ألقيت هذه الكلمة في نقابة الصحافة في إطار الندوة التي نظمها نادي قضاة لبنان بتاريخ 31 أيار 2019 نيابة عن المفكرة القانونية والإئتلاف المدني لدعم استقلال القضاء وشفافيته.

 

"يدعو المجتمعون الشعب اللبناني إلى دعم قضاة لبنان الذين يحكمون باسمه في معركة استقلال السلطة القضائية ومؤازرتهم في معركة مكافحة الفساد". هذه العبارة وردت في ختام بيان صدر عن الجمعية العمومية للقضاة بتاريخ الثامن من هذا الشهر، بعدما رفض القضاة بصريح العبارة في متن البيان نفسه الإعتداء المتمادي من السلطة السياسية على القضاء بهدف غلّ يده عن المكافحة الحقيقية للفساد. وقد جاءت الدعوة العامة لهذه الندوة والتي هي الندوة الأولى التي تدعو إليها جمعية قضائية للتباحث معا بتحديات استقلال القضاء لتؤكد على ما نص عليه هذا البيان.

وحين طُلب مني أن أتكلم بالنيابة عن المفكرة القانونية وعن الائتلاف المدني لدعم استقلال القضاء وشفافيته، كان بإمكاني أن أتكلم عن أشياء كثيرة: عن اقتراح قانون استقلال القضاء الذي قدمه الائتلاف وتبنته كذا كتلة نيابية وننتظر رئيس لجنة الإدارة والعدل النائب جورج عدوان أن يضعه على أول جدول أعمالها كما وعد، عن التعديات الحاصلة على القضاء والتي أدخلتنا في ثقافة التدخل في أعماله، عن أهمية إنشاء نادٍ للقضاة لتأطير التضامن بين القضاة وتحصينهم، عن خطورة تمكين السلطة السياسية من الافتئات على حقوق القضاة، عن مواقف مجلس القضاء الأعلى ونقابتي المحامين المتناغمة مع السلطة الحاكمة في تطويق أي حركة مجتمعية وأي مسعى لإصلاح القضاء، لكني اخترت أن تكون الدعوة الموجهة من القضاة للشعب بمؤازرتهم في حرب استقلالهم هي عنوان كلمتي ومحورها. وما دفعني إلى ذلك سببان رئيسيان، هما:

أولا، أنها دعوة تنم عن التحول الحاصل والهام جدا على مستوى الحراك القضائي، وهي بمثابة إشارة تحوّل في أدوات دفاع القضاة عن أنفسهم وعن القضاء. فمن هذه الدعوة، نفهم بوضوح أن القضاة اختاروا بعد تجارب عدة الخروج من حال الصمت والعزلة للتوجه للشعب والرأي العام، لمصارحته والإحتكام إليه، طالما أنهم يحكمون باسمه، وطالما أنه هو مصدر كل السلطات. قد تبدو هذه الدعوة، الآن بعد حصولها، أمرا طبيعيا. لكن من يعلم تقاليد القضاة وتنظيمه يعلم الجهود الكبيرة التي بذلها العديد من القضاة، وفي مقدمتهم مؤسسو النادي، للوصول إلى هذا التحول. فالتقاليد التي نشأ القضاء اللبناني في ظلها كانت تفرض قراءة متزمتة لموجب التحفظ، قراءة مفادها أن على القاضي أن يتحمل كل أعباء مهمته وما قد يحصل ضده من اعتداء وتدخل بصمت ومن دون تذمّر. التقاليد صوّرت القاضي على نحو مُتخيّل، على أنه قديس وبطل، وقد صوّرته كذلك لتقول أن بإمكانه أن يصمد وحده وبصمت وعزلة تامّين في وجه سياسات الهيمنة والنفوذ، صوّرته كذلك لتنكر حاجته للضمانات القانونية والواقعية أو لوسائل الدفاع عن ذاته أو استقلاله وأبرزها حريتي التجمع والتعبير. فأنت قديس وبطل، فما حاجتك لهذه الضمانات والوسائل؟ والتحول الكبير الحاصل هو أن القضاة خرجوا اليوم لينقضوا هذه الرؤية واالنتائج التي انبنت عليها، لينظروا إلى أوضاع القضاء بشكل أكثر واقعية. فاستقلال الوظيفة القضائية لا يتحقق بمجرد افتراضها ولكنه يتحقق بفعل الضمانات المحيطة بها والوسائل الضرورية للقيام بها. فكان الاعتكاف، وكان النادي وهذه الدعوة. ومن هذا المنظور، لم يُعد القضاة في حراكاتهم المتتالية تفسير موجب التحفظ على النحو الصحيح وحسب (على أنه موجب تجرد وحيادية وليس موجب صمت)، إنما أكملوه بموجب لا يقوم استقلال من دونه، وهو موجب الاستهجان... الاستهجان إزاء أي تعدّ أو تدخّل في القضاء.

أما الأهمية الثانية لهذه الدعوة، فهي تكمن في كونها تقوم على وضع جميع القوى الاجتماعية أمام مسؤولياتها، محامين ونقابات محامين فضلا عن المنظمات غير الحكومية والقوى الاجتماعية والسياسية على اختلافها، لملاقاة القضاة في منتصف الطريق. فالقضاء ليس شأنا للقضاة وحدهم، بل هو شأن عامّ. واستقلال القضاء ليس حقا للقضاة أو امتياز لهم،ـ بل هو أولا حق للمواطن بالتقاضي أمام مرجع محايد ومستقل وقادر.

ونحن كمفكرة وائتلاف، لا ننصت وحسب باهتمام شديد لهذه الدعوة، بل نفهمها على أنها دعوة عامة ومستمرة. خارطة طريق، يؤمل منها أن ترسي نمطا جديدا في الحراك داخل القضاء وحوله وأن تؤسس لعلاقة جديدة بين القضاء والقوى الاجتماعية، نرجو أن تترسخ وتتطور. وهي دعوة نرددها مع القضاة بمثابة سؤال كبير لنا جميعا، إيمانا منا بواجبنا في الدفاع عن المجتمع وعن مصالحه. فنحن خسرنا الكثير من حقوقنا وأماننا الاجتماعي خلال العقود الماضية، حين تم الافتئات على استقلال القضاء، تحت جنح الصمت واللاحركة. فهل نترك القضاة الآن وقد قرروا المواجهة وحدهم، أم نلبي الدعوة تعزيزا لحظوظ نجاحنا في صد هيمنة السلطة الحاكمة وتحكمها بكل شيء؟

بقي أن أشكر القضاة على ثباتهم ودعوتهم. وباسمي وباسم زملائي في المفكرة والائتلاف، أعاهدهم أن نلاقيهم دوما في أي درب يؤسس للقضاء المستقل، للقضاء الحامي للحقوق والحريات. فبذلك وفقط بذلك، تكسب العدالة معناها الحقيقي والدولة كذلك.