يصعب على الباحث تحديد أوجه استخدام القضاء العسكري في لبنان. ففضلا عن قلّة الأبحاث في هذا الشأن، فإنّ الاطلاع على أرشيف هذا القضاء وسجلاته يبقى مستعصيا. وتجاوزا لهذه الصعوبات، سعينا إلى الإجابة على السؤال المطروح من خلال فلفشة أرشيف الصحف وبدرجة أقل إجراء مقابلات مع المحامين أو الناشطين. وبنتيجة ذلك، أمكننا استخراج وظائف متعددة ومتباينة للقضاء العسكري، وهي وظائف ترتبط عموما بطابعه الاستثنائي وتاليا بعيوبه.  

فبفعل نقص ضمانات المحاكمة العادلة فيه ومنع الضحايا من الادعاء فيها، شكل القضاء العسكري أداةً فُضلى للنظام السياسي الأمني لفرض الحقائق التي يريدها، بهدف ردع البعض أو تحصين آخرين إزاء المساءلة. وقد بدا القضاء العسكريّ من هذه الزاوية وكأنّه يرسم خطوطا حمراء مزدوجة: خطاً أحمر للحريات العامة التي يجوز للمواطنين ممارستها بمعزل عما يمنعه أو يبيحه القانون (وعمليا أداة لقمع المعارضة أو المعارضات السياسية)، وفي الآن نفسه خطاً أحمر (سقفا سياسيا) للمسؤولية الجزائية مع ما يستتبع ذلك من إفلات من العقاب ومن مرونة في مقاربة هذه المسؤولية وقياسها.

وبفعل تكوين المحكمة العسكرية في غالبيتها من ضباط عسكريين واختصاصها الذي يتسع ليشمل أي جرم قد يرتكبه عسكري أو يرتكب ضدّه، شكل القضاء العسكري أداة للمؤسسة العسكرية لفرض هيبتها في وجه أي انتقاد مهما كان محقا وفي الوقت نفسه للضباط في مواجهة العناصر المتمردة من داخل الأجهزة العسكرية. كما شكل بفعل العوامل نفسها أداة تمييزية للعناصر الأمنية في أي نزاع مع الأشخاص المدنيين.

وبفعل قدرته على التحرك مع الحد الأدنى من الضوابط وعلى الحسم السريع، شكل هذا القضاء مظهر عامل اطمئنان على قدرة الدولة على مكافحة المخاطر الاجتماعية الكبرى كالإرهاب، وهو المظهر الذي غالبا ما استثمره مؤيدو هذا القضاء الاستثنائي لمنع أي تقليص لصلاحياته.

وهذا ما سنحاول الإسهاب في تحليله.     

 

أداة لقمع المعارضة السياسية

يظهر الأرشيف الصحافي في فترة ما بعد الطائف ملاحقات عدة في هذا الإطار، أبرزها الملاحقات التي تعرّض لها مؤيدو التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية في الفترة السابقة لسنة 2005 والملاحقات التي تعرّض لها ناشطو الحراك المدني في صيف 2015. واللافت هو تعدّد أوجه الشبه بين العديد من هذه الملاحقات وأبرزها أربعة: (1) أنها انبنت على أدلة واهية، (2) أنها استندت إلى تفسير واسع للنصوص العقابية إلى حد يخرجها عن معناها، (3) أن القضاء العسكري باشر هذه الملاحقات وأبقى يده عليها متخذا العديد من الاجراءات المقيدة للحرية ليظهر بعد ردْح أنه غير مختصّ أصلا للنظر فيها. وهذا ما حصل بشكل خاص بشأن الملاحقات على خلفية الاشتراك في تظاهرات الشغب أو تأسيس جمعيات سرية أو الانخراط فيها، و(4) أن الملاحقات أدت بعد أشهر أو سنوات من بدئها إلى إبطالها لعدم صحتها أو عدم قانونيتها. وقد تبدى القضاء العسكري في هذه الحالات الأداة الفضلى لمباشرة هذه التحقيقات ولردع حراكات الناشطين، بمعزل عن حدود اختصاصه أو أحكام القانون. فهو يتدخل ليس عملا بالقانون، بل عملا بما يراه مصالح عليا raison d’Etat يقتضي الدفاع عنها.  

 

ملاحقات 7 آب، إعلان حالة طوارئ ضمنية    

بدأت فصول هذه الملاحقة في مساء 7 آب 2001. ففي هذا التاريخ، داهمت فرق عسكرية تابعة للجيش اللبناني مركزين للتيار الوطني الحر والقوات اللبنانية في انطلياس وأوقفت العشرات من الناشطين. وقد افتتح الجيش بذلك حملة اعتقالات سياسية كبيرة لم يكن لبنان شهد مثيلاً لها بعد انتهاء الحرب الأهلية. وقد تراوحت تقديرات عدد الموقوفين بين 150 و250 ناشطاً من التيار والقوات، وكانا يمثلان أبرز القوى المعارضة لنظام الوصاية السورية (هيمنة النظام السوري) آنذاك على دوائر الحكم في لبنان. وقد تمّت هذه المداهمة بعد يومين فقط من زيارة البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير إلى الشوف وعاليه وجزين لعقد مصالحة بين الدروز والمسيحيين. ورغم أن هذه التوقيفات تمت بناء على استنابة قضائية عامة سطرها النائب العام التمييزي القاضي عدنان عضوم بحقّ "كل الأشخاص الذين اشتركوا وحرّضوا وساهموا في الأعمال التي جرت في بلدة الكحالة خلال استقبال البطريرك صفير، وأخلّوا بالأمن ووزعوا منشورات تنال من مقام رئيس الجمهورية العماد إميل لحود وتمسّ بسمعة الجيش اللبناني والجيش العربي السوري"، فإن عضوم أكّد لجريدة "السفير" أن لا طابع سياسي لها وأن هذه الأفعال تخلّ بالقانون مما يستوجب تحقيقاً وملاحقة قضائية وخصوصاً أنّ "القوات اللبنانية" حزب منحلّ. وقد ذهب بيان قيادة الجيش في الاتجاه نفسه مدّعيا أن معلومات وردتها حول قيام مجموعات بعقد اجتماعات غير مرخصة والتحضير للقيام بتحركات تسيء إلى مناخ الأمن والاستقرار. وبعد يومين، وتحديداً في 9 آب، تواجهت عناصر "مدنية" تابعة لجهازي الأمن العام ومخابرات الجيش مع مدنيين معتصمين أمام قصر العدل ونقابة المحامين احتجاجاً على الاعتقالات، فأوقفت العشرات منهم بعدما اعتدت عليهم بالضرب.

