في أوائل شهر تشرين الأول 2018، قدم عدد من النواب اقتراح قانون يرمي إلى تنظيم زراعة القنب (النبتة التي يستخرج منها الحشيش) للإستخدام الطبي وقّعه عشرة نواب، هم على التوالي ميشال موسى ومصطفى الحسيني وبولا يعقوبيان ومحمد مصطفى خواجه وسليم عون وهنري حلو وأكرم شهيب ونقولا نحاس وألبير منصور وجهاد الصمد.

ورغم التعتيم على مشاريع واقتراحات القوانين، نجحت جمعيات مختصة في مجال العلاج والوقاية من تداعيات استهلاك المخدرات والسياسات المرتبطة بها وبإستهلاكها بشكل عام أو في مجال قانون المخدرات (ومنها جمعيتي "سكون" و"المفكرة القانونية") في الاطلاع على نسخة من هذا الاقتراح. وفيما كان من المفترض أن تتم مناقشة هذا الاقتراح في جلسة للجان النيابية المشتركة بتاريخ 04/10/2018، إلا أن نواب اللجان لم يصلوا خلال إجتماعهم المذكور إلى البند المتعلق بهذا الإقتراح. ولكن أصداء من بعض الكتل النيابية تشير إلى الإسراع في البت به لعرضه على الهيئة العامة لمجلس النواب في أسرع الأوقات بغية تصديقه.

ويتبين أن من أهم أهداف هذا الإقتراح المُعلنة، تمكين الدولة من مراقبة وتنظيم زراعة القنب ومشتقاته للوصول إليها بشكل قانوني ولأهداف صحية وعلمية، وتحقيق التنمية المستدامة للمناطق المتضررة جراء زراعة القنب غير المشروعة، كما وتخفيف عبء نظام العدالة الجنائية من خلال الحد من الجريمة المنظمة القائمة على الإتجار غير المشروع بالقنب.

وقد أنشأ اقتراح القانون لهذا الغرض هيئة ناظمة لزراعة القنب للإستخدام الطبي والعلمي تخضع حصراً لوصاية وزارة الزراعة دون سواها، وتتمتع بالاستقلالية المالية والإدارية. ويعتري إنشاء هذه الهيئة إشكالات عدة، لجهة تركيبيتها وتمويلها ومهامها وآلية عملها، إشكالات من شأنها أن تنعكس سلباً على تطبيق هذا الإقتراح في حال إقراره.

وما يزيد الإقتراح قابلية للنقد هو أنه آل إلى فتح المجال أمام ترخيص زراعة القنب وتسويقه، من دون أن يُدخل أي تعديل على الوضعية القانونية لمستهلكي القنب والذين يبقون معرضين للملاحقات القانونية وفق قانون المخدرات. يضاف إلى ذلك جملة من الإلتباسات القانونية الواردة في الإقتراح (مثلاً: إستخدام كلمة "سجن" بدل "حبس" للدلالة على عقوبة جنحية)، ومؤشرات على تطبيع لفظي غير إعتيادي مع الكيان الصهيوني من خلال التسمية ولكن أيضا من خلال وضعها ضمن الدول التي يجدر استلهام تجربتها في هذا المضمار (فلسطين المحتلة "إسرائيل").  بناء عليه، نسجل الملاحظات التالية:

 

