بعد انتظارٍ دام عامين وثلاثة أشهر، وصلت المحاكمة في قضية جورج الريف أمام محكمة جنايات بيروت إلى خواتيمها، وقد تحدد موعد النطق بالحكم بتاريخ 21/11/2017. ففي الجلسة الأخيرة التي انعقدت بتاريخ 17/10/2017، ترافع وكيل المتهم طارق يتيم المحامي أنطوان طوبيا بعد استنكاف دام خمس جلسات، وبعدما عاد موكله عن مقاطعة المحاكمة. ويلحظ أن هيئة المحكمة قد تغيرت بموجب مرسوم التشكيلات الأخيرة، بحيث باتت الهيئة مكونة من القاضي طارق بيطار رئيسا والمستشارتين فاطمة ماجد وميراي ملاك.  

وللتذكير، تعود جريمة قتل جورج الريف إلى 17 تموز 2015، حين قضى الريف متأثّراً بجراحه بعدما تعرّض لعدة طعنات على يد المدعو طارق يتيم على خلفية إشكال حول أحقية المرور في منطقة الصيفي في بيروت أمام أعين الناس وفي وضح النهار. وقد اهتم الرأي العام بهذه القضية بعدما ثبت أن طارق يتيم كان تورط في جرائم أخرى لا تقل خطورة من دون أن يؤدي ذلك إلى إدانته. وعليه، علقت المفكرة آنذاك على القضية بقولها أن "التدخل في القضاء يقتل".

قرابة الساعة الواحدة والنصف، بدأت جلسة محاكمة "يتيم" الذي كما جرت العادة، أدخل إلى "القفص" وفق تدابير استثنائية. وحضرت الظنينة لينا حيدر وكانت قد تغيبت هي أيضاً في الجلسة السابقة. كما حضر عن الجهة المدعية وكيل العائلة المحامي زياد بيطار. وقبل أن يبدأ المحامي أنطوان طوبيا مرافعته المنتظرة، لفت إلى أن "الموضوع متشعب" وربما يحتاج إلى الاستمهال حتى تتطلع هيئة المحكمة على مضمونه أو أن تعاود "استجواب الشهود". فانتفض المحامي زياد بيطار قائلاً: "نعترض على هذا الكلام كفى مماطلة...الملف منتهٍ".

فّردّ طوبيا قائلاً:"بحكي ليش استنكفت لأن زميلي ما خلى حدا ما دخلو بالملف". وقد غمز بذلك إلى تدخل وزير العدل في الدعوى.

وبعد أن رأى القاضي بيطار أنه لم يعد هناك سوى مرافعة طوبيا طلب المباشرة بها دون أي انتظار. وتليت الأوراق علنا ثم سأل القاضي بيطار المتهم "يتيم" إن كان يكرر أقواله السابقة فأكد الأخير عليها. وكذلك فعلت الظنينة لينا حيدر. كما كرر المحامي زياد بيطار مرافعته.

ثم بدأ المحامي أنطوان طوبيا مرافعته والأنظار متربصة به، فالجميع كان يريد أن يرى كيف سيدافع عن موكله الذي شاهده الرأي العام على الملأ يجهز على رجلٍ و يضع حداً لحياته، ويترك أطفاله ايتاماً وبكل دمٍ بارد. والكل كان بانتظار المفاجآت التي وعد بها طوبيا في الجلسة السابقة والتي ستقلب الموازين كما قال وقتها.

طوبيا يخاطب القضاة ووسائل الإعلام

بدأ طوبيا كلامه بتوجيه الكلام إلى هيئة المحكمة أولاً ثم تابع حضرات الإعلاميين وحضرة الرأي العام، في سابقة تفرّد بها طوبيا في هذه القضية. وقد برر أسلوب الخطابة لديه هذا "بأن الرأي العام  كان له تأثير كبير في هذا الملف". فطلب منه القاضي بيطار أن يتكلم عن موكله فحسب.

