قبل الثورة، كانت الهيئات المستقلة العامة تؤدي دورين: فهي من جهة جزء من الديكور السياسي الذي يعتمد عليه النظام القائم للتغطية على طبيعته الاستبدادية، ومن جهة أخرى فضاءات توفر من خلال مناصبها، مكافآت لمن ثبت إخلاصهم للنظام أو لمن كانت هناك حاجة لشراء ولائهم. لم يترك النظام الاستبدادي بالتالي أي فرصة للهيئات المستقلة لتمارس أي شكل من أشكال الاستقلالية، فعابها ما عابه من ضعف في الثقة العامة. وتبعا لذلك، بحثت الحكومات الأولى التي تركزت بعد الثورة عن آليات من خارجها تتكفل بتقديم إجابة عن الأسئلة التي حاصرها بها الشارع الثوري وهي أساسا كشف منظومة الفساد وحقيقة انتهاكات حقوق الإنسان خلال مدة الحراك الثوري وكيف يتم  إصلاح الإعلام الذي أفسده الاستبداد. وقد ركزت في هذا الإطار ثلاث هيئات تم تقديمها للرأي العام على أنها مستقلة تمهيدا لتسليمها الملفات الحارقة. وتكونت هذه الهيئات الثلاث من اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق حول الرشوة والفساد[1] واللجنة الوطنية لاستقصاء الحقائق في التجاوزات المسجلة خلال الفترة الممتدة من 17-12-2010 إلى حين زوال موجبها[2] والهيئة الوطنية المستقلة لإصلاح الإعلام والاتصال[3]. فعليا، لم تمنح السلطة السياسية على ضعفها الهيئات التي ركزتها مقومات الاستقلالية بداية من تركيبتها. فقد اختارت الحكومة رئيسي اللجنتين المكلفتين بتقصي الحقائق وصاغت مراسيم إنشائهما في اتجاه يمنح الرئيسين المعينين صلاحيات واسعة، ومن ذلك حق رئيس  اللجنة في الاختيار الحر لأعضائها. فكان أن كرست  التجربة في بدايتها فكرة حكم الفرد للمجموعة في سياق يذكر بتصور الحكم في ماضي التجربة السياسية التونسية. كما  لم تنجح أول حكومة بعد الثورة في التخلص من تصور النظام السابق لدور الهيئات. فنزعت عنها كل صيغة تقريرية: وفي ما اكتفت بمنح هيئة الإعلام صلاحية إبداء الرأي الاستشاري، أسندت للجنتين الأخريين دورا حدوده الإعلام عن التجاوزات وإصدار التوصيات.

وقد تعين إذ ذاك انتظار ثاني حكومة بعد الثورة، لبدء إرساء هيئات مستقلة، على نحو مكن القوى الثورية من أداء دور هام من خلالها. النموذج الأول تمثل في إنشاء الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي[4]. وقد صاغت هذه الهيئة مشروعي مرسومين ختمهما رئيس الجمهورية وأرسيا هيئتين أخريين هما الهيئة العليا المستقلة للانتخابات[5] والهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري[6]. كما صدر خلال مرحلة الانتقال الديمقراطي مرسوم أرسى الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد[7]. وقد تميز تدخل القوى الثورية في إرساء الهيئات المستقلة بأمرين:

  • أولهما حجب صلاحية التعيين فيما تعلق بأعضاء الهيئات ورئيسها عن السلطة التنفيذية واستبدالها بالمجتمع المدني والمنظمات المهنية والسلطة التشريعية،
  • وثانيهما تدعيم اختصاص الهيئات بفرض عدم تدخل السلطة التنفيذية في مجال عملها.

وفيما تناغم المرسوم المحدث لهيئة مكافحة الفساد مع التطور الذي حصل على مستوى وظيفة الهيئات المستقلة، فإنه كشف عن نزعة محافظة تعارض هذا الاتجاه الثوري، كان عنوانها الأهم إسناد صلاحية تعيين رئيس الهيئة وأعضائها للسلطة التنفيذية ومنح الرئيس المعين صلاحيات تقريرية يؤدي إعمالها لتدعيم سلطته عليها.