أولاً: تشريع زراعة القنب من دون أي إشارة إلى وضعية مستهلكيه

في حين يُعلن الإقتراح أن الغاية الأساسية منه هي تنظيم زراعة وتسويق القنب والمنتجات المشتقة منه للإستخدام الطبي والعلمي وتخفيف عبء نظام العدالة الجنائية من خلال الحد من الجريمة المنظمة، فهو يحصر تدخله في وضع المزارعين المرخص لهم بمنأى عن الملاحقة القانونية، من دون إبداء أي إهتمام لفئة واسعة جداً من الأشخاص المعنيين به وهم مستهلكو القنب (والمخدرات بشكل عام). فالمستهلك، يعاقب حالياً وفق قانون المخدرات[1] بعقوبة قد تصل إلى ثلاث سنوات حبس مع غرامة، وهو من أكثر الفئات الإجتماعية عرضة للملاحقة والتوقيف (بمعدل حوالي 3.000 موقوفاً سنوياً لفعل "التعاطي" فقط[2]). ومن المهم جداً الإشارة هنا أنه يوجد حالياً في مجلس النواب اقتراح قانون يرمي إلى تعديل قانون المخدرات الحالي منطلقاً من زاوية إعمال مبدأ "العلاج كبديل عن الملاحقة والعقاب" لإزالة وصم وتهميش مستهلك المخدرات، تقدمت به عدد من الجمعيات العاملة في هذا المجال (في مقدمتها جمعية "سكون") سنة 2016، ووقع عليه عدد من النواب آنذاك – بهية الحريري وسامي الجميّل وجوزيف معلوف وغسان مخيبر – مع تعهد منهم بتبنيه والمصادقة عليه من نواب كتلهم النيابية.

لا بل، وصل النقاش العام منذ ذلك الحين إلى حد المطالبة الملحّة والضرورية بإلغاء تجريم إستهلاك كافة أنواع المخدرات. وقد تم تبني هذا الموقف من بعض الوزارات (في طليعتهم وزارة الصحة العامة ووزارة الدولة لحقوق الإنسان، لا سيما في إطار ندوة حول اقتراح قانون سنة 2016 تم تنظيمها في حرم مجلس النواب عينه وبرئاسة النائب ميشال موسى نفسه)، في ظل وضع السجون الحالي وعدد الموقوفين بسبب إستهلاك المخدرات ونظراً للتطور العلمي والقانوني في هذا المجال حول العالم.

إلا أن الإقتراح موضوع هذا التعليق، لا يتطرق إطلاقاً إلى كل هذا بل على العكس، بحيث نصل إلى النتيجة العبثية الآتية: أن يتم تشريع الزراعة وفق الأصول المذكورة في الإقتراح، من دون أي إشارة إلى وضعية مستهلك المواد المخدرة، بما فيهم مستهلك القنب المرخص بزراعته وفق أحكام هذا الاقتراح بالذات.

بل أن الإقتراح ينص صراحة على معاقبة من يزرع بهدف الإستهلاك الشخصي أو لاستهلاك الغير بعقوبة قد تصل إلى الإعدام (وهذا ما نناقشه أدناه). وكان اقتراح قانون سنة 2016 (المذكور أعلاه) نص تيمنا بتشريعات أجنبية، على وجوب التمييز بين من يزرع بهدف الإستهلاك الشخصي ومن يزرع لبيع المخدر، على إعتبار أنه يقتضي التعامل مع الأول على أنه مستهلك أولا، بحيث يقتضي إفادته من مبدأ "العلاج كبديل عن الملاحقة والعقاب".  

 

ثانياً: عقوبات الإعدام والأشغال الشاقة مجددا، ولا تناسب بين الفعل وخطورة الجرم

يحدد الإقتراح في المادة 39 منه عقوبات مختلفة على من يخالف أحكامه على نحو يتعارض مع المبادئ الإنسانية فيما يتصل بالعقوبات ومع مبدأ تناسب العقوبة مع خطورة الجرم. ومن أهم الملاحظات على هذه المادة، الآتية:

