"مناطق الموت"، مفهوم نشأ عن الأعمال المشتركة بين "المفكرة" و"أشغال عامة" في إطار درس ممارسات التنظيم المدني في لبنان وشوائبه.

الواقعة التي استنبطنا منها هذا المفهوم تمثلت في قيام أبنية سكنية بمعدلات استثمار عالية في مدار معمل الذوق، أي في منطقة جغرافية يتوقع أن تكون فيها حياة سكانها وصحتهم، بفعل وجود المعمل، عرضة للخطر. كيف تم ذلك؟ بموجب ماذا؟ وما مسؤولية الدولة أو البلدية؟ بالطبع، لا محلّ للإستغراب: المهم هو إطلاع الناس على تفاصيل هذه المراسيم القديمة نسبيا وآثارها. فالتنظيم المدني للمناطق وتصنيفها والذي غالبا ما سهوا عنه أو تركوه للإدارة (تفعل فيه ما تشاء إرضاء لهذا المستثمر أو ذاك) ليس تنظيما بريئا. إنه تنظيم من شأنه أن يقتل: وعلى المواطنين أن يعرفوا ذلك، علهم ينتقلون من حال اللامبالاة إلى المواجهة دفاعا عن مدنهم وقراهم وحيواتهم.

وسرعان ما تطور هذا التساؤل: فمناطق الموت المتواجدة في لبنان لم تصبح كذلك بفعل سوء التنظيم المدني وحسب، إنما بعضها أصبح كذلك بفعل مكبات النفايات أو تلويث الأنهار العابرة فيها وأبرزها الليطاني الذي كان إعلان موته إحدى أبرز مآسي 2016. هذا من دون أن ننسى مخلفات حروب الأشقاء والأعداء من براميل سامة وألغام تنتشر على مساحات كبيرة من الوطن أو أيضا أسلاك الكهرباء التي تقتل في أزقة المخيمات الضيقة.

مُذْ فكرنا بهذا الأمر، تحولت "المفكرة" إلى خلية عمل لاستكشاف مناطق الموت، لوصفها، لنقل أوجاع سكانها وهواجسهم. وخلال الفترة القصيرة التي استغرقها البحث، لم يستطع فريقنا أن يرصد إلا عينة بسيطة منها. وإذ ننشر في هذا العدد بعض هذه النتائج، فإننا نعمل في موازاة ذلك على تحويل العديد من هذه الحالات إلى قضايا حقوقية وربما قضائية، تتمثل أساسا في حقوق الضحايا والأجيال القادمة بالحياة وبالبيئة. فهذه مناطق موت للأسباب كذا وكذا. وهؤلاء هم المسؤولون عنها، والأهم هؤلاء هم ضحاياها. فما هي الطرق المتاحة والأجدى لحماية سكانها أو إعادة إحيائها؟ من هذه الزاوية، هذا العدد ليس مجرد توثيق لأوضاع خطيرة، بل هو بداية مشروع طويل في قضية بالغة الصعوبة والدقة.  

وعليه، ما حدانا لتحرير هذا العدد، هدفان:  

الهدف الأول، أن نلفت نظر الرأي العام إلى خطورة ما وصلت إليه الأوضاع في عدد من المناطق، استنفارا لوعيهم وجهدهم لجبهها.

فحين ندرك مخاطر الموت في هذه المناطق، نعي أن حماية البيئة أو حسن التنظيم المدني فيها لم يعودا من الكماليات التي تحجبها المسائل المعيشية، بل هما باتا، أقله في بعض المناطق، من أكثر المسائل الحيوية إلحاحا.

فمناطق الموت لم تنشأ بفعل الطبيعة، إنما بفعل الإنسان وخلافا للطبيعة وضدّها. هذا ما يحصل مثلا عند إنشاء مناطق صناعية وسط أماكن مكتظة بالسكان أو العكس. وهذا ما يحصل حين ترمى سموم المصانع في الأنهار، فتقتلها لتحولها من ثم إلى أدوات قتل لكل من يعيش على ضفافها أو ينهل من مياهها أو يأكل مما سقي بها. وهذا ما نتوقعه عند إنشاء مكبات للنفايات من دون دراسة أو معالجة أو مراقبة، على طول لبنان وعرضه، فتسمم هواء كل من يعيش في مدارها تمهيدا لتهجيره أو قتله.

وبالطبع، ما يزيد من الحاجة إلى استنفار المواطنين في هذا الخصوص، هو أن مناطق الموت ليست قدرا محتوما، بل بالإمكان إعادة الحياة إليها في حال توحّدت إراداتهم على حمايتها. فإذا كان الصمت واللامبالاة جائزين في ظروف معينة، فهل يعقل استمرارهما في ظل هذه الظروف القاتلة؟  

الهدف الثاني، أن وجود هذه المناطق وتوسعها يشكل من دون ريب المؤشر الأكثر بلاغة على فساد مؤسسات الحكم في لبنان.

فأن تنشأ مناطق موت عدة في لبنان، يعني أن أخطاء الحكم لم تعد محصورة بالارتجال أو سوء الإدارة أو التقدير في ملف معين، ولا حتى بممارسات تهدف إلى وضع اليد على جزء من موارد الدولة، بل وصلت حدّ مستوى القتل الجماعي.

وما يزيد من خطورة هذا القتل، هو أن التدقيق في كيفية تحول هذه المناطق إلى مناطق موت، يظهر أنها ليست نتاج حدث يمكن تجاوزه أو إهمال يمكن التحسب له مستقبلا، أو أنها نشأت بفعل عوامل معزولة، بل أنها نشأت بفعل نظام متماسك يعد في حال استمراره، بامتداد هذه المناطق إلى ما لا نهاية.

فأليس طبيعيا أن يتلوّث التراب والهواء والماء في بلد تهيمن فيه الحصانات واعتبارات المحسوبية والزبونية والمجاملة، وتضعف فيه يوما بعد يوم مؤسسات المراقبة والمحاسبة وفي مقدمتها القضاء الذي يفترض أن يكون مستقلا وفاعلا؟ بل أليس طبيعيا أن تزيد الحصانة هيمنة والمحاسبة ضعفا، كلما ضعف الوعي العام بأهمية القيمة المستباحة التي هي "البيئة"، أو بالآثار المدمرة التي تنتج عن هذه الاستباحة، وبالأخص كلما خضع الوعي العام لأفيونات الشعبوية والعصبية والتجزئة وما إلى ذلك من مؤثرات أو هواجس متصلة بالهوية.

فمناطق الموت تصبح من زاوية النظام الحاكم، ليس فقط عوارض نموّ اقتصادي يهدف إلى جذب الإستثمارات وخلق فرص عمل جديدة على حساب البيئة، إنما عملا سياسيا مؤداه تمكين الأزلام والأتباع والزبائن بالقيام بكل ما يرغبون به، مهما كان ضارا، من دون عقاب أو ملاحقة، حفاظا على ولائهم (وأصواتهم).

من هذا المنطلق، تصبح مناطق الموت علامة استفهام كبرى في مواجهة الأحزاب الحاكمة، ونظام الفوضى والفساد والإفلات من العقاب. فإلى السؤال الاعتيادي الأبرز: من أين لك هذا؟ وهو السؤال الذي يطرح في مواجهة ممارسات الفساد والتطهير، يخرج عن مناطق الموت سؤال إضافي: "باسم أي نظام، باسم أي سلطة، تستبيحون حيوات الأبرياء؟"

 

  • نشرت هذه المقالة في العدد 55 من مجلة المفكرة القانونية، للاطلاع على العدد انقر/ي هنا: مناطق الموت في لبنان