ثم دخل طوبيا في مضمون مرافعته فاسترجع مجريات الحادثة وقال "ان هذه الحادثة تحتوي على حقيقة  لم يظهرها أحد. لا النيابة العامة أو قاضي التحقيق الأولي أو الهيئة الاتهامية". ثم دخل في سرد مجريات المطاردة التي حصلت قبل أن يهوي جورج الريف أرضاً متأثراً بضربات يتيم. وقال طوبيا:"أثناء المطاردة أجرت رلى أبو صالح اتصالاً بعمليات شرطة بيروت على الـ 112 وأخبرتهم أنها تعرضت لحادثة. فطُلب منها أن تأخذ رقم السيارة ولا تتبعها وهذا بحسب بيان صادر عن المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي. إلاّ أن رلى أبت واستمرت المطاردة، مع إطلاق الزمور بشكل لافت. وهنا استمرت لينا بالقيادة بسرعة هائلة حتى منطقة الجميزة وهي تعلم أن طارق فيما لو خرج ستكون هناك مشكلة كبيرة. ثم دخلت في زاروب مقفل فتوقفت وخلفها سيارة المرسيدس وترجلت رلى وزوجها من السيارة وكذلك فعل طارق وحصلت الحادثة".

تابع:"انا أسمي ما حصل حلقة مبارزة اختارها رولى وجورج لحادث يكلف 50 دولار ومسؤول العمليات قال لها ألا تتبعها".

أضاف:"أن بنية طارق الضخمة تختلف عن جورج النحيل ولو كانت القضية معكوسة ربما كان الوضع مختلفا".

وسعى طوبيا إلى التأكيد أن "يتيم"، لم يقصد القتل المتعمد لجورج. وتابع طوبيا موضحاُ: "ماذا نرى في الفيديو؟ نرى المتهم ببنيته الضخمة وعلامات الغضب الجسيم بادية عليه يضرب المغدور بيده اليسرى بينما يحمل في اليد اليمنى سكيناً ثم ينقل السكين إلى اليد اليسرى ليستمر بضرب جورج  بيده اليمنى العارية (...) لماذا لم يغرس نصل السكين في جسد المجني عليه والتأكد من موته كما هي العادة في جرائم القتل المتعمد؟ فمن الثابت أن جورج لم يفارق الحياة مباشرة إنما توفي في المستشفى... فلو كانت نية المتهم إزهاق حياة المجني عليه لكان قد طعنه بالسكين منذ بدء العراك بينهما وتأكد من وفاته قبل مغادرة مسرح الجريمة".

وكرر طوبيا:"عندما انتهت المبارزة التي اختارتها زوجة جورج رلى بنفسها والتي قضت على طارق ومنعته من الزواج هي تريد محاكمة لينا حيدر وتريد الإعدام لطارق ولم تترك هي والزميل أحدا ولم يشتموه و يتعرضوا له. إن سلوك رلى كان متوحشاً فقد عرضت إحدى القنوات الفضائية  فيديو الحادثة وهو يظهر رلى تضرب طارق من الخلف. في العادة أن المرأة تهدئ من روع زوجها لكن هي بالعكس فقد استلمت القيادة من طريق المطار حتى منطقة الجميزة حيث وقعت الواقعة".

طوبيا: المتهم ربي في ميتم وبات عدائيا ومضطربا نفسيا

ثم عرض طوبيا للخلفية الاجتماعية التي جاء طارق منها، وأظهر البؤس الذي مر به وأوصله إلى ما وصل إليه، فقد "رمي بالميتم منذ الصغر  ثم خرج منه في سن الـ 16 لا يعرف أحداً. كما تعرض للذبح من قبل المخابرات السورية تحول إثر ذلك إلى شخص عدائي ومضطرب نفسياً يشعر بأنه مكروه من المجتمع غير مرغوب به. وهو يعاني من داء الصرع ويدخن نحو 40 سيجارة حشيشة في اليوم. وقبل حصول الحادثة بأسبوعين أوقف بجرم التعاطي وتم إخلاء سبيله واشترطت النيابة العامة عليه أن يقدم فحوصات مخبرية تثبت امتناعه عن التعاطي فمر بحالة من الفطام على المخدرات جعلته يلجأ إلى الأطباء الذين وصفوا له أدوية مهدئة منها Prozac وAlprazolam و Zyprexa لكنها لم تكن كافية فأصبح يحتسي الخمور بشكل مفرط".