  • أن الاقتراح لا يشير من قريب أو بعيد للعقوبات المنصوص عليها في قانون المخدرات، بما يتصل بزراعة وتخزين وتسويق القنب، مما يطرخح اشكالية كبيرة لجهة التوفيق بين النصين.
  • أن الإقتراح إعتمد مجدداً عقوبة "الأشغال الشاقة" المؤبدة كما المؤقتة، علماً أن تعبير "أشغال شاقة" ومفهومه هو مخالف للمبادئ والحقوق الأساسية التي التزم بها لبنان ولإتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة ولقواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء (قواعد منديلا)، بحيث تعتبر الأشغال الشاقة وسيلة من وسائل التعذيب؛
  • فضلاً عن ذلك، أن الإقتراح شدد في المادة 39 العقوبة لمن زرع أو سوق من دون ترخيص وكان أحد مستهلكيه من القصّار، بحيث تصل العقوبة في هذه الحالة إلى الإعدام عملا بالمادة 257 من قانون العقوبات[3]. ومن هذا المنطلق، تتفرع ملاحظتين إضافيتين:
    • أولاً، إضافة حالة جديدة تكون العقوبة فيها الإعدام وذلك بخلاف التوجه الدولي إلى إلغاء عقوبة الإعدام وتعهد لبنان في حصرها في الحالات الأكثر خطورة (المادة 6 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية).
    • ثانياً، أن الإقتراح يكون أوجد بالتالي عقوبة أكثر قساوة من تلك الموجودة بقانون المخدرات الحالي (وحدّها الأقصى المؤبد) فيما أنه يهدف في الأساس لتشريع زراعة الحشيشة في نظرة إيجابية إلى الفوائد الطبية لهذه النبتة والتي كانت تمت شيطنتها سابقا بمنأى عن أي اعتبار علمي.
  •  أن الإقتراح خالف مبدأ الدقة في صياغة المواد العقابية، بما يناقض مبدأي شرعية العقوبات والمساواة أمام القانون. ومن الأمثلة على ذلك، معاقبة "زراعة أو تسويق [...] مواد أخرى تسبب التبعية البدنية أو العقلية بهدف الإستخدام الشخصي له أو لغيره". فألا تشمل وفق تفسيرات معينة هذه المواد الأخرى الكحول أو التنبك وذلك لما يثبته عدد هائل من الدرسات العلمية المحلية والعالمية؟ وبالتالي، هل أصبح إذ ذاك تسويق هذه المواد أو زراعتها جرائم ياقب عليها بالأشغال الشاقة المؤبدة مع احتمال تشديد العقوبة للإعدام ؟ ومن الأمثلة الأخرى، مفهوم "التسويق" الذي ورد في باب العقوبات من دون تعريف. ويخشى أن يؤدي هذا المفهوم المبهم إلى تفسيرات متباينة قد تؤدي إلى تطبيقه على أفعال مختلفة ليست بالضرورة بنفس درجة الخطورة. وما يزيد هذا الأمر قابلية للنقد هو أن المحاكم ما تزال تعاني حتى اليوم من مجموعة من المفاهيم ذات المعاني المبهمة والتي تضمنها قانون المخدرات الحالي، منها مفهومي تسهيل أو ترويج المخدرات. فهل هي تشمل مشاركة عدد من الأصدقاء أو التضييف؟
  • أن الإقتراح تجاهل مبدأ التناسب بين خطورة الفعل المرتكب والعقوبة. فلدى إجراء قراءة متأنية للمادة 39 منه، يتبين أن العقاب لم يعد يرتبط بخطورة المادة، بل بخطورة تجاوز مبدأ الترخيص أو مخالفة شروطه. ومن هذه الزاوية، يفترض أن تكون العقوبات المنصوص عليها تبعاً لمخالفة مبدأ الترخيص أو شروطه متقاربة وفي مطلق الأحوال أقل قسوة من العقوبات التي نص عليها قانون المخدرات (1998) في مواده 125 و126. الأخطر من ذلك، أن بعد التدقيق في المادة 39 المقترحة، نجد أن ثمة أفعالاً متشابهة تماماً يعاقب عليها بعقوبات تختلف من حيث قسوتها. فالمادة 39(1) تعاقب زراعة أو تسويق القنب أو المخدرات أو أي مواد أخرى تسبب التبعية البدنية أو العقلية بهدف الإستخدام الشخصي أو إستخدام الغير بالأشغال الشاقة المؤبدة فيما المادة تعاقب 39(2) تعاقب زراعة القنب أو حصاده أو تخزينه أو تسويقه أو توزيعه أو تصديره دون ترخيص بالأشغال الشاقة المؤقتة والمادة 39(3) تعاقب زراعة القنب خارج النطاق الجغرافي أو المساحات المرخص لها بالأشغال الشاقة المؤقتة لمدة سبع سنوات. بمعنى أن العقوبات المقترحة للمخالفة نفسها تتراوح بين سبع سنوات والمؤبد كما يخرج عن ثلاث نصوص مختلفة.

