منذ نهار الإثنين الفائت، يستمر محامو النبطية في الامتناع عن حضور الجلسات أمام المحاكم، احتجاجا على النقص في عدد القضاة الذي لم تسعفه التشكيلات القضائية ولا قرارات الانتداب الأخيرة. وإذ كان الإضراب المقرر محصوراً في قصر العدل في النبطية، عقد المحامون اجتماعا اليوم تقرر فيه اتخاذ خطوة تصعيدية عبر تعميم الإضراب على كافة المحاكم في المحافظة، أي محاكم تبنين وبنت جبيل وحاصبيا ومرجعيون.

 الواقع أن ما أثار حفيظة المحامين هو قرار وزير العدل سليم جريصاتي في تاريخ 15 كانون الثاني 2018 الذي يقضي بانتداب 11 قاضياً دون أن يلحظ فيه أي قاض لمحافظة النبطية. بالمقابل، حازت البقاع على النصيب الأكبر في هذا القرار إذ انتدب فيها 4 قضاة، يليها بيروت قاضيان وجبل لبنان قاضيان وجديدة المتن قاضيان وقاض في صيدا. واعتراضا على هذا الإجحاف نفذ المحامون نهار الإثنين الماضي بتاريخ 22 كانون الثاني في باحة قصر العدل اعتصاما بمشاركة أعضاء من نقابة المحامين في بيروت. ونقل المحامون اليوم أن الامتناع عن حضور الجلسات إلا المتعلقة بالمهل والموقوفين مستمر إلى أن يتم انتداب 5 إلى 15 قاضياً.

وقد واجهت محافظة بعلبك-الهرمل المشكلة نفسها في أواخر العام 2017، إذ أضرب المحامون فيها لنحو الشهرين. ويذكر أن جريصاتي أصدر قراراً بانتداب أربعة قضاة لبعلبك - دير الأحمر بتاريخ 3 تشرين الثاني 2017، إلا أن المحامين لم يعلقوا إضرابهم إلا بتاريخ 6 كانون الأول. إذ تلقوا وعوداً من رئيس الحكومة سعد الحريري بالنظر في كافة مطالبهم المتعلقة بإنشاء محكمة جنايات وقصر عدل لائق.

بالعودة إلى النبطية، أكد ممثل نقابة المحامين في النبطية شوقي شريم في بيان خلال اعتصام الإثنين على أن محامي النبطية عولوا على "التشكيلات القضائية الأخيرة لعلاج النقص في عدد القضاة". وأضاف، "لكن بعد صدور التشكيلات، فوجئوا بأن محاكم النبطية لم تنل ما هي بأمس الحاجة إليه من عدد القضاة الذي يستدعيه تشكيل المحاكم". وهذا العدد وفقاً لشريم "هو خمسة عشر قاضيا نسبة إلى العدد الحالي في الملاك إضافة إلى الثغرات التي نتجت عن كيفية تشكيل بعض هيئات المحاكم". وعليه شدد على أن "هذا النقص ينعكس سلباً على عمل المحامين ومصالح المتقاضين وعلى حسن سير العدالة".

وقد برز موقف مؤيد لنقابة المحامين لهذا التحرك، إذ ألقى عضو نقابة المحامين في بيروت المحامي وجيه مسعد كلمة أيد فيها الاعتصام. إذ اعتبر أن هذا "التحرك محق، وهو يماثل ما حصل في بعلبك وفي المحاكم كافة". وعليه وعد مسعد أن تنكب نقابة المحامين على متابعة هذه المشكلة. وأضاف: "اليوم هو يوم حزين في محكمة النبطية وهناك خيبة أمل من المواطن. ونحن كنقابة محامين مسؤولون عن تحصيل حقوق هذا المواطن، وأقول إننا سنتابع هذا الموضوع ولن نقبل بأقل من عدالة شفافة وعدالة متواضعة". وتوجه إلى مجلس القضاء الأعلى داعياً إياه للعمل لأجل زيادة عدد القضاة في النبطية.


الاستئناف شبه معطل

في حديث مع المفكرة أكد شريم أن "المعاناة الأبرز في قضية النبطية تكمن في محكمة الاستئناف المدنية، إذ أنه بفعل التشكيلات القضائية تم تشكيل ثلاثة قضاة، لاحقاً قدم أحد المستشارين استقالته". وقد تطلب الأمر وفقاً لشريم أن "يتم تكليف قضاة آخرين في محكمة الاستئناف باستمرار وبشكل مؤقت لإكمال الهيئات".

