"هنالك وضعيات احتكار وتحالف. ليس من مصلحة بعض المجموعات العائلية تواجد ونجاح فاعلين اقتصاديين شباب". أثار هذا التصريح الصادر مؤخرا عن سفير الاتحاد الأوروبي في تونس لصحيفة لوموند الفرنسية ضجة كبرى في تونس خاصة مع تزامنه مع النقاشات حول اتّفاق التبادل الحر المعروف بالاليكا وهو اتفاق في طور النقاش يواجه رفضا داخليا كبيرا. لم يكن هذا التصريح إلا تأكيدا لتقارير دولية سابقة تحدثت عن سيطرة عائلات نافذة تكرّس اقتصادا ريعيا عبر ممارسات فاسدة وتمنع تنويع الاقتصاد التونسي وولوج فاعلين اقتصاديين جدد.

هذه الوضعية الاحتكارية أصبحت حاليا لبّ الفساد في تونس وأكبر عائق أمام التحكم فيه وتحقيق تنمية اقتصادية حقيقية وبناء مؤسسات قوية ومحايدة. فأشكال الفساد الأخرى وخاصة منها الفساد الصغير الذي استشرى مباشرة بعد الثورة يبقى فسادا يمكن التحكم فيه في حال توفرت إرادة لذلك تسمح باتخاذ جملة من الإجراءات البسيطة كرقمنة الإدارة أو التحكم في السلطة التقديرية للموظفين، لكن الفساد الذي أصبح معطّلا لأيّ إصلاح والذي بدون مواجهته لا يمكن للحرب على الفساد أن تنجح هو الفساد الذي يقوم على الاستحواذ على الدولة والسيطرة عليها «state capture» لخدمة مصالح اقتصادية ضيقة. فهو فساد كبير مرتبط بمصالح اقتصادية هامة عجزت الدولة حتى الآن عن تفكيكه والتحكم فيه.

ظهر مفهوم "الاستحواذ على الدولة" في بداية الألفية الثانية، وكان مُنطلقه دراسة لأشكال الفساد في دول أوروبا الشرقية بداية التسعينات من القرن الماضي وكانت تشهد إبانها انتقالا ديمقراطيا. بيّنت هذه الدراسة بروز شكل جديد من الفساد في تزامن مع عملية الانتقال الديمقراطي في هذه البلدان وهو فساد لا يهدف إلى التحكم في كيفية تنفيذ القوانين كما كان معهودا، بل يهدف إلى التأثير بطريقة فاسدة في عملية سنّ القوانين من خلال استصدار قوانين لا تخدم المصلحة العامة بل تخدم مصالح ضيقة. وإن كان من المنطقي والعادي أن يسعى كل من له مصلحة خاصة كاللوبيات الاقتصادية في التأثير على عملية اتخاذ القرار الرسمي حتى في أعتى الديمقراطيات وأقدمها، والسعي إلى إصدار قوانين تخدم مصالحها، إلا أن الإشكال يتعلق بالوسائل المعتمدة للتأثير في هذا القرار، وهي عادة ما تكون وسائل فاسدة وغير رسمية تغيب عنها الشفافية وتختفي فيها الحدود بين المصالح العامة والمصالح الخاصة في تغييب كلي لقنوات تأثير واضحة ورسمية وشفافة.

أتاحت الديمقراطية التونسية الناشئة فرصا جديدة لإعادة تشكّل الفساد تدور رحاها الأساسية حول إعادة اقتسام التركة القديمة لبن علي وعائلته والتحكم في الاقتصاد وضمان سيطرة لوبيات معينة على امتيازات اقتصادية احتكارية تحقق أرباحا كبرى. فإعادة تشكيل خارطة اللاعبين الاقتصاديين الأساسيين لم يغيّر كثيرا الهدف من اللعبة وهو تحقيق الربح المادي بأقل مجهود في ظل اقتصاد ريعي بالأساس. فالعديد من اللوبيات العائلية تسعى إلى مواصلة التحكم في الاقتصاد التونسي وضمان تواصل احتكارها لقطاعات إنتاجية وتسعى إلى الانقضاض على ما تبقى من التركة القديمة لبن علي وعائلته في إطار توجه اقتصادي يغلق باب المنافسة الحرة أمام فاعلين اقتصاديين جدد ولا يسعى إلى تحقيق قيمة مضافة فعلية وفي ظل سياسات تقمع كل منافس. فوكالات توزيع السيارات وكذلك المساحات التجارية الكبرى ورخص توزيع المشروبات الكحولية هي حكر على عائلات معينة، وواصلت نفس تلك العائلات توسيع نفوذها في هذه المجالات.

