشدت جيوش العالم لغزو بلاد الرافدين بحثا عن اسلحة الدمار الشامل والمفاجأة التي كانت لها وللجميع ليست فقط في عدم العثور على هذه الاسلحة في صحراء هذه البلاد بل في وجود اسلحة اكثر فتكا مخبأه لديها هي اي الولايات المتحدة الاميركية في قيود وحسابات التسنيد التي تمسكها مصارفها ومؤسساتها !!!!
والانحرافات السابقة لمؤسسات الاقراض ما كانت لتحصل لو لم يواكبها انحرافات عدة مماثلة من قبل جهات اخرى في مقدمتها سلطات الرقابة المصرفية فقد دعمت هذه السلطات توجه مصارفها الى التقيد بمعايير " بازل 2" من خلال تنظيف الاخيرة  لميزانياتها بواسطة عمليات التسنيد علما بان القواعد المهنية تشير الى ان اخراج المصارف لبعض العناصر من ميزانياتها لا يعني تحللها بالكامل من المخاطر وذلك بسبب بعض الارتباطات الضرورية لتسويق سندات التسنيد مثل ضمان الائتمان من خلال الاحتفاظ بنسب معينة من هذه السندات، او تقديم خطوط سيولة لتلبية طلبات التصفية ومخاطر السمعة وغيره.
هذا وقد اثبتت الازمة المالية ان الارتكاز على التسنيد لم يؤد الى الهدف الاساسي المطلوب وهو قيام قطاع مصرفي سليم يخضع لمعايير "بازل 2"  بل العكس، فان انفجار الازمة في الاسواق المالية عاد وارتد سريعا الى المصارف بسبب الارتباطات المحكي عنها في الفقرة السابقة مما اقام الدليل على وجود تلازم بين استقرار الاسواق المالية واستقرار المصارف.
مشرّعو الدول الاسكندينافية كانوا السباقين في ادراك اهمية التلازم المذكور في الاستقرار المالي العام حتى قبل حدوث ازمة عام 2008. ولبلوغه، اقامت كل من هذه الدول هيئة مستقلة تحوز صلاحيات الترخيص للمؤسسات بممارسة العمليات المصرفية والمالية وعمليات التأمين وصلاحيات وضع قواعد العمل والاشراف والرقابة (انشئت   Finanstilsynet في النروج عام 1986 وفي الدانمارك عام 1988 وانشئت Finansinspektionen في السويد عام 1991) وقد لحق بهم بعد ازمة 2008كل من المانيا التي انشأت في عام 2002 الBAFIN [1] وسويسرا التي انشأت في عام 2009 الFINMA[2]  وتمتد صلاحيات الاخيرة الى مكافحة عمليات تبييض الاموال غير المشروعةوايضا عمليات القمار للحؤول دون استخدامها في عمليات التبييض.  وتعتمد التوجه الاسكندينافي كل من اللوكسمبورغ CSSF  [3]وهنغاريا وبولونيا ومالطا ومن خارج اوروبا كندا واليابان.
التوجه الاوروبي السابق يقدم بلا ريب وسيلة متطورة للتجاوب بفعالية وسرعة ومرونة اكبر مع تطورات السوق والابتكارات المصرفية والمالية والتأمينية الجديدة التي باتت على درجة من التنوع والتشابك والترابط يصعب معها السيطرة على هذه التطورات والابتكارات الا من خلال مظلة تنظيمية ورقابية واحدة. كما يقدم اداة فاعلة تسهل تقييم المخاطر العامة للتجمعات التي تتعامل بهذه التطورات والابتكارات (التأكد من الملاءة الاجمالية للتجمع ومن توافر نظام رقابة فاعل لادارة مخاطره …) ويداوي الفجوات والازدواجية والتشابك في عمليات الرقابات المتنوعة ويخفض التكاليف من خلال ارساء بنية تحتية واحدة تقلص من نفقات البنية الادارية وتتيح التزود باجهزة وانظمة متطورة قد لا تقوى على دفع تكاليفها الهيئات الرقابية المنفردة كما يساهم بشكل افضل في تحقيق سياسات متنوعة الاهداف الاقتصادية وانظمة مساءلة افضل عن فعالية الاشراف والرقابة من قبل السياسيين والجمهور واصحاب الصلة بالقطاع المالي بجميع تفرعاته.