تمّ احتجاز الموقوفين في وزارة الدفاع في شروط غير انسانية. وقد نقلت "السفير" عن أحد الموقوفين من التيار الوطني الحرّ المفرج عنهم أنهم بقيوا معصوبي الأعين ومقيدي الأيدي لساعات طويلة. ولم يسمح لهم بالاستحمام لأيام عديدة. كما أجبروا على التوقيع على محاضر تحقيقات أولية لم يتسنّ لهم قراءتها. وقد عمد أحد الموقوفين د. أدونيس العكرة وهو أستاذ في الفلسفة في الجامعة اللبنانية إلى توثيق أحداث التوقيف والتحقيق معه في كتابه "عندما صار إسمي 16". وقد ورد في الكتاب المقاطع المعبرة الآتية:

"لف الرجل ذراعي بيديه الاثنتين، ورفعني عن الأرض. "تعال". قالها بنبرة حازمة. مشيت معه بضعة أمتار ثم شعرت أنني داخل غرفة، أو مكتب...دخلت إذن في مرحلة التحقيق.

قلت: يا حضرة المحقق، أنا منزعج جداً، وبشكل يصعب احتماله.

"لماذا؟ ما بك؟"

"هذه الحالة التي أنا فيها: مقيّد بالحديد، لا أرى وجهك ولا ترى وجهي...هل تسمح لي بأن أراك؟"

"طلبك مستحيل يا دكتور. لكي أستطيع النظر إلى عينيك في حال صادفتك يوماً على الطريق".

(بعد انتهاء التحقيق) سمعت صوت أقدام تتجّه من صوب الضابط نحوي. كأن هناك إنسانا ثالثا في المكتب. اقترب مني وقعها. ثم طوّقت ذراعي يد، سمعت بعدها صوتاً يقول بهدوء: "تفضل". قمت من مقعدي وسرت باتجاه معاكس للمكان الذي يجلس فيه المحقق. "لا تلتفت إلى الوراء" قال، وأسقط عن عيني العصابة. وجدت أمامي طاولة صغيرة، عليها بضع أوراق مكدّسة قائلاً: "وقّع هنا". وأشار إلى فسحة بيضاء في أسفل الصفحة. – مهلاً، دعني أقرأ المحضر. – لا. وقّع فقط". استعدت على الفور ما تناهى إلى سمعي من صفعات وركلات، بينما كنت مكوّماً في الممر المظلم أنتظر دوري. أمسكت القلم ووقعت قائلاً: "ثقتي بالجيش كبيرة".

...

"اقترب الحارس. فك قيودي واقتادني من ذراعي إلى خارج القاووش. سرت معه مسافة أمام أبواب المكاتب، حتى وصلنا عند باب مغلق، وعلى إحدى درفتيه لافتة مستطيلة كتب عليها: قاضي التحقيق العسكري عبدالله الحاج. طرق الجندي بإصبعه على الباب، ثم فتحه، وأدخلني أمامه. وجدت نفسي في غرفة مبرّدة، يتصدرها مكتب أنيق يجلس وراءه رجل يكبرني ببعض السنوات سناً... إلى يساره، وعلى طرف المكتب، يجلس جندي من الجيش برتبة معاون، أو معاون أول...كما لفتني رجلان مدنيّان يجلسان على مقعد جلدي واسع، يقبع في جانب من جوانب الغرفة.

...قال القاضي: "هل نسيت أنك أدليت بإفادة سابقة ووقعتها؟"

..."ولكن، يا حضرة الرئيس، أنا لم أقرأ ما جاء في هذه الأوراق".

التفت إليّ القاضي، وحدجني بنظرة تضخّ هزءاً وسخرية مع كل رمشة جفن:

"ولو؟! أستاذ جامعي طويل عريض، ومنذ 24 عاماً...أتحاول إقناعي بأنك وقعت دون أن تقرأ؟ أما تعلّمت القراءة بعد؟"

"يا حضرة الرئيس، كنت آنذاك معصوب العينين، وكانت يداي مقيّدتين بالحديد. طلبت أن أقرأ التقرير قبل أن أوقّع، فمنعوني... والله يا حضرة الرئيس، لو سمح لي بقراءة هذا النص لكنت الآن في المستشفى".

"لماذا في المستشفى؟"

"من شدّة الضرب"...عاودت النظر إلى ذينك الرجلين الجالسين على المقعد الجلدي. كانا جامدين كلوحي ثلج. لا كلمة. لا حركة. لا تنهّد أو نحنحة. لا وضع ساق على ساق. لا حسّ لهما مطلقاً. صرت أتساءل عن سبب وجودهما في مكتب قاضي التحقيق العسكري، وخلال إجراء التحقيق مع موقوف متهم بتعكير العلاقات مع دولة شقيقة".

