في منتصف تشرين الثاني 2017، نظمت "المفكرة" أسبوعا دراسيا إقليميا عن "الإعلام والقضاء". خلال هذا الأسبوع، تمت مناقشة أسباب التأزم بين القضاء والإعلام وسبل معالجتها بهدف تطوير امكانات التواصل والتعاون بينهما. وفي اليوم الرابع منها (16 تشرين الثاني)، انفجرت أزمة جديدة في برنامج كلام الناس، انتقد فيها مقدّمه الإعلامي مارسيل غانم إجراءات ملاحقته الحاصلة بناء على طلب من وزير العدل سليم جريصاتي، الذي ذهب إلى حدّ وصف البرنامج بالعهر الإعلامي الذي لا مكان له في العهد الجديد. وفيما بدت تصريحات غانم الأولى مشوبة بشيء من الاستعلاء وكثير من الشخصنة، فإنه أكّد في تصريحاته اللاحقة أنه يضع نفسه تحت القضاء والقانون، متسائلا عن جدوى الذهاب إليه إذا كانت نتائج التحقيقات معروفة مسبقا. وقد أدى فيما بعد إصدار مذكرة إحضار بحقه إلى مزيد من التأزم بحيث اعتبرها رئيس محطة LBC الإعلامي بيار الضاهر استهدافا للمحطة ولحرية التعبير في لبنان. وما أن هدأت الأزمة الأولى، حتى نشبت أزمة ثانية، مع مباشرة ملاحقة الإعلامي هشام حداد، وهو مقدم البرنامج الساخر: "لهون وبس"، على خلفية مشاهد فكاهية تناولت ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ورئيس الحكومة سعد الحريري والمسؤول الحزبي أحمد الحريري (كانون الثاني 2018). ويُشار إلى أنّ هذه الملاحقة حصلت بناء على أمر من النائب العام التمييزيّ سمير حمود خلافا لقانون المطبوعات، وتحديدا المادة 23 من قانون المطبوعات التي تشترط لتحريك الدعوى العامة في هذه الحالات ادّعاء المتضرر نفسه (وهو أمر لم يحصل). وفيما سخر مقدّم البرنامج من ملاحقة مشاهد ساخرة في موازاة التغاضي عن كمّ كبير من الجرائم الخطيرة (النفايات وتحرّكات شغب وقطع طرقات تعبيرا عن غضب أحد الزعماء)، طالعه مجلس القضاء الأعلى ببيان توعّد فيه كلّ من يمس بهيبة القضاء (1 شباط 2018)، معتبراً أن الذود عن هذه الهيبة يسمو على أي اعتبار. وهو أمر ينبئ بمزيد من التأزم، بحيث يعيد إدخال هذه العلاقة في جدلية عقيمة بين هيبة القضاء وحرية الإعلام.

وفي موازاة ذلك، تفاعلت تسريبات التحقيقات الأولية في قضية زياد عيتاني على نحو أظهر خللا في بعض وسائل الإعلام في تعاطيها مع الشؤون القضائية، خللا يذكر بالأخطاء التي كانت هذه الوسائل ارتكبتها في تغطية قضايا سابقة كقضية ادعاء فتاة في طرابلس في صيف 2016 باغتصابها. انطلاقا من هذه الأحداث، كان لا بد من التوقف مجددا حول أسباب هذه الأزمات المتكررة ونتائجها السلبية والأهم، حول الطرق المؤسساتية المعتمدة لتجاوزها أو الحدّ من امكانية تفاقمها أو تكرارها. هذا ما نحاول في هذا المقال استجلاءه.

 

