توطئة

في مركز وهبي البوري الثقافي بمنطقة 602 في بنغازي، يوم 25 سبتمبر2017، على تمام الساعة الخامسة مساء، عرض الفيلم الوثائقي عن الألغام في بنغازي. الفيلم من إعداد الإعلامية خديجة العمامي صحبة فريق من الإعلاميين المختصين، وبحضور لفيف من القوات المسلحة العربية الليبية "صنف الهندسة العسكرية"، وبرعاية كريمة من عديد من المنظمات المدنية المحلية[1] والدولية[2]. بمشاهدة الفيلم الوثائقي وسماع السادة الحضور من صنف الهندسة العسكرية، يتبين أن بنغازي آمنة الأطراف لكنها مريضة القلب. قلبها مصاب بسرطان خبيث يفت في جسدها ويحصد أبناءها، ولا أدل على ذلك من قول تلك الإعلامية الشجاعة "بنغازي تعوم في بحر من الألغام".

السلوك المجرم

اعتمدت الجماعات الإرهابية خلال معاركها في بنغازي على زرع الألغام والمتفجرات في الطرق والمباني والأحياء لإعاقة تقدم قوات الأمن نحوها وهي ما يطلق عليها بالاصطلاح العسكري مصائد المغفلين "booby traps". وبعد خسارتها للعديد من المناطق التي كانت تسيطر عليها، بدأ الأهالي النازحون العودة إلي بيوتهم ليجدوا أنفسهم أمام خطر جديد يهدد حياتهم. ويتمثل هذا الخطر في المصائد المضللة التي يعتقد من يراها أنها عادية جداً، وعند التقاطها تنفجر في يده. فمثلاً، وضع دبدوب مفخخ سرعان ما ينفجر في يد الكفل الذي يلتقطه. وإلى ذلك، اصطدم العائدون بأجسام غريبة في طرقهم، وفي مزارعهم، وفي بيوتهم، غالبها مخفي تحت باطن الأرض، أو بين الأغراض حتى لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة. عدو خفي ضرره جسيم، بعيد المدى؛ فهي تؤدي لإزهاق الأرواح، والإصابة بالعاهات المستديمة .

ومن مكان زراعة الألغام، يتبين أن المقصود هم المدنيون، ففي منطقة سوق الحوت تجد 7 إلى 8 ألغام في كل منزل. ويشار إلى أن أفراد الهندسة العسكرية لم يدخلوا  شارع جمال عبد الناصر بوسط البلاد، للمباني السكنية أو الخدمية، بسبب ألغام الشارع الرئيسي.

ضحايا الألغام

يعن للبعض أن يقول : الألغام شأن عسكري فهي سلاح عسكري موجه ضد عدو عسكري. لكن في حالة بنغازي، الأمر مختلف، فالألغام منسوجة بعناية في بيوت المدنيين، في غرف النوم في الأدراج الموجودة داخل الغرف في الغسالة، في حشو الدبدوب اللعبة. الضحايا من المدنيين من الأطفال والنساء والعمالة الوافدة. وليس أدل على ذلك من الإحصائيات الصادرة عن مستشفى الجلاء للجراحة والحوادث من خلال مسؤولة مكتب إعلام المستشفى "فاديا البرغثي". فقد أفادت بأن المستشفى استقبل تسعة قتلى وعشرة جرحى من المدنيين جراء ألغام أرضية، كان قد قضوا وأصيبوا في أماكن متفرقة بمنطقتي الصابري ووسط البلاد بمدينة بنغازي منذ 5 يوليو حتى 11 أغسطس. إن ضحايا الألغام الأرضية بمنطقتي الصابري ووسط البلاد «كانوا يتفقدون منازلهم ومحالهم التجارية وبينهم مصريان من العمالة الوافدة[3]». "فقد الطفل محمد طاهر الرملي (14 سنة) ساقيه جراء انفجار لغم أرضي في منطقة الصابري وقد أجريت له عملية بتر للساقين بسبب الإصابة البالغة التي تعرض لها أثناء لعب كرة القدم بعد عودتهم إلى المنطقة."[4] كما أن "المستشفى استقبل أربعة قتلى بينهم عامل تشادي مستأجر بمنطقة الصابري وتسعة جرحى من المدنيين إصاباتهم متفاوتة جراء الألغام الأرضية والعبوات الناسفة التي زرعتها التنظيمات الإرهابية خلال شهر سبتمبر الماضي[5].

