يقوم البرلمان المصري حالياً بمناقشة التعديلات المقترحة على قانون الاجراءات الجنائية كما أشرنا في مقال سابق. ومن أبرز ما يتم مناقشته حالياً هي تعديلات المواد الخاصة بتفتيش المنازل والمشتبه بهم والتنصت على الهواتف المحمولة ووسائل التواصل الاجتماعي مما يمس بصورة مباشرة بحرمة الحياة الخاصة للمواطنين. ونص الدستور المصري صراحة على حرمة الحياة الخاصة والمنازل والحق فى الحياة الآمنة في المواد 57 و58 و59[1]؛ إلا أن المواد الجاري مناقشتها لم تحترم هذه المبادئ الدستورية، كما سنوضح. والجدير بالذكر أنه خلال السنوات السابقة حاولت السلطة التنفيذية مرارا فرض رقابة على الهواتف المحمولة ومواقع التواصل الاجتماعي ومراقبة المواطنين في الشوارع. فعلى سبيل المثال، قامت وزارة الداخلية في عام 2014 بالإعلان عن نيتها مراقبة جميع مواقع التواصل الاجتماعي من خلال إنشاء نظام رصد المخاطر الأمنية لتلك الشبكات. كما قدم أعضاء من مجلس النواب مشاريع قوانين، في وقت سابق، لتقنين مواقع التواصل الاجتماعي تضمنت استخراج ترخيص لاستخدام هذه المواقع تحت طائلة العقاب الذي قد يصل إلى الحبس[2]. بالإضافة إلى تقدم الحكومة بمشروع قانون لتركيب كاميرات مراقبة في كل الأماكن العامة للتسجيل بحجة مكافحة أية أعمال إرهابية[3]. وتعكس هذه المشاريع اتجاه الحكومة لفرض رقابة على حركات المواطنين وتصرفاتهم، ومحاولة تقنين ذلك بشتى الطرق. وتأتي التعديلات التي تُناقش حالياً في نفس الإطار لتعطي عناصر السلطة العامة صلاحيات واسعة في التفتيش، كما تعطي غطاء قانونيا لما تنتهجه السلطة التنفيذية من ممارسات تنتهك الدستور. ولا يمكن إنكار أن المقترح تضمن بعض الإيجابيات، على رأسها النص على أن للمنازل حرمة لا يجوز دخولها ولا تفتيشها ولا مراقبتها أو التصنت عليها إلا بأمر قضائي[4]. كما تضمن نصاً صريحاً بعدم جواز تفتيش المتهم إلا بعد الحصول على أمر مسبب من النيابة العامة فى غير حالات التلبس[5]. وهو ما لا يتضمنه القانون الساري حالياً. وبما أن قاضي التحقيق هو المسؤول عن إجراء التحقيق، وفقاً للقانون الحالي، فإن له سلطة تفتيش غير المتهم[6]. ولكن بموجب التعديل، أصبحت النيابة العامة هي المختصة بإجراء التحقيق؛ وقيد سلطاتها في التفتيش على المتهم فقط دون غيره إلا  بعد الحصول على أمر مسبب من القاضي الجزئي بعد إطلاعه على الأوراق[7]. ولكن هذه النصوص الإيجابية لا تكفي لحماية الحقوق الشخصية في ظل حزمة من النصوص التي تنتهك هذه الحقوق كما سنوضح.

 

من يحدد "حالة الخطر" لدخول المنازل؟

ارتكبت وزارة الداخلية بقطاعتها المختلفة على مدار السبع سنوات الماضية آلاف الانتهاكات دون سند قانوني من اقتحام منازل وتفتيشها في غير حالات التلبس وتكسير محتويات المنازل بهدف الحصول على أدلة. وكما أشرنا في مقال سابق؛ فإن التعديل الحالي وسع من سلطات مأموري الضبط القضائي في ما يخص القبض على المتهمين واحتجازهم، كما أعطى هذه الصفة لأفراد الأمن الوطني؛ مما يستدعي مراجعة صلاحياتهم المتعلقة بالتفتيش والمراقبة.

