لا وضوح في قضية العقار 1231 منطقة الأشرفية العقارية في بيروت، الذي يحوي على بناءين يعودان إلى الحقبة الفرنسية، ثلاثة وزراء تعاقبوا على وزارة الثقافة ولكل منهم رؤية مختلفة في التعامل مع التصنيف المناسب للأبنية. ففي الولايات الثلاث الأخيرة لوزارة الثقافة، العقار يدخل لائحة الجرد العام ثم يحذف منها ثم يعود إليها، بحسب رؤية كل وزير لطبيعة تصنيفها.

آخر قرار اتخذه الوزير الحالي محمد داوود بتاريخ 20 آب 2019. فقد أصدر القرار رقم 111 ليعيد بموجبه العقار رقم 1231، إلى لائحة الجرد العام، بعدما كانت سلفه الوزير السابق غطاس خوري أزاله عن اللائحة بالقرار رقم 38، متراجعاً بموجبه عن قرار رقم 116 لسلفه الوزير الأسبق روني عريجي، مما سمح لمالكي الأبنية المتواجدة على العقار بالحصول على رخصة هدم آنذاك. ويعود هذا "الأخذ والرد" في قضية هذا العقار، لسبب رئيسي، هو تأخُّر صدور مشروع قانون حماية الأبنية التراثية الذي أقره مجلس الوزراء بتاريخ 12 تشرين الأول 2017، ما يجعل حماية الأبنية التراثية هشة في ظل الإطار القانوني السائد حاليا والذي يعدّ غير ملائم لحماية الأبنية المذكورة.

هذا الأمر انعكس على تهيؤ المالكين لهدم الأبنية. مرة يؤذن لهم بالهدم من بلدية بيروت، ثم يمنع في حزيران 2017، بعد إثارة القضية إعلامياً. ثم يصدر قرار اعدادي عن مجلس شورى الدولة يوقف تنفيذ قرار رقم 38 في أيلول، أي منع الهدم، بعدما تقدمت جمعية "تشجيع حماية المناظر والمواقع الطبيعية والأبنية القديمة في لبنان - أبساد" بمراجعة تطلب فيها إبطال القرار رقم 38. منذ مدة التفّ محافظ بيروت زياد شبيب على قرار مجلس الشورى، وأعاد الإذن بالهدم ضمن شروط المحافظة على الواجهة الأساسية والشرفات. وتبعا لإصدار داوود قراره بإعادة العقار إلى لائحة الجرد، عاد المحافظ ليوقف رخصة الهدم.

في تصريح للمؤسسة اللبنانية للإرسال LBCI بتاريخ 20 آب 2019 صرح داوود بأن الوزارة تقوم بمسح لجميع الأبنية التي صدر فيها قرارات هدم ليتم وضعها على لائحة الجرد العام، بهدف تأمين حمايتها ومنع هدمها. وبالنسبة لمشروع القانون، أكد داوود: "نحن نتابع القانون، وإن رئيس مجلس النواب نبيه بري يدفع بهذا الاتجاه". وأضاف، "سنسمع بالقريب العاجل أخبارا عن هذا المشروع". ودع داوود، جميع السلطات المختصة، منها البلديات ووزارة الداخلية والبلديات، للتعاون لأجل حماية الأبنية التراثية لأنها مسؤولية تقع على عاتق الجميع وليس فقط على وزارة الثقافة[1].

 

المالكون اشتروا العقار بعدما تأكدوا من أنه غير مصنف تراثياً

للعقار رواية تعود إلى شباط 2010. آنذاك، لم يكن العقار مُدْرجاً على لائحة الجرد العام. ويدلي مالكو العقار الحاليون أنهم اشتروا العقار بعدما استحصلوا على إفادة من المديرية العامة للآثار في وزارة الثقافة بأنه ليس مدرجا على هذه اللائحة. وعلى هذا الأساس تم شرائه من قبل المالكين الحاليين بهدف الهدم وبناء مبانٍ مرتفعة. وعليه، تبعا لرفض المديرية العامة للآثار إعطاء الإذن بالهدم، طعن المالكون أمام مجلس شورى الدولة في هذا القرار. فأصدر مجلس شورى الدولة قرار بقبول الطعن وبإبطال قرار منع الهدم، الأمر الذي دفع وزارة الثقافة خلال ولاية عريجي بوضع العقار على لائحة الجرد العام لحمايته، بتاريخ 7 أيلول 2016.  انقلب الأمر عند تولي خلف عريجي الوزير السابق غطاس خوري وزارة الثقافة، فالأخير أصدر القرار رقم 38 ليزيل العقار عن لائحة الجرد العام. واعتبر خوري أن الأبنية المتواجدة على العقار آيلة للسقوط، مستنداً على تقرير الدوائر الفنية في بلدية بيروت، وليس على رأي المديرية العامة للآثار. عدا أن قراره اعتبر أن الأبنية لا تتوافر فيها عناصر تراثية مميزة يجدر الحفاظ عليها.