بالمقابل، نقف مشدوهين أمام التساهل الذي عبر عنه الاقتراح إزاء رفض الخضوع لأعمال التفتيش والمراقبة أو الإقدام على مقاومة أو عرقلة موظف رسمي مكلف تطبيق أحكام القانون، بحيث أن معاقب هذه الأفعال لا تزيد وفق المادة من الاقتراح عن سنة حبس. بفعل هذه المادة، يصبح المخالف مدعوا لإعاقة الرقابة (التي يعاقب عليها بأقل من سنة حبس) درءاً لأي ملاحقة قد تؤدي إلى عقوبة أكثر قسوة بحقه. تبعا لذلك، يظهر كأنما الاقتراح يبدي ليونة وتسامحا أكبر مع من حظي بترخيص (حتى ولو أعاق الرقابة عليه) ممن لم يحظَ به، على نحو يعكس محاباة لهؤلاء على حساب سائر المزارعين. فيما ان المنطق القانوني يفرض العكس تماما، اي التشدد إزاء أي مخالفة تصدر عن أصحاب التراخيص طالما أنهم فضلا عن مخالفتهم، فهم يخلون بالثقة الممنوحة إليهم.

  • أخيراً، يعاقب إقتراح القانون من تنازل عن الترخيص دون إبلاغ الهيئة المشرفة، علماً أن الترخيص هو إسمي (intuitu personae) ولا يصح التنازل عنه من دون موافقة الهيئة. وعليه، كان يفترض أن تشمل العقوبة ليس من يمتنع عن الإبلاغ وحسب بل أيضا من يتناول لشخص آخر من دون موافقة الهيئة.

 

 

ثالثاً: في الإشكاليات المتعلقة بالهيئة المشرفة:

ينص الإقتراح على إنشاء هيئة إدارية ناظمة لزراعة القنب للإستخدام الطبي والعلمي تخضع حصراً لوصاية وزارة الزراعة دون سواها وتتمتع بشخصية معنوية مستقلة وباستقلالية مالية وإدارية. وقبل المضي في عرض الملاحظات على هذه الهيئة، تقتضي الإشارة إلى أن خطورة المهام الموكلة إليها (مراقبة والإشراف على زراعة القنب وحصاده وإنتاجه وتخزينه وتوزيعه وبيعه ومنح التراخيص اللازمة بهذا الأمر والذي طالما كان مرتبطاً بعصابات إجرايمة منظمة) تقتضي تنظيماً يضمن مناعة أعضائها وحصانتهم إلى أكبر قدر ممكن. إلا أن التدقيق في الإقتراح يكشف إستهتاراً في هذا المجال، على نحو قد يشرّع على العكس من ذلك تماماً، الأبواب أمام مخالفات كثيرة، تزيد من أزمة الفساد في لبنان.

ومن أهم الملاحظات في هذا الشأن، الآتية:

  • أولاً، أن الهيئة تخضع لوصاية وزارة الزراعة، فيما أنه لا يوجد أي رابط بينها وبين وزارة الصحة، رغم أن أحد أهداف الإقتراح الأساسية يكمن في الإستخدام الطبي لمنتوجات القنب،
  • ثانياً، أن إستقلالية الهيئة غير مصانة بنيوياً. وهذا الأمر يتجلى من خلال تركيبة الهيئة. فهي تتألف من سبعة أشخاص يعينون كلهم بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بناءً على إقتراح وزير الزراعة لمدة خمسة سنوات قابلة للتجديد أو التمديد(الهيئات المشابهة تقيد عموما من امكانية تجديد المدة)، من دون مباراة مسبقة. ولم يحدد الإقتراح أي مواصفات دقيقة للاختصاصات أو لتنوعها، ما يفتح مجالا واسعا لتعيين أشخاص على أساس المحسوبية. ما يزيد من هشاشة أعضاء الهيئة، هو سهولة إنهاء خدمة أي منهم في أي حين بقرار إداري (مرسوم) يتخذ بمجلس الوزراء دون أي سبب مشروع من دون الإشارة إلى أي تعويض ودون إعطائهم حتى إمكانية الدفاع عن النفس. ومؤدّى ذلك هو إمكانية إزالة أي عنصر مزعج قد لا يتماشى مع الإرادة أو الضغوط السياسية، مما يضعف حصانته. كما أن النصّ ذهب إلى حد إعطاء مجلس الوزراء امكانية إصدار أحكام تأديبية بعزل أعضاء الهيئة ورئيسها، في حال الإخلال الفادح في تطبيق القانون، وذلك بموجب مرسوم، من دون محاكمة.
  • ثالثاً، أن تمويل الهيئة يتم أولاً من رسوم التراخيص الممنوحة حسبما ورد في المادة 14 من الاقتراح. عدا عن أن هذا الأمر يخالف مبدأ شمولية موازنة الدولة (المادة 83 من الدستور)، فإنهذا الأمر يؤدي إلى ربط تمويل الهيئة ومواردها (بما فيها أجور أعضائها) بما تحصله من رسوم يسددها الأشخاص الذين تمنحهم التراخيص. بمعنى أنها تصبح ممولة من الأشخاص الذين يتعين عليها النظر في طلبات الترخيص المقدمة منهم، مع ما قد يترتب على ذلك من تضارب في المصالح.
  • رابعاً، أن تمويل الهيئة يتم من خلال المساعدات والهبات والوصايا والتبرعات من دون وضع أي شروط أو ضوابط لها. وهو أمر يتعزز في غياب المعايير المتصلة بتضارب المصالح، بحيث تكون الهبة بمثابة رشوة مقنعة، كلما كانت مرتبطة مباشرة أو غير مباشرة بمشروع لزراعة القنب.
  • خامساً، أن أعمال الهيئة غير شفافة. ففيما ينص الإقتراح على إنشاء سجل خاص لتسجيل الطلبات والتراخيص وكافة العمليات المرتبطة بها، يوجب بالمقابل الحفاظ على سرية المعلومات الخاصة بمستخدمي السجل دون تحديد ما المقصود بذلك، على نحو يتعارض تماماً مع حق الوصول إلى المعلومات.
  • سادساً، أن أعمال الهيئة يمكن أن تتسم بطابع غير ديمقراطي. فقد سمح إقتراح القانون لمجلس إدارة الهيئة أن يفوض بعض صلاحياته لأي من أعضائه، مما قد يؤدي عملياً إلى حصر الصلاحيات ببعض الأعضاء دون سواهم مع ما يستتبع هذا الأمر من إحتكار أو محاصصة في إتخاذ القرارات.

 

رابعاً: بعض الإشكاليات المتعلقة بالمستفيد من الترخيص:

يضع الإقتراح بعض الشروط لمنح رخصة زراعة القنب، منها ما يطرح علامات إستفهام حول كيفية ترجمتها عملياً تبعاً لنفاذه، في حال إقراره:

  • أن الإقتراح يفتح مجالاً واسعاً أمام الإستنسابية. فهو يشير إلى تحديد النظاق الجغرافي المسموح به زراعة القنب بقرار إداري يصدر عن مجلس الوزراء بناء على إقتراح وزير الزراعة والمسند بتوصية من الهيئة المشرفة من دون وضع أي معايير لتحديد هذا النطاق الجغرافي. كما أنه يعطي الهيئة هامشا واسعا في تحديد مدة الترخيص وحتى حجم الإنتاج المعتمد والعمليات المسموح بها والمساحات المشمولة به،مع ما يستتبع ذلك من تمييز محتمل.
  • أن الإقتراح يفرض ضمن شروط الأهلية للحصول على ترخيص أن لا يكون طالب الترخيص محكوما بجناية أو بتبييض أموال.

وهو أمر يبدو متعارضاً مع روحية القانون ومع السعي إلى تعزيز التنمية في المنطقة، كما أنه يتجاهل واقعة أساسية مفادها تورط العديد من الزارعين وأصحاب الأراضي في ملفات قضائية على خلفية تجريم زراعة القنب. وعليه، كان يقتضي هنا التنصيص على فترة انتقالية يتم تحديدها في موازاة إصدار قانون عفو عن الملاحقات المتصلة بزراعة القنب.