فجاءت المادة 45 تنص على أنه: "لا يجوز لأفراد السلطة العامة الدخول في أي محل مسكون إلا فى الأحوال المبينة في القانون، أو في حالة طلب المساعدة من الداخل أو في حالة الخطر". والجدير بالذكر أن الاقتراح الأولي للمادة كان يتضمن "في حالة الضرورة" كذلك، إلا أن قسم التشريع بمجلس الدولة أوصى بحذف هذه العبارة حيث لا يمكن ضبط مداها القانوني لكونها جامعة لمجمل حالات الضرورة، وقد تكون مخالفة لنص المادة 58 من الدستور. ونشير إلى أن عبارة "في حالة الخطر" المستخدمة جاءت مطاطة المعنى وغير محددة طبيعة الخطر القائم ومن يقدره، وكان الأجدر على المُقترح أن يبقي النص على ما هو عليه حيث أن التعبير الحالي "في حالة الحريق أو الغرق أو ما شابه ذلك" أدق؛ ويسمح بالقياس على ما هو مذكور؛ ولكن العبارة المقترحة تعطي سلطة أوسع لعناصر السلطة العامة لتقدير حالة الخطر وفقاً لأهوائهم دون أية محاسبة.

 

هل تمثل النيابة العامة ضمانة حقيقية لحقوق المتهم؟

في ظل أداء منحاز من النيابة العامة إلى جانب السلطة التنفيذية؛ جاءت التعديلات لتقر لها سلطات واسعة في التفتيش والمراقبة. فحسب المادة 81 من التعديل المقترح، فإن عضو النيابة العامة، يستطيع أن يأمر بمراقبة "مواقع التواصل الاجتماعي والبريد الإلكتروني والرسائل النصية أو المصورة على الهاتف الخلوي وضبط الوسائط الحاوية لها"؛ واضعاً حدا أقصى هو 30 يوماً لهذا الاجراء[8]. ولم يحدد المُقترح إذا كانت هذه المراقبة تسري على المشتبه به فقط أم كذلك على أشخاص قريبين منه مثل أسرته وأصدقائه؛ مما يتيح مراقبة حسابات عدد كبير من الناس دون حاجة حقيقية لذلك في بعض الأحيان. كما أن المادة تأتي لتقنن ممارسات النيابة العامة، غير القانونية، بالتفتيش في الهواتف المحمولة للمتهمين في القضايا السياسية بشكل خاص. ولكن المُقترح اشترط بالفقرة الأخيرة من النص حصول عضو النيابة على أمر مسبب من القاضي الجزئي[9] قبل اتخاذ أي من هذه الاجراءات. وهو الأمر الذي قد يُعد ضمانة. إلا أن الصياغة المستخدمة تجعلنا حائرين بصدد هذا النص؛ وهو ما سلط الضوء عليه قسم التشريع بمجلس الدولة في ملاحظاته. فأشار القسم إلى أن المادة كما هي تعطي النيابة العامة السُلطة المشار إليها ثم تسلبها منها؛ مما يُعتبر تناقضاً يعيب النص. وأوصى بناءً على ذلك أن يتم تعديل النص ليكون للقاضي الجزئي حق تجديد الأمر لمدد أخرى؛ أو أن يتم تقييد سلطة النيابة العامة بإذن القاضي الجزئي من البداية. ولكن لم تستجب الحكومة لملاحظات المجلس في هذا الخصوص وأبقت على النص كما هو في النسخة التي تناقش حالياً. بالإضافة إلى ما سبق، قيدت المادة 82 من المقترح سلطة النيابة العامة في مراقبة الوسيلة المستخدمة في ارتكاب جرائم السب والقذف وإزعاج الغير[10] كجهاز التليفون أو الموقع الإكتروني[11]. فنصت المادة على صدور الأمر من القاضي الجزئي بناءً على طلب النيابة العامة وحددت مدة هذا الإجراء ب30 يوماً قابلة للتجديد. ويبدو التعديل للوهلة الأولى في الاتجاه الصحيح خاصة بتحديد مدة المراقبة التي لم تحدد في المادة 95 مكرر من القانون الحالي. إلا أن النص على تجديد هذا الإجراء لمدد مماثلة دون وضع حد أقصى يعصف بأية ضمانة لحماية خصوصيات المواطنين، خاصة وأن جريمة إزعاج الغير باستخدام الهواتف أو جرائم السب والقذف باستخدام أي من الطرق المنصوص عليها في المادة لا تتطلب لإثباتها مدة طويلة لترك مدة المراقبة مفتوحة للقاضي الجزئي لتقديرها. وبالتالي تفتح المادة الباب للتعسف في استخدامها دون مبرر؛ مما ينتهك المادة 57 من الدستور.