في ثالث مراحل الانتقال الديمقراطي التي انطلقت بإرساء المجلس الوطني التأسيسي وانتهت بنهاية عهدته، تواصل اكتساح الهيئات المستقلة لمشهد السلطة العامة في تونس فكان ـأن رفعت خمس هيئات لمصاف الهيئات الدستورية[8] وهي الهيئات التي عرفتها اللجنة التأسيسية التي صاغت تصورها الدستوري بكونها[9] "تلك التي  تنشأ من أجل تحقيق أحكام وردت بالدستور  إما على مستوى المبادئ أو على مستوى هيكلة الدولة وتسند لها وظائف تعود بطبيعتها إلى مجال اختصاصات السلطة التنفيذية والتي يرى المؤسس أنه من الأفضل إسنادها لهيئات مستقلة لعدم ثقته في السلطة أو لتجنب إثقال كاهلها"[10]. كما تولى المجلس التأسيسي في إطار ممارسة صلاحياته التشريعية إصدار القوانين المحدثة للهيئة العليا المستقلة للانتخابات[11] والهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب[12] وهيئة الحقيقة الكرامة[13]، وهي هيئات ترك المجلس لأعضائه دور انتخاب مجالسها التي فرض لها سلطات تقريرية كاملة.

وخلال هذه المرحلة، شهد الخوف على استقلالية الهيئات المستقلة تحولا، بحيث انتقل من السلطة التنفيذية إلى "الأغلبية في المجلس التشريعي". وتحسبا لخطر استغلال الأحزاب الحاكمة لأغلبيتها النيابية لتعيين أعضاء بالهيئات المستقلة موالين لها، أرسى المجلس الوطني التأسيسي نظام دفاع قدّر أنه يحميها منه. وارتكز هذا النظام على استحداث لجنة فرز لكل هيئة مستقلة. تتكون هذه اللجان من عدد محدود من النواب يمثلون مختلف الكتل النيابية، وهي تتولى مهمة انتقاء أفضل المترشحين باعتماد التوافق كما ورد بالقانون المحدث لهيئة الحقيقة والكرامة[14] أو بأغلبية ثلاثة أرباع أعضائها كما ورد بقانون الانتخابات[15] أو بثلاثة أخماسهم كما تضمن قانون الوقاية من التعذيب[16]. وبعد اتمام هذه الانتخابات الأولية، تحال الترشحات المنتقاة للجلسة العامة ليتم التصويت عليها. وهنا يلاحظ أنه وبالنسبة لهيئة الانتخابات، فقد ضمن قانونها شرطا إضافيا تمثل في اشتراط الحصول  على أغلبية الأصوات المطلقة للجلسة العامة لمجلس النواب للفوز بالعضوية فيها. كما اشترط أن ينتخب رئيس الهيئة من بين أعضائها الذين يترشحون لهذا المنصب بذات النصاب من الجلسة العامة للمجلس النيابي.

وعند هذا الفاصل الزمني، بات مشهد الهيئات المستقلة مركبا بحسب طبيعتها من هيئات موروثة من الجمهورية الأولى، وهيئات مؤقتة نشأت خلال المرحلة الانتقالية الثانية، وهيئات دائمة تم سن قانونها الخاص وفق مقتضيات دستور الجمهورية الثانية وأرسي مجلسها فضلا عن هيئة الحقيقة والكرامة والتي تعد هيئة ذات طبيعة خاصة اعتبارا لتعلق عملها بفترة زمنية محددة. وبمعزل عن الفروقات الكبيرة بينها على كذا صعيد، تشترك هذه الهيئات في أن كان القيمين عليها شخصيات عرفت في الساحة العامة بمواقف لها أو بشغلها لمناصب هامة وفي كونها استفادت جميعها من مناخ الحريات الذي فرضته الثورة ومن ضعف السلطة التنفيذية لتفرض نفسها كجهات قرار مستقلة بصرف النظر عما إذا كان التشريع المؤطر لعملها يساعدها على ذلك او يعيق وصولها اليه.

على أرض الواقع وبعيدا عن هواجس المشرعين، ظهرت سريعا لدى أغلب الهيئات أمراض جديدة لم تكن النصوص القانونية تتوقعها وتمثلت أساسا (1) في روح الزعامة التي نقلتها لها الشخصيات العامة التي اعتلت مناصب الرئاسة فيها ولم تقبل بفكرة أن تكون المجالس المكونة في غالبها من شخصيات غير معروفة شريكا لها في سلطتها، (2) حبّ بهرج السلطة وامتيازاتها إذ لم يخفِ أعضاؤها سعيهم للاستفادة من مواقعهم لتحصيل امتيازات مالية وعينية تماثل ما يحصل عليه أعضاء الحكومة وتتجازوها في بعض الحالات بما يضاف لها من مبالغة في المشاركة في الندوات خارج البلاد التونسية ومن مظاهر بذخ في تصريف موازانات الهيئات و(3) في الهوس المرضي بالاستقلالية والذي بلغ إلى حدّ رفض الخضوع لأحكام القضاء.