 حينها، وافق خوري على الهدم ضمن شروط المحافظة على الواجهة الأساسية لا سيما الشرفات التي تحيط بالمبنى المنوي بناءه في العقار، فاستحصل مالكو العقار على رخصة هدم من بلدية بيروت. وتبعا للضجة التي حصلت حينها، أصدر محافظ بيروت القاضي زياد شبيب قرارا بوقف الهدم. ويومها كلف نقيب المهندسين جاد تابت الفريق الهندسي في النقابة للكشف على المبنى بهدف التثبت من صحة تقرير مهندسي بلدية بيروت، فأصدر النقيب تقريراً يؤكد أن الأبنية ما زالت تحافظ على سلامتها وهي تحتاج لترميم فقط،  مسقطاً بذلك فرضية خطرها على السلامة العامة.

في تلك المرحلة، بتاريخ 7 حزيران 2018 تقدمت جمعية "تشجيع حماية المناظر والمواقع الطبيعية والأبنية القديمة في لبنان - أبساد" بمراجعة أمام مجلس شورى الدولة لإبطال القرار الصادر عن الوزير السابق خوري ووقف تنفيذ الهدم. ثم تدخلت في الدعوى "التجمع للحفاظ على التراث اللبناني" بوكالة المحامي فؤاد الحاج. ومن جهتهما، تدخل مالكو العقار في الدعوى. وفي 26 أيلول صدر قرار إعدادي بوقف تنفيذ القرار المطعون فيه وبتكليف المستدعى ضدها، الدولة ممثلة بوزارة الثقافة، إيداع المجلس الملف الإداري العائد إلى القرار[2].

 

قرار الوزير داوود يحمي الأبنية

يتفاءل وكيل جمعية "أبساد" المحامي نديم سعيد بالقرار الأخير الذي أصدره الوزير داوود بضم العقار مجدداً إلى لائحة الجرد العام. وهو يعتبر أن هذه "الخطوة تُشكل منعطفاً هاماً لحماية المباني التراثية المتواجدة على العقار 1231". يشرح سعيد بأن جمعية أبساد تقدمت بطلب إبطال قرار خوري على خلفية أنه مخالف للأصول القانونية. وقد أصدر إذ ذاك مجلس شورى الدولة قرارا إعداديا بوقف التنفيذ، الأمر الذي اعتبره سعيد "دليلا على أن قرار خوري بإزالة العقار عن لائحة الجرد العام هو قرار في غير محله".

ويشرح سعيد بأن مجلس الشورى طلب من وزارة الثقافة أن تعد تقريرها حول المباني الموجودة على العقار، وأن تقدم جوابها، وأن ما يؤخر إصدار الحكم النهائي، هو الإجراءات القضائية الروتينية التي تبطئ التقدم بالملفات. ومن المفترض بحسب سعيد أن تقدم وزارة الثقافة تقريراً وجواباً على الدعوى. ويشرح سعيد بأن حماية الأبنية التراثية رهنٌ بإصدار القانون الذي أقره مجلس الوزراء، لكن على ما يبدو أنه ليس من أولويات مجلس النواب.

من جهته، يعتبر وكيل مالكي العقار المحامي عصام صبح أنه سيتم اتخاذ الإجراءات القانونية للطعن بالقرار الصادر عن الوزير داوود. ويعتبر صبح أنه من واجب وزارة الثقافة احترام القرار الأول الذي صدر عن مجلس شورى الدولة الذي كان لصالح مالكي العقار. ويؤكد عدم تبلغه القرار الاعدادي الأخير الصادر عن مجلس شورى الدولة حتى اللحظة، مشيراً إلى أن "محافظ بيروت سمح لهم بالهدم مؤخراً مع الالتزام بالشروط المحددة، لكن بعدما أصدر داوود قرار إعادة العقار إلى لائحة الجرد أشار لنا المحافظ بإيقاف عملية الهدم".

ويستغرب صبح أسلوب وزارة الثقافة المتغيّر في التعاطي مع هذه المسألة مع تعيين كل وزير جديد. ويقول: "نتعارك على هذا الأمر منذ 10 سنوات. من الضروري العودة إلى الأصل، أي حينما اشترى موكليّ العقار بعدما استحصلا على إفادة من الوزارة تفيد بأن العقار غير مدرج على لائحة الجرد العام، وعلى هذا الأساس دفعا عشرات ملايين الدولارات لشرائه بغية تنفيذ مشروع بناء مرتفع". "كما العودة إلى قرار شورى الدولة في قضية الطعن برفض وزارة الثقافة الموافقة على الهدم، حين أتى لصالحهما، ومن الضروري أن تحترم وزارة الثقافة هذا القرار". ويُشير صبح إلى أن مالكي العقار طلبوا من الوزارة مرتين شراء العقار والتعويض لمالكيه عن الأموال التي دفعوها، فكان الجواب أنه لا يوجد موازنة في الوزارة لشرائه.

يؤكد صبح بأننا التزمنا بالحدود التي وضعتها الوزارة في ولاية خوري، وأن عملية الهدم لم تطل سوى الأجزاء الداخلية مع الإبقاء على الواجهة الأساسية. ويضيف، لو كان لنا نية الهدم الكلي للأبنية لكنا استغنما فرصة السماح التي أعطيت لنا وأنزلنا البناء دفعة واحدة". يختم قائلاً، "نحن نطبق القانون وهم من يخالفون، والموضوع يظهر وكأنه لتحقيق أهداف وليس غيرة على التراث".