وبما أن الفساد يتطور ويتفاعل مع التحولات السياسية والاقتصادية، فإن تطور المنظومة السياسية التونسية نحو نظام سياسي يعتمد الديمقراطية كآلية تسيير جعل الفساد يطور وسائل التحكم والاستحواذ على الدولة والسيطرة على دواليب الاقتصاد باستغلال وتطويع آليات الديمقراطية. فالديمقراطيات الناشئة ومنها تونس تفتقد عادة القدرة على مواجهة الفساد لما يشوبها من ضعف مؤسسات الدولة وعدم قدرة على بسط نفوذها على مراكز قوى قادرة على التغلغل بسرعة في مفاصلها.  تستغل هذه القوى آلية الانتخابات وبوابتها مجلس نواب الشعب التونسي لبسط النفوذ على الدولة، حيث أن عددا مهما من كبار رجال الأعمال في تونس هم أعضاء في مجلس النواب الحالي. ويرجّح أن يتواصل هذا المنحى مع الانتخابات التشريعية القادمة خاصة بعد نشر هوية رؤساء القوائم لأهم الأحزاب وكثيرون منهم أصحاب أعمال نافذون. من جهة أخرى يسعى العديد من النواب الآخرين الذي تم استقطابهم لحماية هذه المصالح لتكريس هذا التوجه والدفاع بشراسة عن هذه المصالح الخاصة.

فمن خلال متابعة القوانين التي تم التصويت عليها في السنوات الأخيرة، برز قانون المصالحة الإدارية الصادر في 2017 كمثال يؤكد السعي نحو طي صفحة ملفات الفساد الماضية دون مساءلة أو محاسبة تكريسا للإفلات من العقاب سواء التي قام بها أصحاب الأعمال بعلاقاتهم مع المنظومة السابقة أو الموظفون الذين عبدوا الطريق أمام هذه التجاوزات. ورغم الاعتراضات الشديدة عليه، مرّ القانون بعد حصر العفو بالإداريين وتبديل تسميته من قانون المصالحة الاقتصادية إلى قانون المصالحة الإدارية.

جدل آخر حول تطبيق الفصل 14 من قانون المالية لسنة 2019 الذي فرض رفع نسبة الضريبة على العديد من المجالات الاقتصادية الريعية كالمساحات التجارية الكبرى من 25% إلى 35% لكن تم النجاح في تأجيل تنفيذ هذا الترفيع بالنسبة للمساحات الكبرى لسنة 2020 بتعلّة المحافظة على المقدرة الشرائية للمواطن والتحكم في التضخم. قوانين أخرى ذات صبغة اقتصادية كالمصادقة على القروض وإعفاءات ضريبية موجهة إلى دعم بعض القطاعات كالسياحة أو حصول الدولة على قروض لدعم القطاع الخاص تم التصويت عليها دون أن تكون المصلحة العامة هي الهدف الأساسي. صادق المجلس أيضا على قانون إعادة رسملة البنوك العمومية في 2015 ومكّن هذه البنوك من إجراء عمليات الصلح مع المدينين وأغلبهم من العائلات النافذة كما تؤكده وثيقة مسربة من البنك المركزي نشرها المقرر العام للجنة الإصلاح الإداري ومكافحة الفساد في المجلس التأسيسي.

لم يمارس المجلس أيضا دوره الرقابي في متابعة قضايا الفساد الكبرى باستثناءات قليلة بدت كصدى صوت في بئر عميقة. فلم يصرّ مجلس النواب على الحصول على تقرير التدقيق في البنوك العمومية رغم حجم الديون المتخلدة بذمة أكبر العائلات المتنفذة. ولم يسعَ مجلس النواب أيضا إلى اتخاذ قوانين تُنهي أو على الأقل تحدّ من حالة السيطرة والاحتكار للعديد من القطاعات الاقتصادية بل واصل تمتيع نفس اللوبيات بامتيازات جبائية ومالية وإعفاءات هامة كتلك المسجلة في القطاع السياحي باعتباره أحد القطاعات التي تسيطر عليها لوبيات عائلية اقتصادية كبرى.