القواعد الجزائية الحاكمة

لعل من المعلوم أن البحث عن القواعد الحاكمة يلزم النظر دولياً ووطنياً. ويشار هنا إلى أن ليبيا لم توقع على اتفاقية أوتاوا لعام 1997 والخاصة بالحماية الدولية من الألغام[6]، ويقتضي تاليا الضغط على مجلس النواب لغاية التصديق على هذه الاتفاقية. وفيما خلا الإعلان الدستوري المؤقت من أي قاعدة يمكن التمسك بها في مواجهة صانعي الموت بالألغام، فإن مشروع الدستور الجديد حظر الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب والإرهاب وجعلها جرائم غير قابلة للعفو أو التقادم وذلك في المادة 36 منه. وكذلك تضمن المشروع مواد تلزم الدولة بضمان دية القتلى عند عدم معرفة الجاني المادة 31، كما تلزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة لتعويض ضحايا النوازل من المواطنين والمقيمين إقامة شرعية بها في المادة 32.

إلى ذلك، يحتوي القانون الجنائي على عديد المواد العقابية القابلة للتطبيق في حالات زرع الألغام. فيمكن أن يعد الفعل استعمالا للمفرقعات في ارتكاب جريمة الاعتداء (197ع ل)، كذلك قد ينطبق الفعل على التجريم الوارد بالمادة (202ع ل) التي تجرم كل من ارتكب في أراضي الدولة فعلاً يرمي إلى التخريب أو النهب أو قتل الناس جزافاً بقصد الاعتداء على سلامة الدولة. وإذا خرج الفعل من أوصاف الباب الأول من الكتاب الثاني من قانون العقوبات الليبي المتعلق بالجنايات والجنح ضد المصلحة العامة، فلن يخرج عن النماذج التجريمية المنصوص عليها في الباب الأول من الكتاب الثالث من ق ع ل المتعلقة بالجرائم ضد آحاد الناس. ففي حال نتج عن فعل وفاة شخص، نكون أمام جريمة قتل عمد مع سبق الترصد والإصرار (م 368ع ل)، مع ملاحظة ما طرأ على المادة من تطور قانوني بسن تشريع القصاص والدية. وفي حال نتج عن الفعل فقد لإحدى الحواس أو إضعافها إضعافاً مستديماً أو فقد لأحد الأطراف أو فقد منفعته أو إضعافه أو تشويه مستدام في الوجه، فنكون أمام جريمة الإيذاء الخطير م 381ع ل، مع مضاعفة عقوبتها حيث أن الفعل باستخدام سلاح ومع سبق اصرار وترصد م 382 ع ل. وإذا ما انتقلنا للقواعد الجنائية الخاصة فمن البديهي أن يطابق الفعل التجريم المنصوص عليه في قانون حيازة الأسلحة والذخائر والمفرقعات رقم 7 لسنة 1981 والذي تقضي مواده بالعقاب على مجرد الحيازة. ولن نفاجئ إذا علمنا أن قانون رقم 3 لسنة 2014 بشأن مكافحة الإهاب قد عدّ زراعة الألغام عملاً إرهابياً بنص المادة الثانية منه.

فضلا عن ذلك، يستطيع أهالي القتلى والمتضررون من الأحياء المطالبة بالتعويض وفقاً للأحكام المنصوص عليها في القانون المدني الليبي. ومنها المادة 166 التي تنص على أن كل من أخطأ و سبب ضررا للغير يلزم بالتعويض. كذلك المادة 181 التي تنص على أن كل من تولى حراسة أشياء تتطلب حراستها عناية خاصة يكون مسؤولاً عما تحدثه هذه الأشياء من ضرر، ما لم يثبت أن وقوع الضرر كان بسبب أجنبي لا يد له فيه.

خطوات واجبة

أمام الواقع المأساوي، يتعين القيام بالخطوات الآتية:

  • مناشدة منظمة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى بتزويد صنف الهندسة العسكرية للبذلات الواقية وتزويدهم بالروبوتات المختصة والسماح باستيراد كاسحات ألغام، لا سيما إذا علمنا أن عنصر القوات العسكرية المختص لا يملك حاليا في مواجهة هذا العدو الخبيث سوى الأدوات الأتية: سكين مطبخ، زراديه "بينسة"، أداة تستخدم في قص السجاد "كتر"،
  • الطلب من منظمات المجتمع المدني الوطنية، بالمساهمة في عمل قاعدة بيانات دقيقة عن القتلى والمصابين بسبب الألغام،
  • إرغام المسؤولين عن زرع هذه الألغام على تسليم خرائطها فوراً لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا،
  • اتخاذ السلطة التشريعية الخطوات الضرورية للمصادقة على اتفاقية أوتاوا 1997 لأهميتها القصوى،  
  • اتخاذ السلطة التنفيذية الإجراءات اللازمة لإنشاء هيئة فنية تتولى شؤون الألغام تمثل فيها وزارة العدل والصحة والبيئة لتولي إصلاح البيئة ورعاية ضحايا الألغام وإنشاء مراكز لإعادة تأهيلهم جسديا ونفسيا وتأمين الملاحقة القضائية للجناة،
  • توعية المدنيين على مخاطر الدخول إلى المناطق المحررة حديثا من دون تصريح من القوات العسكرية،
  • مناشدة أصدقاء بنغازي في كل أرجاء المعمورة بالإنضمام إلى حملة هاشتاك # أزيلوا ألغام بنغازي.