في المقلب الآخر، اختطت بعض دول اوروبا الغربية نهجا مغايرا في سبيل ارساء الاستقرار المالي العام فقد عمدت بلجيكا الى تقليد الانموذج الهولندي فاعتمدت ابتداء من1 نيسان 2011 نظام الرقابة المالية المزدوج   Twin Peaks الذي يقوم على فكرة تكليف هيئتين بالرقابة المستقلة (الاولى) المصرف المركزي الذي يقوم بالرقابة الاحترازية الجزئية microprudentiel  كما الكلية macroprudentielوايضا رقابة سلامة الانظمة المعتمدة controle systémique و(الثانية) الـ  FSMA التي تختص برقابة حسن السلوك المهني للعاملين في الاسواق الماليةبحيث يتعين على كل مؤسسة عاملة في هذه الاسواق الحصول على موافقة مستقلة من كل من المصرف المركزي والـ [4] FSMA  كل فيما يعنيها.
كذلك اعتمدت فرنسا ابتداء من اذار 2010  النظام المزدوج للرقابة المالية لكن باسلوب مختلف، فاستبقت على سلطة الاسواق المالية AMF[5] المنشأة عام 2003 كهيئة عامة مستقلة تنظم حسن عمل الاسواق المالية للمحافظة على الادخار الموظف في الادوات المالية التي يتم تداوالها في هذه الاسواق.وانشئت بالمقابل لدى المصرف المركزي الفرنسي الـ[6]ACP هيئة جديدة مستقلة عنه للرقابة الاحترازية تمنح تراخيص العمل للمؤسسات المصرفية ومؤسسات التأمين وتراقب حسن تقيدها بقواعد العمل كالملاءة وعدم تبييض الاموال غير المشروعة او استعمال الاموال في عمليات الارهاب وهي تدار من قبل فريق عمل يتألف من 16 عضوا من بينهم حاكم مصرف فرنسا الذي يقوم بدور الرئيس ورئيسي سلطة الاسواق المالية والمعايير المحاسبية وثلاثة مستشارين من مجلس قضاء الدولة ومحكمة النقض وديوان المحاسبة واعضاء اخرين خبراء في التأمين والعمليات المصرفية وعمليات الدفع والاستثمار وحماية مصالح العملاء واستعمال التقنيات المفيدة في عمليات الرقابة.
ومن اهم الامور التي اسست لانغماس المصرف المركزي في بلجيكا وفرنسا في الامور التنظيمية او الرقابية المالية هو سحب الصلاحيات التقريرية فيما خص السياسة النقدية المتعلقة باليورو من ايديهما ومن ايدي سائر المصارف المركزية الاخرى في منطقة اليورو لصالح المصرف المركزي الاوروبي في فرانكفورت.
وبالعودة الى لبنان يظهر بوضوح ان المشرع اختط نهجا مناقضا للاتجاه الراجح بعد ازمة عام 2008 الذي يتوسل الاستقرار المالي العام من خلال توحيد هيئات التنظيم والرقابة المالية  autorité intégrée et unique. فقد اوغل المشرع اللبناني بتفريع الهيئات الاخيرة وتجزئتها، كما لو ان الوضع المالي العام يسمح بهذا الترف، بحيث بات لدينا خمس هيئات هي: (1) مصرف لبنان (2) لجنة الرقابة على المصارف (3) هيئة التحقيق الخاصة (4) لجنة مراقبة هيئات الضمان ومؤخرا (5) الهيئة الوطنية للاسواق المالية ووحدة الرقابة على هذه الاسواق المنشأة لدى الهيئة. وهذا التفريع لم يستند الى اي دراسات تقدم الدليل على ان ايجابيات الرقابات القطاعية والمجزأة    sectoriels et fragmentés تتقدم بالنسبة للسوق اللبناني على النتائج التي خلصت اليها تقارير رصينة اسست لاعتماد البرلمانات الاوروبية الرقابة المجمعة (كتقرير Bruno Delétréفي فرنساوتقريري Zufferey  و Zimmerli  في سويسرا وغيرهم …)    
لا بل ان الدخول في التفصيلات المبدئية للقانون 161 يشير الى اثارته قضايا مبدئية على غاية الاهمية فيما خص تكوين هيئة الاسواق المالية وهو الامر الذي كان سبب تأخر صدور القانون سنوات عديدة كما ذكرنا .
فالمادة 4 منه تنص على الاستقلالية الادارية والمالية لهذه الهيئة وعلى عدم خضوعها لقواعد الادارة وتسيير الاعمال وللرقابات التي تخضع لها مؤسسات القطاع العام من دون اية اشارة الى ضرورة  مراجعة مجلس ادارة الهيئة مجلس الوزراء بخصوص السياسة العامة التي سينتهجها في العمل والتنسيق معه مسبقا بشأنها وذلك تنفيذا لمقتضيات المادة 65 من الدستور التي تذكر صراحة بان مجلس الوزراء هو الذي يضع السياسات العامة للدولة في جميع المجالات ويسهر على تنفيذ القوانين ويشرف على اعمال كل اجهزة الدولة بلا استثناء. وهذا التوجه اي ضرورة اشراف الحكومة على سياسات وخطط السلطات العامة التي تنشأ لتعمل بشكل مستقل autoritédite indépendante تحقيقا لغايات معينة اكده المجلس الدستوري في فرنسا مرارا في كثير من قراراته ويتمسك المشرع السويسري بادراجه بنص صريح  في متن انشاء كل سلطة عامة تعمل بشكل مستقل وهذا ما فعله في المادة 21 من قانون انشاء الــ FINMA[7]عام 2009 .