على الجانب الآخر، وفي تقييد لسلطة مأمور الضبط القضائي في التفتيش، نصت المادة 49 من المقترح على أنه في حال تفتيش منزل المتهم ووجود قرائن قوية ضد المتهم أو شخص آخر متواجد في منزله بإخفاء شيئا قد يفيد في كشف الحقيقة، يجب عليه أن يأخذ الاجراءات التحفظية المناسبة ويطلب من النيابة العامة إصدار أمر بالقبض عليه وتفتيشه[12]. ويُعد ذلك تقييدا لسلطة مأمور الضبط القضائي في التفتيش حيث تنص المادة 49 حالياً على قيام مأمور الضبط القضائي بالتفتيش، في الحالة المذكورة، دون الحصول على أي اذن من النيابة العامة. وهو التعديل الذي يمكن اعتباره جيداً في الأحوال العادية؛ إلا أن أداء النيابة العامة في السنوات الأخيرة، وإصدارها قرارات لإرضاء أفراد وزارة الداخلية، يجعلنا نتخوف من ألا يحقق هذا النص المرجو منه، ولا يغير شيئاً على أرض الواقع. بالإضافة إلى ذلك أشار قسم التشريع بمجلس الدولة إلى أن استخدام عبارة "الاجراءات التحفظية المناسبة" لا يمثل أية ضمانة حيث أن هذه العبارة اختلف الفقهاء في تفسيرها ولا يوجد تعريف دقيق لها. فبعض الفقهاء حددها بأنها متروكة لتقدير مأمور الضبط ولكن لا تصل إلى القبض على المتهم، والبعض الآخر يعتقد أنها تشتمل على كافة الاجراءات اللازمة بما في ذلك الاحتجاز أو الاستيقاف لبعض الوقت. وبناء عليه، اقترح مجلس الدولة للموازنة بين نص المادة 54 من الدستور التي تكفل الحرية الشخصية، والمادة 59 التي تكفل الأمن العام واتخاذ الدولة الاجراءات اللازمة لتحقيق ذلك أن يتم تحديد الاجراءات المُشار اليها في المادة حصراً وبيان أحوالها ومداها الزمني. وهو الأمر الذي لم يستجب له المُقترح الحالي مما يجعلنا نتخوف من التوسع في منح مأموري الضبط القضائي سلطات واسعة، بطريقة مباشرة تارة وطريقة غير مباشرة استغلالاً لمطاطية العبارات المستخدمة تارة أخرى.  

 

الخاتمة

جاءت التعديلات المقترحة على قانون الإجراءات الجنائية لتفتح الباب لمزيد من الانتهاك للخصوصية سواء بالمراقبة والتصنت على المواطنين أو دخول المنازل عنوة بدافع محاربة الإرهاب. فالإيجابيات الضئيلة التي تم ذكرها ليس لها قيمة قانونية في ظل انتهاكات عناصر الشرطة بالإضافة إلى فرض حالة الطوارئ التي تمكن السلطة التنفيذية من وضع قيود على حرية الأشخاص في الاجتماع والانتقال والقبض والتفتيش دون التقيد بأحكام قانون الاجراءات الجنائية. بالإضافة إلى ذلك نجد أن التعديلات المقترحة نسخت العديد من نصوص قانون مكافحة الأرهاب والكيانات الارهابية فيما يخص مراقبة الاتصالات والمراسلات البريدية للمواطنين. وهو الأمر الذي يكشف الاتجاه نحو مزيد الانتهاكات خلال الفترة القادمة. ويمكن لنا أن نفهم تغليظ العقوبات والاجراءات في النصوص الخاصة بمكافحة الإرهاب والتي من المفترض أن تطبق على إرهابيين يهددون أمن البلد؛ ولكن لا يمكن أن نستوعب اتخاذ نفس الاجراءات في القضايا الجنائية والتي يمكنها أن تهدد تمتع المواطنين بحقوقهم وحرياتهم الشخصية التى ينص عليها الدستور والاتفاقيات الدولية الموقعة عليها مصر.