من ناحية أخرى، فإن التشكيلات القضائية الأخيرة بشكلها الحالي لم تشفع لسير العدالة، ذلك أن عقبات عدة تقف أمام العمل بالشكل المطلوب. يوضح شريم أبرز هذه العقبات مدلياً بأنه "تم تعيين قاض في محكمة الاستئناف الجزائية، إلا أن أحد أقربائه كان قاضياً في الجزاء الأمر الذي يدفعه للتنحي أمام الأحكام الصادرة عن قريبه". مشكلة أخرى، إن "أحد المستشارين في الجنايات ينوب مستشاراً في الاستئناف الجزائي، حيث يضطر المحامين والمتقاضين الانتظار إلى حين انتهاء المحكمة الأولى ليدخل القاضي إلى الأخرى". إضافة إلى ذلك، يقول شريم أن "هناك معلومات عن تعيين القاضي حسن سكينة في الاستئناف إنما هذا الأخير ليس متفرغاً بالكامل وتم تسليمه مهام كثيرة لن يتمكن من إنجازها بالسرعة المطلوبة". ويُذكر أن سكينة شغل سابقاً قاضي منفرد مدني في النبطية مما يجعله غير قادر على النظر في ملفات أصدر فيها أحكاماً. بالإضافة إلى أنه يشغل حالياً منصب مستشار في الغرفة الثانية في محكمة التمييز في بيروت.

في سياق متصل، يعطي أحد المحامين مثالاً عن الهيئة الاتهامية إذ يؤكد أن "معاملات رد الاعتبار في العادة تستغرق أسبوعاً إنما اليوم تصل إلى الأربعة شهور". يلفت محام آخر إلى أن "محكمة الاستئناف في السنوات الخمس الماضية كانت شبه معطلة، وذلك يعود إلى قلة نشاط الرئيس الأول السابق".  محام ثالث يقول إن "القضاة الحاليين يعملون بنشاط إنما الكارثة بأن الملفات تصطدم بتوزيع الأعمال السيء".  ويستطرد قائلاً: "أما موضوع انتداب قضاة جدد يقف أمام عراقيل أخرى، إذ أن بعض القضاة يرفضون العمل في النبطية وهذا سبباً آخر للتأخر في وضع حل للمشكلة".

 

نسبة مرتفعة للعجز في الطاقات القضائية

تلحظ الجداول المنظمة في العام 2007 تعيين 52 قاضياً لمحافظة النبطية بينما الواقع أن التشكيلات الأخيرة لحظت تعيين 22 قاضياً فقط، ما يعني أن نسبة العجز بالطاقات القضائية تصل إلى ما يقارب الـ 58 بالمئة.  ويُذكر أن هؤلاء، مقسمون على أقضية بنت جبيل وتبنين وحاصبيا ومرجعيون التابعة لمحافظة النبطية. يوضح شريم في هذا الشأن، أن الجداول تحدد عدد 52 للنبطية إن كان عدد القضاة الفعلي نحو 780 قاضياً في كافة المحافظات. أما في الوضع الحالي فإن عدد القضاة في لبنان لا يتجاوز الـ 540 قاض لذلك ينبغي تخصيص 37 قاضياً على الأقل للنبطية".

في الاتجاه نفسه، تشير الجداول إلى إنشاء أربع غرف استئنافية، إنما الواقع تم إنشاء ثلاثة غرف فقط بموجب التشكيلات الأخيرة يشغلهم 9 قضاة بدلاً من 14 و4 منهم منتدبين أي يعملون بنصف دوام. أيضاً فإن استقالة أحد المستشارين جعل إمكانية اكتمال الهيئات صعبة، ليضاف تعطيلاً آخر على العمل القضائي. يمكن استيضاح نسبة الشغور والنقص في الطاقات القضائية في محافظة النبطية في كافة الأقسام في الجدول التالي:

الأقسام

العدد الحالي

الجداول

نسبة الشغور

نسبة العجز بالطاقات القضائية

قضاة منفردين

8 قضاة (3 انتداب أي يعملون بنصف دوام)

16

50 %

59.4%

غرف إبتدائية

3 قضاة (2 انتداب)

4 (13 قاض)

77%

85%

غرف استئنافية

9 (4 انتداب)

14

35.8%

50%

قضاء تحقيق

3

4

25%

25%

نيابات عامة

3 (2 بالانتداب)

4

25%

50%

مجلس العمل التحكيمية

1 بالانتداب

1

0

50%

 

 

بدوره، يؤكد مسعد للمفكرة أن محافظة النبطية جغرافيا هي منطقة كبيرة وتضم الكثير من الملفات القضائية. والحال أن 22 قاضياً هو عدد قليل، فبالكاد يتمكن القاضي من استكمال أعماله في هذه الظروف وبالتالي تضعف الإنتاجية القضائية. ويؤثر هذا الأمر على المواطن إذ بات يشعر بالخيبة من المحامي بسبب بطء سير ملفاته.