وفي نهاية التحقيقات الأولية، ادّعى معاون مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي ميسر شكر على عدد من الموقوفين. وقد انبنت الادّعاءات على إقدام المدعى عليهم "على أعمال وكتابات وخطب لم تجزها الحكومة تعرّض لبنان لخطر أعمال عدائية وتعكر صلته بدولة أجنبية شقيقة" أو أيضا على المس برئيس الجمهورية أو بالجيش أو أيضا على نقل أنباء كاذبة ومبالغ فيها من شأنها أن توهن نفسية الأمة وإضعاف الشعور القومي، والانتماء إلى جمعيات منحلة وغير مرخص لها، والمس بسمعة الجيش السوري. ومن النافل القول أن مجمل هذه الادعاءات هي ذات طابع سياسي واضح. واللافت للنظر أن النيابة العامة العسكرية لم تفرّق في الادعاءات المقدمة وفق اختصاص المحاكم للنظر فيها، مبقية الدعوى كلها من اختصاص المحكمة العسكرية. وقد طلب شكر حسبما نقلت جريدة "السفير" عن مصادر لم تبيّن هويتها، إهمال دفوع المحامين بعدم اختصاص المحكمة العسكرية للنظر في بعض الجرائم المدعى بها، استنادا إلى تعميم صادر عن النائب العام التمييزي السابق القاضي منيف عويدات اعتبر فيه من اختصاص المحكمة الجرائم الواقعة على أمن الدولة والجرائم الماسة بالقانون الدولي. وقد رأت هذه المصادر أن النيابة العامة العسكرية نحت هذا المنحى لكي تضع حداً لتصرفات "العونيين" في المستقبل ولكي يرتدعوا "لأنه لا يجوز أن نهلل في لبنان لكل من ينتقد مسار الدولة في الخارج لدواع ومصالح شخصية". وقد تماشى قاضي التحقيق العسكري عبدالله الحاج مع هذا التوجه مصدرا قرارات اتهامية بإحالة جميع الجرائم المنسوبة للمتهمين للمحكمة العسكرية. وفي إثر هذا الادعاء وبعد التوقيف لفترات طويلة، تم إخلاء 75 موقوفاً دفعة واحدة مقابل كفالات مالية مقدارها 3 ملايين ليرة (حوالي ألفي دولارا) لكل واحد.

بعد تسديد الكفالات الباهظة تلك، فاجأت محكمة التمييز الجزائية برئاسة القاضي رالف رياشي الجميع بقبول الطعون المقدمة إليها بإعلان القضاء العسكري غير مختص للتحقيق في هذه الجرائم المدعى بها، معلنة أن القضاء العدلي هو "وحده الجهة الصالحة" للنظر فيها. ولم تستثنِ من اختصاص المحاكم العدلية إلا بعض الجنح البسيطة المتصلة "بمقاومة رجال الأمن بالعنف والشدة والمس بسمعة الجيشين اللبناني والسوري".

وقد كشف التعاطي مع ناشطي التيارات السياسية المعارضة أن كلّ ما حصل كان نتيجة قرار سياسي باستخدام عصا قضائية غليظة بحق القوى المعارضة، وأن هز العصا هذا ربما حقق أهدافه ولم يعد من المجدي مواصلته.

 

الحراك الشعبي 2015

شهد لبنان في صيف 2015 حراكا شعبيا غير مسبوق، شارك فيه عشرات آلاف الأشخاص، وذلك على خلفية أزمة النفايات وتكدسها في المدن والقرى بفعل مزيج من الفساد وسوء الإدارة المزمنين. ومنذ 22 آب 2015 وحتى 8 تشرين الأول 2015، أقدمت الأجهزة الأمنية على توقيف حوالي 250 متظاهرا من بينهم أكثر من 27 قاصرا في إطار هذا الحراك، علما أن الأجهزة الأمنية عمدت في بعض هذه المظاهرات وبإقرار رئيس الحكومة السابق تمام سلام ووزير الداخلية نهاد المشنوق إلى استخدام العنف المفرط من دون أن يؤدي ذلك إلى أيّ تحقيق قضائي. وهنا أيضا، تولت الجهات القضائية العسكرية التحقيق مع المتظاهرين، ابتداء من التحقيقات الأولية التي تمت بإشراف مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية وانتهاء بالتحقيقات أمام قضاة التحقيق العسكريين الذين أصدروا قرارات ظنية بحق أكثر من 55 شخصا بارتكاب عدد من الجرائم، أهمها القيام بأعمال الشغب ومعاملة عناصر الأمن بالشدة وشتم الإدارات العامة والمس بسمعة المؤسسة العسكرية وتخريب المنشآت العامة والخاصة. وتمّ إخلاء سبيل هؤلاء على دفعات، مقابل كفالات مالية تراوحت بين 100 و500 ألف ليرة لبنانية بعد أن امتد توقيفهم بين أسبوع وشهر.

تقدّم محامو المتظاهرين بطلب إلى المحكمة العسكرية بإعلان عدم إختصاصها لمحاكمتهم سندا للقرار الصادر عن محكمة التمييز في قضية موقوفي 7 آب 2001. كما طلب المحامون وللمرة الأولى ربما في تاريخ المحكمة العسكرية، إعلان عدم اختصاص المحكمة لمحاكمة المدنيين لتعارضه مع "مبادئ المحاكمة العادلة المكرّس في العهود الدولية" التي صادق لبنان عليها. وقد استجابت المحكمة العسكرية في قرارها الصادر في 20 آذار 2017 للطلب الأول معلنة عدم إختصاصها للنظر بجنح الشغب وعدم التفرّق إلا بالقوة وتخريب الأملاك الخاصة (المواد 346 و348 و733 من قانون العقوبات). بالمقابل، تجاهلت تماما الطلب الثاني.

ومن أهم ما تضمنه القرار للوصول إلى النتيجة تلك، أنه "لا يكون للقضاء العسكري باعتباره قضاء استثنائياً محاكمة أي شخص، مدنياً كان أو عسكرياً، إلا في حال وجود نص قانوني واضح وصريح بمنحه هذه الصلاحية" وأن جرائم الشغب والتخريب (وهي من الجرائم المرتبطة بممارسة حق التظاهر) "لا تمس مصلحة الجيش أو القوى الأمنية أو الأمن العام"، والأهم أنه لا يجوز "استخدام التلازم لتوسيع اختصاص القضاء العسكري". وعليه، فصلت المحكمة العسكرية بين الأفعال الموجهة ضد السلطة السياسية (الشغب والتخريب) وتلك الموجهة ضد القوى الأمنية (معاملة عناصر الأمن بالشدة) على نحو أدّى إلى حصر دورها في حماية الثانية دون الأولى.

وإذ احتفظت المحكمة العسكرية باختصاص محاكمة 5 من المتظاهرين على خليفة اتهامات بمعاملة عناصر الأمن بالشدة، فإنها عادت بتاريخ 25 نيسان 2017، لتعلن براءة أربعة منهم بعد ثبوت خلو الأفلام المصورة للتظاهرة المعنية من أي منها. وعليه، انحصرت زوبعة التوقيفات والمحاكمات لناشطي حراك صيف 2015، والتي طالت عشرات الأشخاص، أمام المحكمة العسكرية بالحكم بمسؤولية قاصر واحد، تمّت إحالة ملفه على قاضي الأحداث لتحديد العقوبة. إلا أنه هنا أيضا، كان لهذه التوقيفات والملاحقات مفعولها الرادع والذي أدّى عمليا إلى إنهاء الحراك الشعبي، بمعزل عما انتهى إليه قرار المحكمة بعدما يقارب سنة ونصف من ذلك.