القضاء، "الهيبة" كأداة لفرض صورة مشوهة للواقع

من زاوية القضاء، قد يكون العيب الأكبر في هذا المضمار هو التمسّك بادّعاء الهيبة في مواجهة الانتقادات الموجهة إليه. وهذا ما تمثّل مؤخرا بشكل خاص في البيان الصادر عن المكتب الإعلامي لمجلس القضاء الأعلى في 1 شباط 2018 والذي أعلن فيه أن الذود عن هيبة القضاء تسمو على أي اعتبار آخر، وكأنه بذلك يرفض مسبقا التذرّع بأيّ مصلحة اجتماعية لتبرير الخروج عنها. والاشكالية الناجمة عن هذا التوجّه تتصل بمدى ملاءمة إشهار هيبة القضاء في زمن أصبح فيه واضحاً لأي مراقب موضوعيّ أنه قد فقد الكثير من ضمانات استقلاله وأن منعته إزاء تدخل القوى النافذة تشهد إضعافا مطّردا. ففي هذه الحالة، يصبح ادّعاء الهيبة لمنع التعرض للقضايا القضائية حاجزا أمام تنبيه الرأي العام لحجم التدخلات الحاصلة في أعماله وتأثيراتها السلبية. فكأنما نستند إلى موروث "الهيبة" لفرض صورة مشوهة للقضاء، صورة مخالفة لواقعه: صورة متخيّلة مخالفة لجميع المعلومات والقرائن المحيطة بنا، صورة تطمس كل أشكال التدخل في أعماله، كلّ العلاقات المشبوهة التي بات يقيمها عشرات القضاة مع قوى سياسية نافذة، صورة منتهاها أن الاعتداء على القضاء يحصل ليس من قبل الجهات التي تفرض عليه بالترهيب والترغيب وجهة قراراته، إنما من قبل الإعلام الذي يتجرأ على انتقاد تلك القرارات. وعليه، يظهر مجلس القضاء الأعلى وكأنه اختار أن يخوض معاركه ليس من أجل إصلاح عيوب القضاء التي باتت فاقعة، بل أولا من خلال تجميله. وبذلك، وبدل أن يعلن أن الذود عن استقلال القضاء فوق كل اعتبار، تراه يعلن أن الذود عن الهيبة (أي عن مراهم التجميل) هو كذلك. ومؤدى ذلك هو قلب سياسات إصلاح القضاء والتحالفات المطلوبة لتحقيقها: فبدل البحث عن تمكين المواطنين والإعلام من المساهمة في تعزيز ضمانات استقلال القضاء إزاء تدخلات القوى السياسية المهيمنة، تصبح الأولوية هي الذود عن هيبته وكرامته وعمليا عن هيبة القوى المتدخلة في أعماله، بوجه وسائل الإعلام.

وانطلاقا مما تقدم، يصبح مرجحا أن يتحول أي نقاش عام حول قضية قضائية إلى مشروع أزمة جديدة بين القضاء والإعلام. ففيما لا يتبيّن القيمون على القضاء أي فائدة للإعلام في دعم استقلاله أو إصلاح شؤونه، يرون فيه بالمقابل تهديدا دائما من شأنه أن يكشف ما يُراد له أن يبقى مستورا وإن بات شائعا ومنتشرا. ومن هنا، يمسي محتّماً العودة المتجددة لخطاب الهيبة، بلباس عقابي لا يخلو من لغة الوعيد. وهذا ما تمثل في إعلان مسودة مشروع قانون المس بهيبة القضاء في 1998 والذي عاد وبرز في 2009 ردا على برنامج الفساد في محطة الجديد، ليعود ويبرز مجددا في بيان مجلس القضاء الأخير والذي أعلن فيه أنه لن يتغاضى عن أي مس بهيبة القضاء، أيا كانت الجهة المعنية فيه.

وما يعزز هذا الاعتقاد هو أن مجلس القضاء الأعلى يشهر هيبة القضاء في مواجهة الإعلاميين والناشطين المستقلين، فيما يبقى مقلا حين يصدر التعرض له عن القوى السياسية النافذة. فمثلا، لزم المجلس صمتا بليغا حين أقرّ رئيس الوزراء سعد الحريري في مقابلته الشهيرة في مقر إقامته في السعودية مع بولا يعقوبيان أن السلطة الحاكمة تتدخل في القضاء في لبنان، أو حين أقرّ رئيس المجلس النيابي نبيه بري أن الضعيف وحده يلجأ إلى القضاء. وبدل أن يتخذ مجلس القضاء الأعلى موقفا صارما إزاء التدخلات الواسعة في صناعة التشكيلات القضائية، والتي انبنت في غالبها على ثلاث لوائح وضعتها الأحزاب الطائفية الكبرى، اختار أن يدعو القضاة بالاحتفاء بها بأبرز حلة لهم كأنهم "أطفال العيد". وقد جاء وزير العدل ليكلل هذا الاحتفاء بعبارة بليغة وجهها لرئيس الجمهورية ميشال عون جاء فيها (هؤلاء هم قضاتك، فافخر بهم).

أخيرا، ولفهم أفضل لبيان مجلس القضاء الأعلى، تجدر الإحالة إلى أعمال القاضي والمفكر الفرنسي دنيس سالاس Denis Salas، الذي يوضح في سياق عرضه للتجربة الفرنسية، أن البيانات الصادرة عن القضاء في القضايا الإشكالية لم تلقَ اعتبارها في فرنسا إلا بعدما تحرر من تبعيته للسلطة السياسية، ليخلص إلى القول بأن مصداقية القضاء ترتبط بمستوى الاستقلالية التي يكون قد اكتسبها. ومن هذه الزاوية، يتبدى تحسين تواصل مجلس القضاء الأعلى مع وسائل الإعلام مشروطا باعتماد توجهات معاكسة تماما لما ذهب بيانه الأخير إليه. فبانتظار استعادة استقلاله وهالاته المفقودة، قد يكون التواضع والتحاور المنطقي هو الوصفة الأكثر ملاءمة لبناء هذا التواصل وتطويره. أما أن يواصل المجلس اعتماده على لغة الهيبة والإستعلاء والإستقواء ولغة "يجب لأنه يجب"، فمؤداه تعميق اللاثقة والخصومة ومع ما يستتبعهما من ... تحارب عقيم ومتكرّر.      

 

أبعد من حرية الإعلام، أي حديث عن مخاطر استتباع القضاء؟

ولكن، ماذا من زاوية الإعلام؟ ماذا عن أدائه في مقاربة الشؤون القضائية والطرق المتاحة أمامه لإطلاق دينامية إيجابية في هذا الإطار؟ أول ما نلحظه هنا هو أنه غالبا ما يعمد الإعلاميون موضوع الملاحقة إلى تصويرها على أنها تستهدفهم بشكل خاصّ لإسكاتهم، في مواقف لا تخلو في الكثير من الأحيان بكمّ فائض من النرجسية. وفيما تبرز توجهات عدة لتحويل القضايا الخاصة التي تطال هؤلاء بالمفرق إلى قضية عامّة تتصل باستهداف حرية التعبير، تقلّ بالمقابل المساعي لمقاربتها على أنها تتصل بقضية عامة أكبر، قضية التدخل في القضاء والتي هي تطال شرائح اجتماعية كثيرة وحقوقا وحريات أساسية لا تقل خطورة عن حرية التعبيرـ وحتّى حين يتم الحديث عن التدخّل في القضاء كما حصل في قضية مارسيل غانم مثلا، فإنه يقتصر عموما على التشكي من تصرف قضائي معيّن، من دون أن يرافقها أيّ نقاش موضوعي حول ضمانات استقلال القضاء والبيئة المهنية للقضاة وتحديدا العوامل القانونية والواقعية التي من شأنها تعزيز امكانات التدخل في القضاء أو إضعاف مناعته في قضايا مماثلة وفي سواها من القضايا الاجتماعية. وعليه، تظهر الأمور في كل مرة وكأنما نتبيّن فجأة أن بإمكان بعض القضاة أن ينصاعوا لطلبات وزير العدل أو غيره من القوى السياسية، أن يخيّبوا الانتظارات المشروعة للمواطنين، أن بإمكانهم أن يفسروا القوانين أو حتى الوقائع على نحو يجافي الحسّ السليم، أن بإمكانهم أن يقيسوا الأمور بموازين مختلفة، أن بإمكانهم أن لا يكونوا مستقلين أو محايدين كما يفترض بهم أن يكونوا، من دون أن نتبين العوامل القانونية والمهنية والثقافية التي تجعل توجهات كهذه ممكنة. ومن أبرز هذه العوامل من دون ريب مدى سواد ثقافة التدخل في القضاء وتجذرها في ظل اضمحلال ثقافة استقلاله. وعليه، تتجه المواقف الإعلامية في هذا المضمار عموما إلى التعبير عن كثير من الاستهجان إزاء العمل القضائي، من دون أن يستتبعه أي مراجعة موضوعية لمسؤولية الإعلام في جعل القضاء وثقافة التدخل في أعماله على ما هما عليه، والأهم لمسؤولية الإعلام في إصلاحه.