  • بالمقابل، يسمح الإقتراح لمن تم إعادة إعتباره الحصول على ترخيص الزرع، دون التمييز بين أنواع الجرائم التي قد يكوم محكوماً بها وحتى ولو كان حكم عليه بتبييض الأموال أو ترؤس عصابات مسلحة أو جرئم خطرة أخرى متعلقة بالفساد بشكل أو بآخر. فألا تشكل بعض الجرائم سبباً كافياً لحجب الترخيص عن هؤلاء بشكل نهائي؟
  • حدد الإقتراح سنّ رشد جديدة للزراعة. فعلى طالب الترخيص أن يكون قد أتم الخامسة والعشرين من العمر، دون أن يوجد أي مبرر قانوني لهذا الأمر.

 

خامساً- في الإشكاليات المتصلة بتحديد رسم الترخيص

يعطي الإقتراح صلاحية تحديد تعريفات ورسوم وبدلات تراخيص الزراعة للهيئة المشرفة، على ألا تصبح نافذة إلاّ بعد صدورها بمراسيم تتخذ في مجلس الوزراء بناءً على إقتراح وزير الزراعة ووزير المالية والوزير المختص عند الإقتضاء. وعليه، يكون الإقتراح قد أناط تلك الصلاحية للحكومة (السلطة التنفيذية) خلافاً لصلاحية مجلس النواب (السلطة التشريعية) الدستورية. فتحديد الرسوم هي من صلاحيات السلطة التشريعية حصراً، والتي في حال إرتأت تفويض الحكومة القيام بهذا الأمر، فلا يحصل ذلك إلا بناء على ضرورات معينة ولفترة محددة (مثلا: الاجازة للحكومة بتعديل رسوم الجمارك). أما أن تفوض السلطة التنفيذية بتحديد هذه الرسوم بشكل مطلق ومن دون أي ضوابط، فذلك يتعارض بشكل تام مع المادة 81 من الدستور.

 

خلاصة:

الاقتراح بصيغته الحاضرة يحتاج إلى إدخال تعديلات أساسية على العديد من مواده، أبرزها الآتية:

  • وضعه من ضمن رؤية شاملة لكيفية تعامل القانون مع انتاج وتسويق واستهلاك المواد المخدرة. وما يفرض هذا التوجه ثلاثة أمور: أولاً، الحرص على الطابع المتناسق للتشريع، ثانياً، وجود اقتراح قانون آخر أمام اللجان المشتركة وهو اقتراح يهدف لتعديل قانون المخدرات (1998)، وثالثاً، أنه يصعب التوفيق بين المواد والأهداف المقترحة مع قانون المخدرات المعمول به حالياً، مما سيؤدي إلى صعوبات جمة في تطبيقه في حال إقراره. ولعل أول الأسئلة الواجب طرحها هنا هو مدى جواز الإبقاء على تجريم مستهلكي القنب في ظل الاتجاه إلى تشريع زراعته ولو ضمن ضوابط ولأهداف طبية. كما من الأسئلة التي لا بد منها في هذا الإطار هو التفكير في مدى ملاءمة إصدار قانون عفو عام عن زراعة القنب.  
  • إعادة صياغته على نحو يضمن انسجامه مع المبادئ الدستورية والقانونية والتي أبرزنا مخالفتها أعلاه، وبخاصة بما يتصل بالمواد العقابية. ونركز في هذا السياق على وجوب التراجع عن التنصيص على عقوبة الإعدام في هذا الاقتراح وإعمال مبدأ الدقة في صياغة النصوص ومبدأ التناسب بين العقوبة وخطورة الجرم، 
  • إعادة صياغة المواد على نحو يضمن حصانة الهيئة المشرفة وأعضائها، بالنظر إلى خطورة المهام المناطة بها،
  • ضمان مبدأي المساواة وعدم التمييز بين المزارعين لجهة الاستفادة من أحكام هذا القانون.

 


[1]  القانون رقم 673 الصادر بتاريخ 16/03/1998 والمتعلق بالمخدرات والمؤثرات العقلية والسلائف.

[2]  تراجع إحصاءات مكتب مكافحة المخدرات المركزي الرسمية في هذا الإطار.

[3]  المادة 39 تعاقب بالأشغال الشاقة المؤبدة من زرع أو سوق القنب أو أي نبتة يستخرج منها المخدرات أو مواد أخرى تسبب التبعية البدنية أو العقلية بهدف الإستخدام الشخصي له أو لغيره "وتشدد العقوبة في حال كان الغير من القاصرين"