 

المسؤولية الجزائية في قالب السياسة

ليس بإمكان الضحية أن تحرك الدعوى العامة أمام القضاء العسكري ولا أن تتمثل أمامه في حال قيامها، وفق القانون الناظم له. من شأن هذا العامل وحده أن يعطي النيابة العامة العسكرية هامشا واسعا في تحريك الدعوى أو عدم تحريكها، وتحديد مسارها ومنتهاها. ومؤدى ذلك ليس فقط وضع مخالفات جسيمة بمنأى عن العقاب ولكن أيضا تمكين القضاء العسكري من تنفيذ تسويات سياسية ضمنية. ومن هذه الزاوية، تصبح المسؤولية الجزائية خاضعة للحسابات السياسية وتحت سقفها. وخير تعبير على ذلك هو ما عبّرت عنه اللجنة المعينة من وزير العدل الأسبق شكيب قرطباوي والتي رفضت استبدال تسمية "مفوض الحكومة" بتسمية النائب العام، على أساس أن التسمية الحالية أكثر تعبيرا عن وظيفته التي تقوم على خدمة مصالح الدولة العليا raison d’Etat.  

 

 

الإفلات من العقاب

بفعل طابعه الاستثنائي وأصول عمله، شكل القضاء العسكري في حالات عدة أداة لتحصين الأجهزة الأمنية أو الأقل وضعها في مأمن إزاء أي بحث جدي في مدى تورطها في مخالفات قانونية وبالأخص أعمال تعذيب أو سواها من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. وتبعا لذلك، وفي حالات عدة، أدى وضع يد القضاء العسكري على مخالفات اكتست طابعا فضائحيا، إلى استيعاب النقمة فيما بقيت تحقيقاته تبعا لذلك ضبابية وغير حاسمة. وقد تجلت هذه الوظيفة بشكل واضح خلال النقاشات الحامية التي دارت في المجلس النيابي في 2017 حول اقتراح قانون لمكافحة جرائم التعذيب، وخصوصا فيما يتصل بنقل النظر في جميع هذه الجرائم إلى المحاكم العدلية. فقد رفض عدد كبير من النواب المس بصلاحية المحكمة العسكرية، معتبرين إياها خطّاً أحمر لا يجوز تجاوزه. وقد جاءت بعض التصريحات بمثابة إقرار لوظيفة القضاء العسكري في حجب المسؤولية الجزائية في هذا الإطار أو أيضا في قياس ملاءمة الملاحقة على ضوء الحاجات الأمنية. وهذا ما نستشفه مثلا من تصريح النائب الوليد سكرية الذي بعدما ذكّر أن كلفة إعداد ضابط تراوح مئتي ألف دولارأ اميركيا، تساءل فيما إذا كانت الدولة "تتخلى عنه لأنه ضرب هذا المجرم أو المتهم". وقد أنهى سكرية تصريحه بأن العسكريين والضباط يحاكمون أمام المحاكم العسكرية وأن أي حديث عن محاكمتهم أمام القضاء العدلي هو خطأ كبير وتجاوز لقانون الدفاع. ف "أمام مقتضيات الأمن الوطني، كل المحرّمات تزول". ويستشفّ من هذه المداخلات تاليّا أن الخطّ الأحمر الحقيقيّ ليس "المحكمة العسكرية" إنّما جعل ضباط الجيش تحت سلطة القانون العادي والمحاكم العادية.  

وتتعارض هذه المواقف بالواقع مع المعايير الدولية التي تتجه إلى حجب صلاحية المحكمة العسكرية عن جميع الجرائم التي تشكل انتهاكات جسيمة لحقوق الانسان.

 

فضيحة فيديو التعذيب في روميه

انتشرت هذه الفضيحة بتاريخ 21/6/2015 بعد تسريب فيديو يظهر تعرّض سجناء اسلاميين للتعذيب (ضرب وحشي بالعصي وتعرية) في سجن رومية. وكان على السلطات العامة إذ ذاك أن تجابه نوعين من الخطابات. فمن جهة أولى، خطاب اسلامي غالبه عصبيّ وهو الخطاب الصادر عن جهات اسلامية تحركت في مناطق عدة في لبنان دفاعاً عن الموقوفين في رومية. ومن جهة ثانية، خطاب حقوقي تمثّل في بيان أصدرته منطمات حقوقيّة عدة في 26-6-2015. وقد رأت هذه المنظمات فيه أن هذه المشاهد حسمت النزاع القائم بينها وبين الحكومة، لجهة وصف التعذيب الحاصل في لبنان بأنه منهجي وليس فرديا. وإزاء تنامي هذين الخطابين الخطيرين، كان لا بدّ من وجهة نظر النظام السياسي استيعاب الصدمة الناجمة عن الفضيحة تمهيداً لصياغة رواية رسميّة لها. فإذا لم يكن من الممكن نفي حصول الفضيحة ولا دحضها، فإن الموقف الذي يناسب السلطات العامة يكون اذاً في فرض رواية رسميّة لها، أي في فرض سياق أو وصف لهذه الأحداث يؤدي إلى حصر الأضرار الناجمة عنها. وقد جاءت اجراءات التحقيق لدى قاضي التحقيق العسكري الأول رياض أبو غيدا وقراره الظني الصادر بنتيجتها ليلبيا هذه الحاجة تماما. فقد تم حصر المسؤولية بعناصر الأمن الذين ظهرت وجوههم في الفيديو في موازاة إعلان براءة شاملة لمجمل أجهزة الدولة. وكان من اللافت جدا أن قاضي التحقيق (وهو قاضي ظنّ) ذهب في قراره "الظني" إلى حدّ إعلان "يقينه" بفردية الحادث (حادث التعذيب)، وذلك ردّا على الاتهامات الحقوقية والدولية بحصول تعذيب ممنهج. وبمعزل عن حقيقة ما حصل في رومية، تقتضي الإشارة إلى أن منهجية التحقيق المتبعة ما كان يمكن أن تقود إلى خلاف ذلك. فالقاضي بنى حقيقته على إفادات الأشخاص المتورطين في الفيديو، فيما امتنع عن الاستماع إلى أيّ من ضحايا التعذيب، بما فيهم الضحايا الذين ظهرت صورهم في الفيديو وهم يتعرضون له. وما يزيد من غرابة التحقيق، أنه بدل الاستماع إلى القيادات المسؤولة في السجن أو عن عملية المداهمة، فإنه كلف إحداها (رئيس شعبة المعلومات وهو الجهاز الذي أُنيط به مداهمة السّجن) بالتوّسع بالتحريات وسماع العناصر التابعين له والذين تسربت إليهم مشاهد الفيديو. ولماذا؟ "لمعرفة مصدر التسريب". وقد عبّر قاضي التحقيق العسكري من خلال ذلك عن تماهيه مع قيادات الجهاز المشتبه به إلى درجة ائتمانها على التحقيقات، وتاليا إشراكها في صياغة الرواية الرسمية المنشودة من منطلق مصلحتها المباشرة في كتابتها.