من جهة اخرى، تثير المادتان 6  و7 من قانون الهيئة اشكالين خاصين (الاول) برئاسة مجلس ادارة الهيئة و(الثاني) بتقييم انغماس اعضاء آخرين في المجلس المركزي لمصرف لبنان بادارة الهيئة. فالمادتان المذكورتان تنصان على ان يتولى حاكم مصرف لبنان او من ينوب عنه رئاسة مجلس ادارة الهيئة وان يتصرفا بصفتهما الشخصية وليس بالصفة التي عينوا بها. وتعدد المادة 10 من القانون صلاحية رئيس المجلس بالصلاحيات التنفيذية لادارة شؤون هيئة الاسواق وتسيير اعمالها والقيام بالاعمال التنظيمية والامور اليومية الجارية .بالمقابل تعدد المادتان 17 و26 من قانون النقد والتسليف موجبات ومسؤوليات الحاكم بادارة المصرف العامة وبتسيير اعماله (administration   direction et gérance) (حسب تعابير النسخة الاصلية المحررة باللغة الفرنسية لقانون النقد والتسليف). والسؤال الذي يتبادر الى الذهن القانوني هو كيف يمكن تكليف ذات الشخص بتأمين الادارة العامة وتسيير الاعمال اليومية لسلطتين عامتين مستقلتين بذات الوقت؟ علما بان المادة 20 من قانون النقد والتسليف تنص صراحة على عدم جواز قيام اي عضو من حاكمية مصرف لبنان بالجمع بين وظائفه واية عضوية نيابية او وظيفة عامة او اي نشاط في اية مؤسسة مهما كان نوعها سواء اكان هذا النشاط ماجورا او غير ماجور.
والاشكال السابق يقود تلقائيا الى اشكال آخر اكثر التباسا وهو اثر الوجود الوازن لاعضاء من المجلس المركزي لمصرف لبنان في تكوين مجلس ادارة هيئة الاسواق المالية .
فكثيرة هي الدراسات والتجارب التي اثبتت مرارا وتكرارا ان انغماس رجال السلطة النقدية بأي مهمة اخرى غير استقرار النقد سيكون بالتأكيد على حساب هذا الاستقرار وكلفته، لان اتساع دائرة اهتماماتهم سيزيد من الضغط على استقلاليتهم. فتكليفهم بمهام تتصل بالاشراف على النشاط المصرفي او المالي مثلا سيدفعهم، عند معالجة اية انتكاسة مصرفية او مالية، الى انتهاج سياسة نقدية قد لا تكون مبررة على صعيد الاستقرار النقدي مما يهز المصداقية في قيادة السياسة النقدية.
ومعروف ان المؤسسات المصرفية يستهويها عادة فكرة تكليف المصرف المركزي مهمة الاشراف والرقابة على شؤونها لانه سيزيد من دائرة امكانية تدخله لمساعدتها عند الضرورة لجبه اي اتهام للمصرف بالتقصير في اعمال الاشراف والرقابة عليها. والتوجس هو توسل المتعاملين في الاسواق المالية هذا التدخل لذات الحجج بعد صدور القانون 161 وبوابة ذلك تطويع النصوص القانونية بحجة تأمين الاستقرار النقدي على غرار ما هو حاصل من تطويع للنصوص القانونية بالنسبة لتمويل احتياجات الدول. 
من جهة اخرى يطالب القانون رجال السلطة النقدية في الدول المتقدمة بتأمين مستويات دنيا في معدلات التضخم تقاس بضبط تغيير مؤشر الاسعار الاستهلاكية (IPC indice des prix à la consommation) ضمن سقف معين. في لبنان يترجم الامر قانونا وعمليا، كأي بلد نام اخر، بتأمين الاستقرار النقدي من خلال تأمين الثبات في اسعار الصرف والسيطرة على تطور الكتلة النقدية M3. والادوات المستعملة في ذلك معروفة ومنصوص على غالبيتها في المادتين 75 و76 من قانون النقد والتسليف، وهي ترمي الى بلوغ الهدف بالمدى القصير. اما تأمين الاستقرار في اسعار الاصول (ويندرج فيها اسعار الاسهم والسندات والصكوك المتداولة في الاسواق المالية) فهو امر يخرج عن صلاحية السلطات النقدية في لبنان وعن قدرتها ويتطلب على كل حال ادوات وسياسات للمدى المتوسط والطويل. من هنا فان تكليف اشخاص من السلطة النقدية في لبنان بقضايا الاسواق المالية هو امر يتضمن بالتأكيد التمويه على النجاحات والاخفاقات وهو امر لا يعرفه اي من الدول المتقدمة .