وانطلاقا من ذلك، يصبح مألوفا أن تأخذ بعض هذه القضايا طابع المبارزة بين إعلامي بعينه وقاضٍ بعينه، بشكل تبسيطي يغفل كمّاً من العوامل الأخرى المؤثرة في الملاحقة. وقد تتطور هذه المبارزة لتتحول إلى مبارزة بين مهنتين: المهن الإعلامية التي غالبا ما تتحرك من خلال برامج ومقالات واعتصامات تضامنية، مقابل القضاء الذي يستخدم الملاحقات من جهة والبيانات الحربية (ذات الطابع القمعي) التي تصدر من فينة إلى أخرى عن مجلسه. وقد ينضم عدد من الوزراء إلى هذا الجانب أو ذاك، وفق المصالح التي تحركهم: فمثلا، رأينا وزيري الإعلام والتربية يقفان إلى جانب غانم لحضور جلسة استجوابه في 4/1/2018، فيما كان وزير العدل يصدر بيانا ضد العهر الإعلامي الذي يمثله هذا الأخير وفق رأيه. وفيما انتهت زيارة غانم وضاهر لرئيس المجلس النيابي نبيه بري بتاريخ 23/12/2017 إلى الإشادة بمواقف هذا الأخير والتعبير عن الإمتنان العميق له، ذكر رئيس الجمهورية ميشال عون من باب التقليل من شأن اعتراضات الإعلاميين أنه لا يوجد أي صحفي في السجون اللبنانية. ولا نخفي أن من شأن هذه المبارزات أن تؤدي أحيانا إلى عرض عضلات بين ما يتمتع به كل من الإعلام والقضاء من شبكات دعم ونفوذ ومصالح، قد يؤدي تظهيرها أحيانا إلى إضعاف كلا منهما. فأي مصلحة للإعلام في التزلف لأشخاص هم من أبرز المتدخلين في القضاء في معركة تتمحور حول رفض التدخّل في القضاء؟ وأي مصلحة للقضاء في كتاب وزير يتنبأ بنتائج الملاحقة القضائية المقامة بناء على طلبه ويضعها في إطار جهود العهد في تطهير الإعلام؟   

 

خلاصة

تبعا لما تقدم، لا نبالغ إذا قلنا أن الصراع الحاصل بين الإعلام والقضاء غالبا ما يتحول إلى صراع بين نرجسيتين مهنيتين كلاهما تدعي قدسية معينة، قدسية تحجب الكثير من المصالح الاجتماعية والمسؤوليات لتحقيقها، والأهم قدسية يصعب معها التوصل إلى مقاربة موضوعية للأمور وتاليا إلى نقاط التقاء تسمح بتخفيف التأزم المتكرر بينهما:

فمن جهة أولى، نرجسية القضاء المتمثلة بهالات هيبة القضاء والتي يسمو الذود عنها على أيّ اعتبار آخر. ومؤدّى ذلك هو فرض تصورات متخيلة يحبس القضاء نفسه فيها على نحو يمنعه من مصارحة الرأي العام بشأن واقع معاناته والتفاعل الإيجابي معه بهدف تغيير هذا الواقع. وبالطبع، من شأن هذه الأمور أن تكون مختلفة في حال قرّر مجلس القضاء الأعلى التخلي عن أسلوب التعالي وفرض الهيبة لصالح أسلوب التواضع والمكاشفة والتحاور المنطقي.     

ومن جهة ثانية، نرجسية الإعلاميين المتمثلة بهالات الحرية والتي تعطى مكانة سامية بالنسبة إلى سائر الحقوق والحريات والمصالح الاجتماعية، علما أن هذه النرجسية قد تترافق في الكثير من الأحيان مع مزايدات تصل إلى اعتبار حرية التعبير مطلقة فضلا عن اعتبارها هي الأخرى غاية بحد ذاتها، بمعزل عن وظائفها الاجتماعية. ومؤدى ذلك هو سواد رؤية مغشية لحدود هذه الحرية ومسؤوليتها، وضمنا مسؤوليتها في الذود عن استقلال القضاء. وبالطبع، من شأن هذه الأمور أن تكون مختلفة جداً في حال نجحت وسائل الإعلام في إجراء مراجعة ذاتيّة تقودها إلى استكشاف العوامل المسهّلة لاستتباع القضاء، وتاليا إلى إعادة طرح قضاياها القضائية في إطارها الصحيح، والأهم إلى أداء مسؤوليتها الرئيسة في فضح التدخل في القضاء والذود عن استقلاله.  

نشر في العدد 53 من مجلة المفكرة القانونية، للاطلاع على العدد انقر/ي هنا http://bit.ly/2EleXWj

للاطلاع على النخة الانجليزية، انقر/ي هنا

 محاضرة ألقاها في الأسبوع الدراسي حول الإعلام والقضاء في جبيل بتاريخ 14/11/2017.