 

وفاة لاجئين سوريين في عرسال

برزت قضية الموقوفين المتوفين لدى الجيش اللبناني إثر مداهمة مخيم في عرسال نهاية حزيران 2017. وتبعا لانتشار الخبر، أصدر الجيش اللبناني في 4 تموز 2017 بيانا حول وفاة 4 منهم، مؤكدا أن التحقيقات أثبتت أنهم ماتوا نتيجة عوامل طبيعية، مع نفي أن يكونوا تعرضوا للتعذيب. وفيما امتنعت النيابة العامة العسكرية بداية عن مباشرة أي تحقيق في هذا الشأن، عادت ووضعت يدها على الملف، بعدما لجأ ذوو المتوفين إلى القضاء العدلي لحفظ حقهم بمعرفة أسباب الوفاة. ومن هذه الزاوية، بدا الدافع الأساسي لتدخل النيابة العامة العسكرية ليس إرادة جلاء الحقيقة، إنما قبل كل شيء إرادة سحب الملف من أي مرجع قضائي آخر. ففيما أذن القاضي العدلي للأهالي باستخراج عينات من جثث الأشخاص المتوفين ضمانا لحقهم بالمعرفة، أشار مفوض الحكومة العسكري السابق صقر صقر لمخابرات الجيش بوضع اليد على هذه العينات وإيداعها لديه على أساس أنه المرجع الوحيد الصالح للتحقيق في أسباب وفاة هؤلاء. وقد حصل إعلان وضع اليد على الملف بشكل احتفالي في فجر يوم 7 تموز 2017، بعدما دخلت عناصر المخابرات مستشفى "أوتيل ديو" لتنفيذ إشارة صقر. وفي اليوم التالي، عيّن صقر لجنة أطباء شرعيين للتحقيق في المسألة تحت إشرافه، ومن دون أن يكون للأهالي أي حق في المشاركة في هذه الاجراءات عملا بالأصول المتبعة لدى القضاء العسكري. ومنذ ذلك الحين، يسود الغموض حول ما توصلت إليه لجنة الأطباء. وما فاقم اللاشفافية في القضية هو موقف نقابة المحامين في بيروت التي استدعت شحادة للتحقيق معها حول ظهورها الإعلامي بمناسبة ملاحقتها من قبل عناصر في مخابرات الجيش، بالإضافة إلى بيان أصدرته النقابة في هذا السياق جعلت بموجبه أي تناول للمؤسسة العسكرية بمصاف "جرائم إرهاب". وقد أعربت "المفكرة" عن قلقها إزاء هذه التطورات بعدما بات الأهالي عاجزين عن الدفاع عن قضيتهم أمام القضاء بفعل أصول المحاكمات العسكرية التي تمنع تمثيلهم، وفي الآن نفسه أمام الإعلام بعدما تدخلت نقابة المحامين لإحكام الصمت.

 

حراك صيف 2015

يضاف إلى هاتين القضيتين، إفلات الأجهزة الأمنية من العقاب رغم ثبوت إفراط بعضها في استخدام العنف في مواجهة مظاهرات الحراك المدني في صيف 2015، بإقرار كل من رئيس الوزراء السابق تمام سلام ووزير الداخلية نهاد المشنوق آنذاك. وفي هذا الخصوص، أصدر هذا الأخير تقريرا ادعى فيه أن مجمل الأخطاء المرتكبة من العناصر الأمنية تتصل بمخالفات تأديبية وأن معالجتها تتم تاليا عن طريق الملاحقة التأديبية بمنأى عن المحكمة العسكرية. وعليه، وفيما اقتيد العديد من ناشطي الحراك إلى المحكمة العسكرية لقيامهم بأفعال تخرج عن اختصاصها كما سبق بيانه، شكل اختصاص هذه المحكمة وأصولها حصانة للعناصر الأمنية، تحول دون اقتياد أي منهم إلى المحاكمة.

 

يلحظ أخيرا أن القضاء العسكري استُخدم في إحدى القضايا ليس فقط لحجب مسؤولية الأجهزة الأمنية، ولكن أيضا لردع الضحية التي قد تجرؤ على التشكي منها. ففي قضية بقيت بعيدا عن الإعلام، قدّم ضابط في الأمن العام شكوى إلى مفوض الحكومة العسكري جان فهد (وهو رئيس مجلس القضاء الحالي) مدّعيا أن أحد اللاجئين العراقيين المحتجزين لدى الأمن العام قاومه بالشدّة. فسارع مفوض الحكومة إلى الادّعاء على هذا الأخير على أساس كلام الضابط من دون أي دليل آخر، وسارعت المحكمة العسكرية الدائمة إلى إدانته غيابيا وإنزال عقوبة حبس بحقه. عرف اللاجئ بصدور الحكم حين تمّ توقيفه على أساسه بعد سنوات من الإقامة نظاميا في لبنان. وإذ أبرز في سياق اعتراضه على الحكم إفادات تثبت أنه خضع لدورة تأهيل مخصصة لضحايا التعذيب لدى جمعية "ريستارت" مرجحا أن تكون الشكوى قدّمت ضدّه بعدما نما إلى علم الضابط أنه قد يشتكي ضدّه، اكتفت المحكمة العسكرية الدائمة بمدة توقيفه لثمانية أيام. وقد كشفت هذه القضية خطورة ما قد يصل إليه التماهي بين الأجهزة الأمنية والقضاء العسكري، إلى درجة تؤدي إلى قلب الأدوار تماما. 