وفي الجانب الآخر من المشهد، انتهت أول انتخابات رئاسية وتشريعية في ظل الجمهورية الثانية بنجاح رئيس للجمهورية يتمتع حزبه والأحزاب الحليفة معه بأغلبية مطلقة في مجلس نواب الشعب بما أشّر إلى تعافي السلطة التنفيذية من ضعفها وتوجهها نحو تقوية سلطاتها. إلا أنه ورغم ذلك، اصطدمت مساعي هذه السلطة إلى فرض برنامج عملها بالهيئات المستقلة في عديد المرات. فلم يكن بإمكانها أن تحقق مصالحة سريعة تنهي مسار العدالة الانتقالية الذي وعدت به في حملتها الانتخابية لتمسك هيئة الحقيقة والكرامة بتنفيذ عهدتها القانونية. كما تمسكت هيئة الإعلام بإدانة من اختار من المؤسسات الإعلامية أن يكون أداة دعاية حزبية، متمسكة بحصرية مهامها واستقلاليتها[17]. وبموازاة هذا الأمر، أدّى خروج أهم هذه الهيئات عن قواعد حسن التصرف وتحولها إلى إقطاعيات يحكمها رؤساء ذوي سلطة مطلقة لأزمة هيكلية داخلها، كان من أبرز آثارها إنهيار هيئة الحقيقة والكرامة بسبب ما استشرى فيها من فساد وتسلط وتحولها إلى مؤسسة شخص واحد يكاد كل نشاطها ينحصر في الدعاية الإعلامية.

وبالتالي، بدت أمراض الماضي التي حاول مؤيدو الهيئات كما أخصامها إخفاءها تحت شعارات متباينة (هوس الاستقلالية بالنسبة للمؤيدين والخوف على وحدة الدولة بالنسبة لأخصامها) وكأنها تُدخلها في خريف عهدها بشكل سريع بعدما كانت تعدّ عنوانا لثورة التصق مسماها بالربيع. ومن شأن هذا التطوّر أن يفرض التفكير مجددا في الهيئات المستقلة بعيدا عن رؤى الماضي وعقده.

نشر هذا المقال في العدد 9 من مجلة المفكرة القانونية في تونس.