 

للاطلاع على المقالات الأخرى حول تعديل قانون الاجراءات الجنائية:

مشروع تعديل قانون الإجراءات الجنائية: لمن ينحاز المشرع المصري؟ 

مقترح تعديل قانون الإجراءات الجنائية: عندما تصبح علانية المحاكمة الاستثناء

حق الطعن في مقترح تعديل الاجراءات الجنائية المصري: بين تعزيزه في الجنايات وانتهاكه في الجنح

توسيع سلطات القبض والاحتجاز في تعديل الاجراءات الجنائية: العصف بالحرية الشخصية للمصريين

تنظيم المنع من السفر في مقترح تعديل قانون الاجراءات الجنائية: هل يضع حدا للتعسف في استخدامه؟

 

[1] تنص المادة 57 من الدستور المصري على أن (للحياة الخاصة حرمة، وهى مصونة لا تمس. وللمراسلات البريدية و البرقية والإلكترونية، والمحادثات الهاتفية، وغيرها من وسائل الاتصال حرمة، وسريتها مكفولة ولا تجوز مصادرتها أو الأطلاع عليها، أو رقابتها إلا بأمر قضائي مسبب، ولمده محددة..) كما تنص المادة 58 على (للمنازل حرمة، وفيما عدا حالات الخطر، أو الاستغاثة لا يجوز دخولها، ولا تفتيشها، ولا مراقبتها أو التنصت عليها

[2] راجع "10 معلومات عن قوانين الفيس بوك أمام البرلمان أهمها الدخول بالرقم القومي"، نُشر على موقع اليوم السابع، بتاريخ 26-11-2017.

[3] راجع "تشريعية النواب تناقش مشروع قانون تنظيم تركيب كاميرات المراقبة"، نُشر على موقع الوطن، بتاريخ 20-11-2017.

[4] تنص المادة 48 من المقترح على انه (للمنازل حرمة لا يجوز دخولها ولا تفتيشها ولا مراقبتها أو التصنت عليها، إلا بأمر قضائي مسبب يحدد المكان والتوقيت والغرض منه، ويجب تنبيه من فى المنزل عند دخوله.....)

[5] تنص المادة79 من المقترح على ( فى غير حالات التلبس بالجريمة لا يجوز تفتيش المتهم إلا بناءاً على أمر مسبب تصدره النيابة العامة).

[6] تنص المادة 94 من قانون الاجراءات الجنائية على ( لقاضي التحقيق أن يفتش المتهم وله أن يفتش غير المتهم..)

[7] تنص المادة 80 من المقترح (لا يجوز للنيابة العامة تفتيش غير المتهم أو مسكنه..... ويشترط لاتخاذ هذا الإجراء الحصول مقدماً على أمر مسبب من القاضي الجزئي ...)

[8] تنص المادة 81 من المقترح على (لعضو النيابة العامة أن يصدر أمراً بضبط جميع الخطابات والرسائل....وأن يأمر بمراقبة الاتصالات السلكية واللاسلكية، وحسابات مواقع التواصل الأجتماعي المختلفة، والبريد الالكتروني، والرسائل النصية أو المصورة على الهاتف الخلوي، وضبط الوسائط الحاوية لها....)

[9]  هو قاضي المحكمة الجزئية أي قاضي أول درجة.

[10] منصوص عليها في المواد رقم 166 و308 من قانون العقوبات رقم 58 لسنة 1937.

[11] تنص المادة 82 من المقترح على (للقاضي الجزئي بناءاً على طلب النيابة العامة في حالة قيلم دلائل قوية على أن مرتكب إحدي الجرائم المنصوص عليها فى المادتين 166 مكرر و308 مكرر من قانون العقوبات قد استعان في ارتكابها بجهاز تليفوني معين أرضي أو خلوي- أو أي موقع إلكتروني أو أي وسيلة أخري أن يصدر أمراً مسبباً بناء على تقرير من الجهاز القومي للاتصالات وشكوي المجني عليه في الجريمة المذكورة بوضع هذا الجهاز أو تلك الوسيلة المذكورة تحت المراقبة لمدة لا تزيد على ثلاثين يوماً قابلة للتجديد لمدة أو مدد أخري مماثلة)

[12] تنص المادة 49 على (إذا قامت أثناء تفتيش مسكن المتهم قرائن قوية ضد المتهم أو شخص موجود فيه على أنه يخفي معه شيئاً يفيد في كشف الحقيقة جاز لمأمور الضبط القضائي أن يتخذ الاجراءات التحفظية المناسبة، وأن يطلب فوراً من النيابة العامة أن تصدر أمراً بالقبض عليه وتفتيشه)