 

المرونة في المحاسبة: حسابات سياسية بمنأى عن الضحايا

هنا نبحث وجها آخر للمرونة في مقاربة المسؤولية الجزائية وقوامه وضع إطار لها تلبية لمقتضيات سياسية. المثال الأبرز في هذا المضمار هو محاكمة العملاء بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي عام 2000. هذه المحاكمات، التي لم يشهد القضاء العسكري مثيلا لها من قبل، سواء لجهة عدد الأشخاص موضوع الملاحقة أو لجهة التهم الموجهة إليهم. فقد أظهرت الاحصاءات التي قام بها القضاء العسكري أن مجموع الموقوفين الذين أحيلوا على القضاء العسكري 6226 وأن عدد الذين صدرت في حقهم أحكام عن المحكمة العسكرية الدائمة من 23 أيار 2000 حتى 23 أيار 2002 كان 2886 محكوماً. وتشير "النهار" إلى أن 3122 من الموقوفين تم إخلاء سبيلهم من قضاة التحقيق العسكريين (ويرجح أن يكون المعنى من ذلك هو منع المحاكمة عنهم)، وإلى أن 176 منهم تركوا بسند إقامة نظراً إلى أوضاعهم الصحية والعائلية والاجتماعية فيما أحيل على النيابة العامة الاستئنافية في كل من الجنوب والنبطية 42. كما جرت محاكمات غيابية لعشرات من عناصر "الجيش الجنوبي"، بينهم مسؤولين في مجال الأمن، وصدرت أحكام في حقهم بينها 45 حكما قضى بالإعدام. وقد كان واضحا منذ البداية أن الاتجاه سيكون لتسريع التحقيقات والمحاكمة ومنح المتهمين أسبابا تخفيفية، وهو ما نقلته "النهار" عن مصادر من مجلس القضاء الأعلى. وقد بدت المحكمة العسكرية الدائمة في ظلّ ذلك وكأنها تنفذ تسوية سياسية ذات أبعاد طائفية، بين الجهات التي طالبت بالعفو بالنظر إلى ظروف الاحتلال، والجهات التي تمسكت بوجوب الاقتصاص من عملاء اسرائيل بالنظر إلى خطورة العمالة. بالمقابل، هنا أيضا، تمّ تغييب الضحية التي لم يتسنّ لها التعبير عن معاناتها أو مواجهة "جلّاديها"، ومعها الكم الأكبر من الأبعاد الحقوقية للجرائم المرتكبة من كثير من العملاء، عملا بقانون القضاء العسكري الذي يمنع تمثيلهم أمامها. 

 

هيبة الجيش

يتولّى القضاء العسكري النظر في أي تعرض للجيش أو مسّ بهيبته بمعزل عن مدى صحته، وذلك سندا للمادة 157 من قانون القضاء العسكري. وفيما تخالف هذه المادة القاعدة العامة التي تبرئ المتعرض للموظف العام في حال إثبات صحة الأفعال موضوع التعرض، فإن من شأنها أن تضع الأشخاص في محضر مؤسسة لها غالبا صورة منتفخة عن كرامتها (هيبتها)، على نحو يرشح أحيانا عن سلطوية فائقة تمنع أي نقد مهما كان محقا أو حتى أي مزاح يتصل بالجيش على قاعدة "بيناتنا ما في مزح". إحدى أحدث هذه الملاحقات وأكثرها دلالة على مدى انتفاخ الهيبة في هذا الشأن هي ملاحقة المواطن سلمان سماحة على خلفية ستاتوس كتبه على صفحة الفايسبوك بتاريخ 2 آب 2016 فحواه "مرتي متل الجيش اللبناني 24/24"، وهو ستاتوس يستعيد الشعار الذي كان رفعه الجيش بمناسبة عيده، لجهة جهوزيته 24/24. وقد تمّ الادّعاء ضد سلمان رغم أنه أوضح خلال التحقيقات الأولية معه أن الستاتوس إنما رمى إلى ممازحة زوجته من دون أن يقصد منه أي بعد نقدي أو سياسي للجيش. ويشار إلى أن محاكمة سلمان انتهت فيما بعد إلى تبرئته.

 

امتياز لمصلحة العسكر

يؤدي تكوين المحكمة العسكرية في غالبية أعضائها من ضباط إلى إثارة ارتياب مشروع لدى المدنيين الذين يُحاكمون أمامها بحياديتها، بخاصة في الحالات التي تنشأ فيها الدعوى المقامة ضدهم عن نزاع مع أحد العسكريين أو مع الجيش. وما يزيد من امكانيات حصول محاكمات مماثلة هو اتساع اختصاص القضاء العسكري ليشمل جميع الجرائم الجزائية المرتكبة من أحد عناصر الجيش أو ضده، بمعزل عن نوع الجرم أو مدى ارتباطه بالوظيفة العسكرية. وعليه، يتولى القضاء العسكري النظر في جرائم مثل الزنى أو العنف الأسري أو الاشكالات التي قد تحصل بين الجيران ... الخ، مع ما يستتبع ذلك من أوضاع غريبة.