هذا ومن المفيد الاشارة الى ان مجالس ادارة الهيئات المشرفة على اسواق المال في الدول الاوروبية تتألف حاليا من عدد وازن من اصحاب الثقافة القانونية كال(FINMAالسويسرية التي تتولى كل من الرئاسة ونيابة الرئاسة فيها القانونيتان  Anne Héritier Lachaو   Monica Mächler  وال AMFو الACP الفرنسيتين) ايضا يرأس كل من الــ   FSMA البلجيكية  والــ  BAFIN الالمانية شخصان ذو خلفية قانونية …
ويرى البعض ان الوجود الوازن للقانونيين في الهيئات الناظمة والمشرفة على اسواق المال السابقة وغيرها ما هو الا دليل وتعبير لفكر جديد يرمي الى فرملة وعقلنة اتجاه ساد خلال العقدين الماضيين تحلل خلاله التعامل المالي من كثير من الضوابط القانونية وروج لهذا التحلل صانعو ومتعاملو الاسواق المالية لتلبية شتى احتياجات الاستثمار والمضاربة يدعمهم في ذلك ابحاث وخدمات مرتفعة الكلفة لاخصائيين في علوم عدة كالاقتصاد والرياضيات والاحصاء ومطورو العلوم والانظمة الالكترونية وايضا رواج نظريات العولمة المالية على الصعيد العالمي من خلال اطلاق اتفاقيات تجارة الخدمات المالية ال GATS.
هذا وقد كشفت ازمة الرهونات العقارية الاميركية عام 2008 انحرافات مهنية من قبل مكاتب المحاماة التي عهد اليها بصياغة عقود هذه الرهونات اذ ركزت هذه المكاتب على مصالح مصدري سندات ال subprimes دون اي توقف للمخاطر التي قد يتعرض لها من ستنتقل اليهم ملكية هذه السندات ولا حتى التفكير بان الامور قد تصيب بالنهاية موكليهم مصدري السندات بالذات! من هنا كان التفكير الحديث باستقدام القانونيين الذين يملكون الخبرة والدراية المالية الكافية الى مواقع القرار في المؤسسات الناظمة والمشرفة على الاسواق المالية لاحتواء ما اتفق على تسميته بانحرافات واخطاء "الرأسمالية المالية". ومن الاجراءات الاخرى التي اعتمدت في هذا الاطار انشاء مكاتب تهتم مباشرة بقضايا المستهلكين في كل من المصارف المركزية وهيئات ادارة الاسواق المالية، لا بل ان البعض قرن ذلك بانشاء مكاتب للمراقبين العموميين ombudsman يهتمون بملاحقة مصالح المتعاملين بالاسواق المالية مع المؤسسات المعنية مع صلاحية اقامة الدعاوى على المخالفين والمتلكئين في اتخاذ الاجراءات المطلوبة .
الافكار الاصلاحية المحكي عنها وغيرها اكثر تفصيلا غابت عن بال واضعي القانون رقم 161 بالرغم من وفرة الجرائد والمجلات والدوريات المتخصصة التي كانت تضج وقت صدور القانون ولتاريخه بالكثير من الافكار والتوجهات الخاصة بارساء انتظام وتعامل سليم في الاسواق المالية. والامل ان يكون تسليط الضوء على قصور القانون 161 في النقاط المثارة اعلاه مدعاة تفكير لاعادة النظر فيه ضمن دائرة اوسع تضم اخصائيين متابعين للتطورات والاحداث توسلا لتشريع مالي حديث لا تشوبه شائبة.
 

يتبع: ستنشر "المفكرة" لاحقا سلسلة مقالات أخرى للبروفسور توفيق شامبور حول قانون الاسواق المالية


[1]The Federal Financial Supervisory Authority (Bundesanstalt für Finanzdienstleistungsaufsicht – BaFin)
[2]l’Autorité fédérale desurveillance des marchés financiers (FINMA)
   [3] La Commission de Surveillance du Secteur Financier   
[4]L'Autorité de des services et marches financiers
[5]l'Autorité des marchés financiers   
[6]L'Autorité de contrôle prudentiel (ACP)
[7]l’Autorité fédérale desurveillance des marchés financiers (FINMA)
انشر المقال

متوفر من خلال:

لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية
زوروا موقع المرصد البرلماني