 

نشر هذا المقال في العدد 9 من مجلة المفكرة القانونية في تونس

 


[1] منبر المرأة للسلام
[2] المجلس الوطني للعلاقات الأمريكية الليبية برئاسة الدكتور هاني شنيب
[3] أسماء الضحايا الذين قضوا جراء الألغام الأرضية وهم: (بشير سالم عبدالرازق، خالد فرج الخفيفي، محمد أحمد عبدالوسيع، أسامة أكرم المنفي، محمد طاهر محمد الزايدي، فوزي عبدالقادر المنفي، عبدالسلام سالم العماري، عبدالرحمن عبدالعزيز العوامي، رجب عمر الشركسي)، والجرحى هم: (سهيل مصطفى اجريبيع، شعبان محمد الفرغلي، محمود رمضان الفرجاني، محمد أحمد السنوسي، أحمد بلقاسم مفتاح، رمزي عبدالله بن سعود، علي عبدالله بن سعود، سالم عوض حمد، محمد مسعود العرفي). بنغازي - بوابة الوسط: سالم العبيدي ،الأحد 13 أغسطس 2017, http://www.alwasat.ly
[4] بنغازي - بوابة الوسط: سالم العبيدي، السبت 9 سبتمبر 2017, http://www.alwasat.ly
[5] أسماء ضحايا الألغام الأرضية والقتلى هم: «محمد عبدالقادر (50 عامًا)، وموسى عتيق خليفة، وبوبكر سعيد نجم، وصدام الفزاني»، والجرحى هم: «أحمد محمد الشيباني (16 عامًا)، ومحمد طاهر الرملي (14 عامًا)، وصالح موسى العقيلي (35 عامًا)، وأحمد سعد (45 عامًا) ونجله حسام (10 أعوام) وسندس الصالحين الخمسي (3 أعوام) وشقيقتها نعمه (15 عامًا)، وفرج محمد فرج (13 عامًا) وأميرة صالح عبدالحميد (16 عامًا)». بنغازي - بوابة الوسط: سالم العبيدي ،الأحد 1 أكتوبر 2017, http://www.alwasat.ly
[6] تظل "معاهدة أوتاوا" - التي تعرف ايضًا باسم "اتفاقية الأمم المتحدة لحظر استعمال أو تخزين أو إنتاج أو نقل الألغام التي تستهدف الأشخاص في كافة انحاء العالم"، إحدى أبرز المعاهدات في مسيرة الأمم المتحدة، وتلزم معاهدة "أوتاوا" الدول بإزالة التهديد الذي تمثله الألغام المزروعة في الأرض، ومخزونها من الألغام المضادة للأفراد خلال أربع سنوات، بالإضافة إلى تطهير جميع مناطق الألغام الموجودة تحت سيادتها أو سيطرتها خلال عشر سنوات. وفيما وقع على الاتفاقية 123 دولة في العام 1997، ارتفع عدد الدول الموقعة عليها إلى 162 دولة بحلول العام 2012.  وتشكل نسبة الدول الأعضاء في تلك المعاهدة، استنادًا على بيانات "الحملة الدولية لمنع الألغام"، 80% من إجمالي دول العالم، فيما لا يتعد عدد الدول غير الأعضاء في الاتفاقية 34 دولة، أبرزها الولايات المتحدة، وروسيا، والصين. الدول التي لم توقع على الاتفاقية هي: أرمينيا، أذربيجان، البحرين، الصين، كوبا، مصر، جورجيا، الهند، إيران، إسرائيل، كازاخستان، كوريا الشمالية، كوريا الجنوبية، قيرغيزستان، جمهورية لاو الديمقراطية الشعبية، لبنان، ليبيا، ميكرونيزيا، منغوليا، المغرب، ميانمار، نيبال، باكستان، فلسطين، روسيا، السعودية، سنغافورة، سريلانكا، سوريا، تونغا، الإمارات، الولايات المتحدة، أوزبكستان، فيتنام.