والمثال الأشهر عن محاكمة من هذا النوع، هي القضية رقم 2769، والتي حوكم فيها الناشط الراحل نور مرعب بتهم تصل عقوبتها إلى ثلاث سنوات سجن في سنة 2008. وفي التفاصيل، تصادم نور مع عسكري يقطن في مبنى يعمل فيه، حول ترتيبات خاصة باستخدام المواقف المشتركة، وتطوّر الأمر إلى تلاسن ومشادة. فتحت الشرطة العسكرية تحقيقاً بالموضوع واستنتجت عدم مسؤولية مرعب في ما حصل. لكن قامت قيادة الجيش، وبشكل مفاجئ بأمر مرعب بدفع مبلغ 2.500.000 ل.ل. مصاريف وبدل تعطيل المعاون بالرغم من أنّ نور كان قد بادر إلى تقديم الشكوى بعد أن تمّ الاعتداء عليه. رفض نور تسديد المبلغ فتمّ الادعاء عليه أمام المحكمة العسكرية. فقام بإرسال كتاب إلى المحكمة ومفوض الحكومة لديها في 28 أيار 2010 يعلن فيها أنه لن يحضر جلساته. وأعلن في الرسالة "عدم شرعية المحكمة وعدم تعاونه معها وعدم حضوره جلساتها وعدم رضوخه لقراراتها". وقد بادر مرعب إلى فتح موقع إلكتروني (www.case2769.com) لنشر تطورات قضيته والملفات المتعلقة بها، مركزاً في حملته على خطورة المحاكم الاستثنائية وضرورة إلغائها. وفي 1 أيلول 2010، أصدرت المحكمة العسكرية حكماً بسجن نور لمدة شهرين وبتغريمه 100 ألف ليرة لبنانية. أعلن نور رفضه تنفيذ الحكم وأكدّ أنه لن يهرب من لبنان وسوف يضرب عن الطعام في حال سجنه. لم يُنفذ الحكم وانتحر مرعب في أيلول 2011. 

 

تأديب "المتمردين"

فضلا عن وظائفها المشار إليها أعلاه، نلحظ وظيفة أخرى تتمثل في تأديب "المتمرّدين" وهي تشكل الوظيفة التقليدية للمحاكم العسكرية. وفي هذا الإطار، رصدنا عدداً من الأحكام التأديبية الصادرة في حق عسكريين وعناصر في قوى الأمن الداخلي، في قضايا مختلفة، تتصل بالإهمال في تأمين الحراسة على مطلوب بموجب بلاغ بحث وتحرٍ أو أيضا تسهيل فرار سجناء أو الترويج للمخدرات في سجن رومية أو تلقي الرشوة أو التدخل والعمل لمصلحة أحد المرشحين بخلاف التعليمات العسكرية أو أيضا رفض الامتثال للأوامر العسكرية في مخيم خدمة العلم لأسباب تتصل بالمعتقدات الدينية. وتبدو هذه الوظيفة في تراجع، في ظل تضمين قوانين ناظمة للأجهزة الأمنية اجراءات تسمح بإنزال عقوبات بالعناصر المخالفة، بقرارات من قيادات هذه الأجهزة، من دون المرور بالمحكمة العسكرية.

 

حماية المجتمع من الإرهاب

قد تشكل وظيفة القضاء العسكري في ملاحقة الإرهاب سند مشروعيته الأكثر نجاحا. فسرعة هذا القضاء في إصدار أحكام سريعة ضد "الإرهابيين" تولد مشاعر طمأنينة عامة على قدرة الدولة على مواجهة خطر الإرهاب الداهم. وبقدر ما يتزايد خطر الإرهاب، بقدر ما يبرز المدافعون عن صلاحيات القضاء العسكري وظيفته هذه للتأكيد على مشروعيته، وعمليا لحجب كل المساوئ التي قد تنجم عن وظائفها الأخرى المشار إليها في هذا المقال. وقد لفت رئيس مجلس القضاء الأعلى جان فهد في مقابلة مع إذاعة "الأمم المتحدة" إلى ازدياد ملفات الإرهاب بحيث أشار إلى أنه في العام 2012 كان هناك 27 ملفا إرهابيا، في العام 2013 كان هناك 46 ملفا إرهابيا، في العام 2014 وصل العدد إلى 310 ملفات، أما في العام 2015 فأصبح العدد 430 ملفا إرهابيا". وفي السياق نفسه، أكد رئيس المحكمة العسكرية السابق خليل ابراهيم "أن هزيمة الإرهاب بالأسلحة فقط لا تكفي، بل لا بد من محاكمة عادلة ومن عقاب يناسب الأفعال المقترفة من قبل المتهم عند ثبوتها. وانطلاقا من هذه الحقيقة، يأتي دور المحكمة العسكرية في تطبيق القانون ولكي تشكل الرادع الأساسي والحلّ الأنسب للقضاء أو لحصر انتشار الارهاب الذي لا يترك وسيلة إلا ويستخدمها للوصول إلى أكبر شريحة من البشر". وقد بدا واضحا أثناء المناقشات النيابية حول اقتراح قانون مكافحة التعذيب تمسك غالبية النواب بصلاحية المحكمة العسكرية في التحقيق في قضايا الإرهاب بفعل سرعتها (رئيس مجلس النواب نبيه بري) أو أيضا عدم تأثرها بالتدخل السياسي والحزبي (النائب نواف الموسوي) وفق آرائهم. وقد نقل الصحافي نقولا ناصيف في "الأخبار" رفض قيادة الجيش إلغاء المحكمة العسكرية في حين تبحث دول غربية في استحداثها في ظلّ تصاعد وتيرة العمليات الإرهابية. فـ "لا بديل من استمرار المحكمة العسكرية التي يتمسك بها الجيش كمرجع هي الأقدر على جبه ملفات الإرهاب، على نحو مماثل للحرب الضارية التي يخوضها على الأرض ضدّ الإرهاب من الحدود الشرقية، وصولا إلى الحدود الجنوبية مع اسرائيل".

وتعليقا على ذلك، يجدر ابداء ملاحظتين: الأولى، أن التدقيق في عدد من القضايا حول فعالية القضاء العسكري في مكافحة الإرهاب وصدّه للتدخلات السياسية يصطدم بنتائج مناقضة تماما لما يدّعيه، كما يستشف من قضية الحكم المخفف في قضية ميشال سماحة أو أيضا من قضية الإفراج عن أحد أخطر المطلوبين في قضايا الإرهاب وهو شادي المولوي. والثانية، أنه بخلاف الدول الأخرى التي سعت إلى اعتماد أصول خاصة في قضايا الإرهاب أهمها تمديد مدة الاحتجاز أثناء التحقيقات الأولية أو تسهيل اجراءات التحقيق (من قبل النيابة العامة)، فإن الخطاب اللبناني اقتصر في هذا السياق على الدفاع عن اختصاص المحكمة العسكرية وكأنه يكفي بحد ذاته لتحقيق الغاية المنشودة. وقد يكون المبرّر الحقيقي للتمسّك بوظيفة القضاء العسكري في النظر في هذه الجرائم من دون استشعار أي حاجة لتعديل أصول البحث والتحقيق في هذا المجال، هو اختصاصه الآخر في محاكمة العسكريين بما فيهم المحققين الأمنيين وفي ضمان إفلاتهم من العقاب. ففي ظل حصانة كهذه، يتمتع هؤلاء بترسانة من الاجراءات التي قد يحتاجون إليها من دون أي ضوابط. 

