في إطار عملها على إصلاح القضاء، رأت المفكرة القانونية أنه من الضروري أن يكون الرأي العام مطلعا على حجم الموازنة السنوية المخصصة للشؤون القضائية، ونسبتها من مجموع الإنفاق العام. وهذا الأمر يزداد إلحاحا في ظل سعي الغالبية النيابية إلى تخفيض مساهمة الدولة في الهيئات القضائية الوطنية بحجة أنها غير منتجة، وهذا ما حصل في إطار قانون سلسلة الرتب والرواتب بما يتصل بمساهمة الدولة في صندوق تعاضد القضاة. وقد شمل بحثها فترة (1997-2017)، علما أن آخر قانون موازنة أقره لبنان كان عند بدء الدراسة يعود إلى سنة 2005، وأن جميع عمليات الإنفاق والجباية كانت تتم منذ أول شباط 2016 خلافا لأحكام الدستور. وهذا ما أثبته القرار الصادر عن المجلس الدستوري في 22 أيلول 2017 بإبطال القانون بتعديل واستحداث الأحكام الضريبية. وقد استعانة لهذه الغاية بالباحث في العلوم الاقتصادية جورج الحداد.

رغم أهميتها، الدراسة هي الأولى من نوعها في هذا المجال. وهي تحدد مجموع النفقات المتصلة بالهيئات القضائية على اختلافها، علما أننا اعتمدنا تعريفا واسعا لهذا المفهوم. فأدرجنا ضمنه القضاء العدلي، القضاء الإداري (مجلس شورى الدولة)، القضاء المالي (ديوان المحاسبة) القضاء العسكري والقضاء الطائفي في فرعيه التابع للدولة (المحاكم السنية والجعفرية والدرزية) أو الذي يتلقى مساهمات مالية منها (المحاكم غير المحمدية). كما أضفنا ضمن الحساب حصة لبنان المالية في نفقات المحكمة الدولية (المحكمة الخاصة لمحاكمة قتلة الرئيس رفيق الحريري). من أهم النتائج التي وصلنا إليها، الآتية:

  1. إذا وضعنا نفقات المحكمة ذات الطابع الدولي جانبا، نجد أن نسبة النفقات القضائية من النفقات العامة بلغت وفق مشروع موازنة 2017 مستواها الأدنى خلال العقدين الأخيرين أي 0.47%، فيما أنها كانت بلغت أعلى مستوى لها في 1997 أي 0.64%. وإذا وضعنا جانبا القضاءين الاستثنائي والطائفي لما يشكلانه من خروج عن مبدأ القاضي الطبيعي، تدنت نسبة سائر النفقات من مجموع النفقات العامة أكثر لتصل وفق مشروع قانون الموازنة لسنة 2017 إلى 0.382%، علما أن نسبة نفقات القضاء العدلي والقضاء الإداري من مجموع النفقات العامة لا تتعدى 0.346% في السنة نفسها.
     
  2. إن مقارنة هذه النسبة مع الدول الأوروبية والدول المحيطة يظهر تفاوتا كبيرا لجهة تحديد الأولويات الوطنية. ففيما بلغت نسبة مجموع النفقات القضائية الوطنية في مشروع قانون الموازنة العامة 0.47% في سنة  2012، فإن معدلها أوروبياً بلغ في العام نفسه (2012)، 2.2% مع 5.7% لإيرلندا الشمالية كأقصى نسبة و0.6% للكسمبورغ كأدنى نسبة؛ أي أنّ أدنى نسبة أوروبية لدولة صغيرة كلوكسبورغ (يقل عدد سكانها عن عدد سكان بيروت دون الضواحي). كما يلحظ أن هذه النسبة تبلغ 0.9% في كلّ من "إسرائيل" وقبرص و1.2% في كلّ من تركيا وأذربيجيان في سالنة نفسها.
     
  3. إنّ التدقيق في طبيعة النفقات القضائية بين نفقات جارية/تشغيلية، أي تلك المرتبطة بتسيير عمل المحاكم ورواتب القضاة والموظفين والتعويضات وسائر النفقات السنوية المرتبطة بتسيير عمل أي المرفق العام، ونفقات استثمارية، أي النفقات المرتبطة بتحسين البنية التحتية للمحاكم وظروف عمل القضاة والبرامج التدريبية والإعدادية للموظفين، يُظهر غلبة واضحة للأولى بنسبة 97.9% من مجمل النفقات القضائية. وضعف النفقات الاستثمارية يعني شبه غياب لأية خطة إصلاح بنيوية على الصعيدين المادي والبشري في القضاء وضعف النفقات المُرتبطة ببرامج ومشاريع على المديَين المتوسط والطويل والهادفة لتطوير الكفاءة البشرية وعمل المحاكم.
     
  4. أن نسبة نفقات المحكمة الدولية التي يتحملها لبنان (49% من مجموع إنفاقها) تبلغ 31,28% من مجموع نفقات الهيئات القضائية وفق مشروع قانون الموازنة العامة لسنة 2017. بالمقابل، تبلغ نسبة إنفاق ديوان المحاسبة 4,27% ونسبة إنفاق مجلس شورى الدولة 3,75% ونسبة إنفاق القضاء العدلي 46,45% من مجموع هذه النفقات. بمعنى أن الدولة تخصص لديوان المحاسبة -وهو الهيئة القضائية المختصة للتدقيق في جميع حسابات الدولة اللبنانية وعدد كبير من البلديات وإدارات ومؤسسات القطاع العام القبلية والبعدية- أقل من سبع ما تخصصه للمحكمة الدولية، فيما تخصص لمجلس شورى الدولة –وهو الهيئة القضائية المختصة للنظر في جميع نزاعات المواطنين مع الدولة والبلديات أقل من تسع ما تخصصه لهذه المحكمة. وإذا عرفنا أن حصة لبنان المسددة عن هذه المحكمة تقتصر على 49% من مجموع إنفاقها، فيما تمول دول أخرى الحصة المتبقية، فإن ذلك يعني أن مجموع إنفاق هذه المحكمة يزيد بنسبة 35% عن مجموع إنفاق الدولة في القضاء العدلي، أي في مجمل الهيئات القضائية التي تتولى النظر في الجرائم والنزاعات المدنية... الخ. وبمعزل عن أهمية المحكمة الدولية والآراء المتناقضة حولها، فإن هذا الواقع يفضح تناقضا مريعا لدى القوى السياسية، سواء المؤيدة أو المعارضة لها. فالقوى المؤيدة بررت اللجوء إليها بأن العدالة هي أعلى وأهم من أي اعتبار آخر، وكان من المفترض وفق هذا المنطق أن تجهد لتطوير القضاء اللبناني على اعتبار أنه يشكل الضمانة الأساسية للعدالة مستقبلا. فيما أن القوى المعارضة بنت حججها على وجوب احترام سيادة لبنان وكان من المفترض وفق هذا المنطق أن تجهد لتطوير القضاء اللبناني على نحو يزيل الحاجة للجوء إلى القضاء الدولي ويجرد أي مطلب من أسباب وجوده. أما وأن الفريقين اتفقا على تخفيض نسبة إنفاق الهيئات القضائية الوطنية من مجموع الإنفاق العام فذلك يفضح تناقضا سافرا في مواقفهم.
     

يهم المفكرة القانونية أن تضع تاليا هذه الدراسة بمتناول الجميع إسهاما منها في الإضاءة على الشؤون القضائية وأملا بتعزيز مكانة القضاء ضمن الأولويات الوطنية ودوره.

 

يذكر أن المفكرة كانت نشرت سابقا أوراقها البحثية الآتية: