هل لازلتم تذكرون قصة الفتيات اللواتي تم تحريرهن من عصابة للاتجار بالبشر كانت تحتجزهم في أقبية فندقي الـ"شي موريس" و"سيلفر"؟ بعد مرور قرابة العامين على هذه القضية التي هزت الرأي العام اللبناني والعالمي، لا تزال القضية عالقة في أروقة المحاكم، تؤجل مرة تلو الأخرى إما لعدم حضور المتهمين أو غياب وكلائهم. وبتاريخ 30/1/2017 انعقدت الجلسة السادسة في هذه القضية أمام محكمة الجنايات في بعبدا برئاسة القاضي محمد بدران.  

وللتذكير فإنه بتاريخ 27/3/2016، قامت مفرزة استقصاء جبل لبنان بالكشف عن شبكة اتجار بالبشر قامت باحتجاز نحو 75 فتاة من الجنسيتين السورية والعراقية في أقبية فندقي "شي موريس" و"سلفير"، وأرغمتهن من خلال الضرب والتعذيب والترهيب على العمل في الدعارة. وبتاريخ 19/4/2016 أصدر قاضي التحقيق في جبل لبنان بيتر جرمانوس قراره الظني بحق 24 شخصاً لتورطهم في هذه القضية. ثم صدر القرار الإتهامي بتاريخ 28/11/2016 عن الهيئة الاتهامية في جبل لبنان، الغرفة الثامنة،  برئاسة القاضي إلياس عيد والمستشارين نجاح عيتاني ونادر منصور وقد  تألف من 33 صفحة. وقد اتهم القرار 26 شخصاً من الجنسية اللبنانية والسورية بجرائم الاتجار بالبشر، والحرمان من الحرية، وتأليف جمعية لارتكاب الجنايات، وتطريح امرأة برضاها ودونه، وتزوير وثائق رسمية واستعمالها، وانتحال هوية، وعدم تجديد الإقامة.

وكانت جلسة الثلاثاء قد انعقدت قرابة الساعة الواحدة، في قاعة غير المخصصة عادة لجلسات الجنايات لجلوس قاض آخر فيها. وكان من المفروض أن تكون الجلسة مخصصة أيضاً لاستجواب المتهمين لكن تغيب بعضهم، ناهيك عن طلب بعضهم الآخر للمعونة من أجل تعيين محام من قبل نقابة المحامين أدى إلى تأجيل الجلسة مجدداً.

ومن أبرز المتغيبين عن الحضور من أعضاء الشبكة كان فواز الحسن المتهم بكونه المسؤول الأكبر عن شبكة الإتجار والذي لا يزال متوارياً عن الأنظار حتى اللحظة. وكذلك غاب عن الجلسة مدين علي الحسين، وهو محاكم غيابياً لتغيبه عن حضور الجلسات بعدما أخلي سبيله. كذلك غابت الحارستين أماني الحمصي التي تبين أنها موقوفة في سوريا بتهمة الدعارة والإتجار بالبشر وريم إبراهيم التي لم يكن من مبرر لغيابها. كذلك غاب من الحراس، نوار سلطعون وهو محاكم غيابيا ومحمد القصار الذي حضرت عنه زوجته فضلاً عن وكيله مقدمة معذرة طبية لتغيبه.

عند الساعة الثانية عشر والنصف من ب.ظ. بدأ أعضاء شبكة ألـ"شي موريس" بالتوافد الى القاعة حتى ملؤها وفي مقدمتهم عماد الريحاوي الذي حضر كعادته بكامل أناقته، ولكن هذه المرة كانت علامة الملل والضجر بادية على وجهه. توجه فور دخوله القاعة الى مسؤولة القلم وسألها عن الموعد المحتمل للجلسة المقبلة، ذلك أن المناخ العام كان يشير الى تأجيل حتمي. وهذا ما أكدته المحامية موهانا إسحق وكيلة عدد من الضحايا في القضية.

 

وقائع الجلسة

إذاً قرابة الواحدة بدأت الجلسة برئاسة القاضي محمد بدران الذي شرع باستعراض الحاضرين عن الجهتين، فحضرت المحامية مواهانا اسحق بالوكالة عن عدد من الضحايا. فيما غاب وكيل أخريات فتقرر محاكمتهم غيابياً.

ثم انتقل الى الجهة المدعى عليها والذين كان عددهم الكبير يخنق القاعة الضيقة. وبدأ القاضي بالمتهم بترأس العصابة فواز الحسن الذي لايزال متوارياً عن الأنظار منذ اللحظة الأولى لاكتشاف الشبكة. أما غياث دفضع وهو أول من ألقي القبض عليه وأقر بالجريمة فلا يزال موقوفاً منذ نيسان 2016 برفقة إلياس أبو رجيلي وقد أحضرا مخفورين.

 

وخلال تلاوة الأسماء صرح عماد الريحاوي أن وكيله لم يأتِ لأن لديه جلسة في العسكرية. فسأله القاضي إن كان يقبل بالسير بالجلسة بلا محامي، فأجاب بالنفي، وقال إنه في المرة الثانية إن لم يحضر أيضاً سيغيره، فنوه القاضي بدران بأن هذه المرة الأخيرة التي يسمح بها بهذا الأمر. أما المتهم الياس ابو رجيلي فأفاد أن وكيله كان موجوداً ولكنه رحل قبل بداية الجلسة لكنه وافق على السير دون محامي. فيما لم يحضر وكيل زياد الشدياق "لأسباب مادية " لكنه وافق ايضاً على السير دون محامي.

 

ومن الوجوه البارزة في القضية، حضر طبيب الإجهاض رياض علم والى جانبه الممرضة المساعدة له في العملية جيزيل أراكيلو والتي حضرت وهي لا تزال تضع قالب بلاستيك لتثبيت رجلها بعد أن صرح وكيلها في جلسة سابقة انها قامت بكسرها. وعندما نادى القاضي بدران عليها في هذه الجلسة علق وكيلها قائلاً: "إنظر حضرة الرئيس لا تزال تضع الطوق على رجلها، هي لا تزن سوى 40 كيلو ومع ذلك هي متهمة بتثبيت النساء لتطريحهن فكيف ذلك؟". فأشار القاضي بدران إليه بأن الوقت غير مناسب لهذا الكلام.

 

وبعد أن باتت المماطلة واضحة في هذه القضية كان لابد للقاضي بدران أن يظهر بعض الحزم، فقد غاب محمد القصار وحضر عنه وكيله فضلاً عن زوجته التي أحضرت بتقريراً طبياً يشير إلى أنه يعاني من آلآم في الرأس، بما يشبه الصداع، وهو يفيد الى أن قصار يحتاج الى الراحة لمدة 10 أيام. إلاّ ان ممثلة النيابة العامة رفضت المعذرة المقدمة. بدوره لفت القاضي بدران الى أن التقرير غير مصدق من وزارة الصحة وعلى هذا الاساس رفضت هيئة المحكمة المعذرة، وتمت محاكمة القصار غيابياً واعتباره فاراً من وجه العدالة وتسطير مذكرة القاء القبض بحقه.

أما ريم ابراهيم وهي إحدى الحارسات، فقد غابت دون أن تخبر وكيلتها بأسباب غيابها. وكانت محاميتها قد تقدمت بعذر لها في الجلسة السابقة، فتقرر محاكمتها غيابياً واعتبارها فارة من وجه العدالة وإنفاذ مذكرة القاء القبض بحقها.

المفارقة أنه فيما يحاول أفراد العصابة تبرأت نفسهم من تهمة الإتجار بالبشر، غابت المدعوة أماني الحمصي عن حضور الجلسة، فيما حضر عنها وكيلها وأبرز افادة موقعة من آمر سجن ريف دمشق يفيد بأنها موقوفة في سوريا بتهمة الدعارة والاتجار بالبشر. وقد رفضت ممثلة النيابة العامة المعذرة المقدمة. فعلّق المحامي بأنه بالإمكان الإتصال والتأكد من أنها موقوفة. هنا سأله القاضي إن كان بالامكان سوقها من هناك الى لبنان، فأجاب بالنفي. عندها تم رفض المعذرة ومحاكمتها غيابياً باعتبارها فارة من وجه العدالة وتسطير مذكرة إلقاء القبض بحقها.

ولعل تأخّر نقابة المحامين في بيروت بتأمين وكيل للمتهمين جعفر سليمان ويوسف الباشا، كانت من أسباب التأجيل الرئيسية التي أدت الى تأجيل الجلسة، في مقابل إصرار الأخيرين على عدم السير بالدعوى دون وجود محامي يدافع عنهما.  

وأمام هذا الواقع أرجأ القاضي بدران الجلسة الى تاريخ 20/2/2018 بعد أن تقرر تسطير كتاب الى نقابة المحامين في بيروت لتقوم بتوكيل محامي عن المتهمين وذلك للسير بالدعوى. فيما أُمهل عماد الريحاوي مرة أخيرة لحضور موكله.

إذا لا تزال القضية عالقة في المحاكم بين التأجيل والمماطلة فيما ضحايا شبكة "شي موريس" بإنتظار عدالة طال انتظارها.