 

نشر في العدد الخاص حول المحاكم العسكرية في دول المنطقة العربية.

النسخة اللبنانية

النسخة التونسية

 

 المر: التحقيقات كشفت عن مخطط تقسيمي يتلاقى مع ضربة عسكرية اسرائيلية للبنان، جريدة السفير. 9 آب 2001

 فرحة طاغية لدى العونيين المفرج عنهم. جريدة السفير، 22 آب 2001

 د. أدونيس العكره. عندما صار إسمي 16، خمسة عشر يوماً في الاعتقال. بيروت: دار الطليعة، 2003، ص. 97، 98.

 المرجع المذكور أعلاه، ص. 112، 113.

 علي الموسوي. محاكمة دفعتين من العونيين والقواتيين أمام المحكمة العسكرية. جريدة السفير، 8 آب 2001

 علي الموسوي. مذكرة توقيف بحق لطيف...والتحقيق مستمر مع الهندي. جريدة السفير، 15 آب 2001

 محكمة التمييز اللبنانية تقضي بـ«عدم صلاحية» القضاء العسكري في ملاحقة أنصار عون و"القوات". جريدة الشرق الأوسط، 4 أيلول 2001

 المرجع المذكور أعلاه

 غيدة فرنجيه وسارة ونسا. بعد مظاهرة 8 تشرين الثاني 2015، مجموع المدعى عليهم أمام المحكمة العسكرية: 54. المفكرة القانونية، 4 كانون الأول 2015

 غيدة فرنجية. أحكام بعدم الإختصاص والبراءة: القضاء العسكري يتنصل من قمع حراك صيف 2015. المفكرة القانونية، 19 أيار 2017

 المرجع المذكور أعلاه.

 فيفيان عقيقي. المحكمة العسكرية تصدر حكمها: البراءة لمتظاهري "لو غراي". جريدة الأخبار، 26 نيسان 2017

 نجيب فرحات. مشروع قانون المحكمة العسكرية: التشريع من دون منهجية ولا مبادئ. 14 شباط 2014

 رانيا حمزة، نقاشات معيبة في مجلس نواب لبنان: التعذيب عمل أمني، ومن دونه على الدنيا السلام، موقع المفكرة القانونية، 18/8/2017

 

 قضية الموقوفين المتوفين "خلف أبواب العسكرية"... أي مصداقية بعد إسكات محامية الدفاع؟ المفكرة القانونية، 25 تموز 2017

 المرجع المذكور أعلاه

   المرجع أعلاه

 

 6226 موقوفاً من الجنوبي منذ ايار 2000. جريدة النهار، 24 ايار 2002

 اجتماع قضائي برئاسة شاوول بحث تعجيل التحقيقات مع الموقوفين. جريدة النهار، 27 أيار 2000

 نزار صاغية. محاكمة العملاء أو محاكمة أمراء الحرب في المرآة. جريدة النهار، 5 آب 2000

 رانيا حمزة. كتب ستايتس لزوجته فاستدعته الشرطة العسكرية. المفكرة القانونية، 28 تشرين الأول 2016

 رانيا حمزة. تشبيه جهوزية الجيش بجهوزية الزوجة ليس جرماً: سلمان سماحة بريئاً بقرار عسكري. المفكرة القانونية، 27 أيار 2017

 بيان صحفي: شاب لبناني يعلن عدم شرعية المحكمة االعسكرية وعدم امتثاله لأوامرها ويهدد بالإضراب المفتوح عن الطعام. بيروت، 28 أيار 2010

 بيان صحفي: المحكمة العسكرية الدائمة في لبنان تحكم على ناشط حقوق الإنسان نور مرعب بالسجن شهران وغرامة مالية. بيروت، 2 أيلول 2010

 أحكام عسكرية ضد مطلقي النار ومخالفي التعليمات. جريدة الأخبار، 28 كانون الثاني 2010

 الادعاء على دركيين ومدنيين بتسهيل فرار السجينين زعيتر. جريدة النهار، 6 شباط 1996

 توقيف عنصرين أمنيين بالرشوة والاتجار بالمخدرات. جريدة النهار، 16 تشرين الأول 1996

  أحكام بحق عناصر امنية تدخلت بالانتخابات. جريدة السفير، 8 أيلول 2000

 السجن لمجندين من "شهود يهوه". جريدة السفير، 7 نيسان 2000

سجن مجند من "شهود يهوه" يتمرّد على الأوامر. جريدة المستقبل، 23 نيسان 2005

 القاضي اللبناني جان فهد: التحضير والحض على الإرهاب والقيام بأعمال من شأنها خلق فوضى أو تغذية النعرات الطائفية تعتبر أيضا أعمالا إرهابية. مقابلة مع إذاعة الأمم المتحدة، 11 آذار 2016

 المحكمة العسكرية ودورها في القضاء على الإرهاب. جريدة اللواء، 15 آذار 2016

 رانيا حمزة، مخيبر يسجل إنجازه الثالث في أقل من سنة: مجلس النواب يعاقب التعذيب شرط مراعاة المحكمة العسكرية، موقع المفكرة القانونية، 20 أيلول 2017

 نقولا ناصيف. الجيش: المحكمة العسكرية باقية، وليكفّوا عن المماحكات. جريدة الأخبار، 26 كانون الثاني 2016

 نزار صاغية، أبعد من المحكمة العسكرية في لبنان، ماذا تعلّمنا قضية ميشال سماحة؟ المفكرة القانونية، العدد 29، حزيران 2015.

 نزار صاغية، ظاهرة حرق الدواليب تخترق قصور العدل: "الحق في محضر العصبية"، المفكرة القانونية، العدد 5، تموز 2012.