[1] مرسوم عدد 07 لسنة 2011 مؤرخ في 18-02-2011
[2] مرسوم عدد 08 لسنة 2011 مؤرخ في 18-02-2011
[3] بموجب المرسوم عدد 10 لسنة 2011 مؤرخ في 02-03-2011
[4] أحدثت الهيئة بموجب المرسوم عدد 6 لسنة 2011 مؤرخ في 18 فيفري 2011 يتعلق بإحداث الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي  وانطلقت في العمل يوم 15-03-2011  وقد لعبت ما يشبه دور المجلس التشريعي  اذ يحدد الفصل الثاني من قانونها مجال اختصاصها في " السهر  على دراسة النصوص التشريعية ذات العلاقة بالتنظيم السياسي واقتراح الإصلاحات الكفيلة بتجسيم أهداف الثورة بخصوص المسار الديمقراطي، ولها إبداء الرأي بالتنسيق مع الوزير الأول حول نشاط الحكومة
[5] كما أحدثت بموجب المرسوم عدد 27 لسنة 2011 مؤرخ في 18 أفريل 2011 والذي يتعلق  بإحداث هيئة عليا مستقلة للانتخابات
أحدثت بموجب المرسوم  عدد 116 لسنة 2011 مؤرخ في 2 نوفمبر 2011 يتعلق بحرية الاتصال السمعي والبصري وبإحداث هيئة عليا مستقلة للاتصال السمعي والبصري
[7]أحدثت بموجب المرسوم الإطاري عدد 120 لسنة 2011 مؤرخ في 14 نوفمبر 2011 والذي يتعلــق بمكافحـة الفســاد
[8] هي هيئة الانتخابات وهيئة الاتصال السمعي البصري وهيئة حقوق الإنسان و هيئة التنمية المستدامة وحقوق الأجيال القادمة و هيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد وقد خصصت السلطة التاسيسية لدسترتها الباب السادس من الدستور الذي ورد مباشرة بعد باب السلطة القضائية وقبل باب السلطة المحلية
[9] تكونت صلب المجلس الوطني التأسيسي التونسي ستة لجان تأسيسية تكفلت كل واحدة منها بصياغة  باب من أبواب الدستور و منها اللجنة التأسيسية الخاصة بالهيئات الدستورية والتي صاغت المشروع الأولي لباب الهيئات الدستورية بدستور الجمهورية التونسية الثانية .
[10] الخاصة بالهيئات الدستورية  مؤرخ في 26-09-2012 صفحة 4 منشور بموقع مجلس نواب الشعب التونسي  التقرير الختامي  للهيئة التأسيسية
[11] قانون أساسي عدد 23 لسنة 2012 مؤرخ في 20 ديسمبر 2012 يتعلق بالهيئة العليا المستقلة للانتخابات
[12] قانون أساسي عدد 43 لسنة 2013 مؤرخ في 21 أكتوبر 2013 يتعلق بالهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب
[13] قانون  أساسي عدد 53 لسنة 2013 مؤرخ في 24 ديسمبر 2013 يتعلق بإرساء العدالة الانتقالية
[14] ينص الفصل 21 من قانون العدالة الانتقالية تحدث لجنة خاصة بالمجلس الوطني التأسيسي يرأسها رئيس المجلس أو أحد نائبيه، تتولى فرز ملفات الترشح والسعي للتوافق على أعضاء هيئة الحقيقة والكرامة  ......
يقع تمثيل الكتل والنواب غير المنتمين إلى كتل في تركيبة اللجنة الخاصة على النحو التالي
تختار اللجنة بالتوافق بين أعضائها خمسة عشر (15) مرشحا من بين الترشحات المقدمة إلى مكتب المجلس مع مراعاة مقتضيات الفصل 20 من هذا القانون، وترفع القائمة المتوافق عليها إلى الجلسة العامة للمصادقة عليها بأغلبية الحاضرين على ألا تقل عن ثلث الأعضاء
إذا لم تتوصل اللجنة إلى التوافق على كامل القائمة خلال العشرة أيام الموالية لاستكمال الفرز الإداري تحال ملفات كل المترشحين المستوفين للشروط على الجلسة العامة للتصويت بأغلبية ثلاثة أخماس أعضاء المجلس في دورتين، فإن تعذر فبالأغلبية المطلقة، ويتم اختيار أعضاء الهيئة من بين المترشحين الحاصلين على أكثر الأصوات
[15] ينص الفصل السادس من القانون المحدث لهيئة الانتخابات  يتم انتخاب أعضاء مجلس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات طبقا للإجراءات التالية:
يتم إنشاء لجنة خاصة صلب المجلس التشريعي تشرف على دراسة ملفات الترشح وفرزها و تتكون اللجنة الخاصة بالتمثيلية النسبية على أساس عضو عن كل عشرة نواب (10) مع اعتماد أكبر البقايا وعند تساوي البقايا بين كتلة وغير منتمين لكتل ترجح الكتلة
يترأس اللجنة الخاصة رئيس المجلس التشريعي أو أحد نائبيه دون المشاركة في التصويت عند اتخاذ القرار .......
تتولى اللجنة الخاصة اختيار ستة وثلاثين (36) مرشحا على أساس أربعة (4) مرشحين عن كل صنف من الأصناف المذكورة بالفصل الخامس من هذا القانون باعتماد التناصف عن طريق التصويت بأغلبية ثلاثة أرباع أعضاء اللجنة الخاصة في دورات متتالية بنفس الأغلبية إلى حين اكتمال العدد
[16] ورد بالفصل 7 من قانون الوقاية من التعذيب "تختار الجلسة العامة للمجلس المكلف بالسلطة التشريعية من بين الترشحات المقدمة إلى اللجنة المختصة بالمجلس المذكور أعضاء الهيئة طبق الصيغ والإجراءات التالية....تختار اللجنة المترشحين بأغلبية ثلاثة أخماس (3/5) أعضائها
[17] قال رئيس الجمهورية التونسية باجي قايد السبسي في حوار له نشر بجريدة الصحافة يوم 07-09-2017 أن تونس “تعيش في ضوء نظام سياسي شاذ فيه من الحرص على استقلالية عمل المؤسسات حد التعطيل والشلل وفيه كذلك من إفراد بعض الهيئات المستقلة بصلاحيات استثنائية حد التغول على الدولة وعلى المؤسسات الدستورية”