استغلال الإدارة هو أيضا وسيلة للتحكم في الدولة والسيطرة على دواليبها من خلال تعطيل أجهزتها الرقابية وإضعاف الإمكانيات الموضوعة على ذمتها سواء منها البشرية أو المادية. ويبقى مثال هياكل الرقابة العامة دليلا على ذلك بتأخير عملية إصلاحها وتهميش دورها. ويتبدى استغلال الإدارة أيضا في إضعاف قدرتها على إنفاذ القوانين الزجرية أو تطبيقها بطريقة انتقائية. وملف مروان المبروك أحد أكبر رجال الأعمال الذين جمدت ممتلكاتهم باعتباره صهرا لبن علي وطلبت الحكومة من الاتحاد الأوروبي بصفة رسمية رفع التجميد عن ممتلكاته مثال آخر عن الانتقائية وتطويع الإدارة لخدمة هذه المصالح.

ويُبرز التعامل مع ملف عقود الاستغلال تحت التسمية الأصلية أو ما يسمى بالفرانشيزFranchising  الذي وقع تقنينه في تونس منذ سنة 2009 كيفية استغلال الإدارة لخدمة هذه اللوبيات. وهذه العقود هي أفضل مثال على تكريس الاقتصاد الريعي باعتبار أنها تقوم بالأساس على ترويج منتوجات غير مصنعة في تونس وجني أرباح مهمة دون قيمة مضافة فعلية وهو مثال صارخ عن كيفية تعامل الإدارة مع ملف اقتصادي حساس له انعكاسات خطيرة على الاقتصاد التونسي. فقد ارتفع عدد عقود الفرانشيز الأجنبية في الأربع سنوات الأخيرة بطريقة مهولة ليبلغ عدد التراخيص التي أسندتها وزارة التجارة للعلامات التجارية العالمية 28 ترخيصا إلى حدود يناير 2019، ليشمل مجالات كانت خطوطا حمراء حتى في العهد السابق كمجال المطاعم والتي كان بن علي يمنع فيها انتصاب سلاسل المطاعم الأجنبية في تونس حفاظا على النسيج الاقتصادي المحلي.

وحتى فيما يتعلق بإسناد رخص توريد السيارات، فقد كان القانون التونسي يشترط نسبة معينة من اندماج تصنيع قطع غيار السيارات الأجنبية المروجة في تونس وهو ما ساهم في التطور المهم لصناعة قطع غيار السيارات. هذا الأمر لم يعد محترما حاليا خاصة بعد ارتفاع عدد رخص توريد السيارات التي تم إسنادها مؤخرا.

وتؤكد هذه الوضعية حالة الدولة التونسية التي ينطبق عليها جزئيا في وضعها الحالي مفهوم"الدولة الرخوة أو اللينة"Soft state" وهو مفهوم استنبطه الاقتصادي السويدى (جونار ميردال) في كتابه "الدراما الآسيوية، بحث في فقر الأمم"، والذي نُشر عام 1968. حيث يري أن "الدولة الرخوة" هي الدولة التي ينتشر فيها الفساد ولا يطبق فيها القانون على الجميع ويسيطر عليها أصحاب المال والنفوذ الذين يطوّعون القانون لمصالحهم الذاتية. فهي تبدوفي ظاهرها دولة ديمقراطية لكنها تخضع في باطنهالسيطرة اللوبيات الفاسدة بمختلف أشكالها. كما أن مؤسساتها وإدارتها عاجزة عن القيام بدورها أو بسط نفوذها خدمة للصالح العام وهي لا تمتلك تصورا إصلاحيا واضحا وهياكل رقابية فاعلة، ومنظومة المحاسبة داخلها ضعيفة ووسائل المساءلة واهنة وينتشر فيها الفساد والمحسوبية في ظل اقتصاد ذي طابع ريعي.

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 15 | سبتمبر 2019، من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد انقر/ي على الرابط ادناه:

نكره الفساد الذي يكبر فينا