ثم استعاد طوبيا شهادة الأطباء الثلاثة الذين عاينوا "يتيم" وهم رامي ابو خليل وإيلي كرم وأحمد عياش ليبرر اضطراب طارق النفسي وأنه  "سريع الغضب والأدوية التي يتعاطاها تفعل الكثير فيما لو تم تناولها إلى جانب الكحول"، علماً أن ما أكد عليه هؤلاء الثلاثة في جلسة الاستجواب أن طارق كان بكامل وعيه ولكن لم تكن لديه نية "القتل".

وذهب طوبيا أبعد من ذلك ليحمل المستشفى سبب وفاة جورج الريف حيث قال:"لم ينوِ طارق قتل جورج. أن الموت حصل في المستشفى بتقصير منها".  

وتابع:"أود أن أسأل الرأي العام الذي يطالب بإعدام طارق ماذا تعرفون عنه؟ أن من يجب محاكمته هي زوجة جورج الريف التي لم يتطرق أحد لسؤالها لماذا لم تردعي زوجك عن المطاردة؟".

ولم يقف، عند هذا السؤال بل وجه اتهاماً مباشراً لرلى والمرحوم زوجها "بامتهان حوادث المرور" وبأنهما اعتادا على افتعال الحوادث وابتزاز الناس مقابل المال. وقد قدم مستنداً إلى هيئة المحكمة كناية عن محضر لحادث سير لهما في مخفر في برج حمود. وقد رفعا دعوى على قاصر ووالده في حادث مماثل، وقال طوبيا أنهما لم يتنازلا عن حقهما إلا بعد قبض مبلغ من المال.  

وتابع:" في كل جلسة يشتمون الناس أمام وسائل الإعلام، وفي آخر جلسة قبل الاستنكاف خرجوا من هنا وتوجهوا إلى مكتب وزير العدل الذي تحتاج أسابيع لتقابله، و"مش رح احكي أكتر من هيك. في سياسة بالدق". يقومون بالتشهير والوسائط لإعدام طارق وإظهاره كمجرم ولم تتجرأ النيابة العامة بسؤالها أي سؤال لماذا؟ لأن القضية انسانية".  

ثم أوضح طوبيا أن موكله "أحيل بجرم المادة 549 عقوبات التي تعاقب بالإعدام إذا أقدم القاتل على الجرم عمداً، فيما يوجب الفقه توفر عنصرين لتكوين القصد الجنائي في القتل: وهما العلم بأركان القتل والإرادة. فهل كان طارق يعرف جورج أو زوجته قبل حصول الحادثة؟ هل بينه وبين المغدور أية علاقة مهما كانت تجعله يقصد قتله أو يتعرض له أو يخطط لإزهاق روحه؟(...) من الثابت أن طارق لم يقصد ولم يتعمد قتل المرحوم جورج الريف  ولو كانت القضية معكوسة لكان طارق مكانه".

أضاف مكرراً: "أن المسبب بهذه المأساة هي رلى أبو صالح".

ثم ختم مطالباً بـ "منع المحاكمة عن طارق يتيم لناحية المادة 549 عقوبات وتغيير وصف الجريمة لما لديكم من صلاحية بذلك ومحاكمته بجرم المادة 550 عقوبات (من تسبب بموت انسان من غير قصد القتل بالضرب أو العنف أو الشدة أو بأي عمل آخر مقصود عوقب بالأشغال الشاقة في فترة تتراوح بين خمس وسبع سنوات)، وذلك استناداً إلى وقائع القضية وظروفها وعدم معرفته المسبقة بالمجني عليه جورج وكون نيته اقتصرت على ضربه دون توفر نيّة إزهاق روحه وانتفاء القصد الجرمي في القتل. فالمجني عليه هو الذي طارد المتهم الذي هرب منه وهو استفزه بصدم السيارة التي كان يستقلها مع الظنينة من الخلف عدة مرات وهو الذي ترجل من سيارته لافتعال مشاكل معه وأن المتهم نادم على أفعاله التي أقدم عليها بحالة غضب شديد ولم يكن يتوقع نتائجها".

وعند الانتهاء من المرافعة، سأل ممثل النيابة العامة القاضي زاهر حمادة طارق إن كان يتعاطى أنواعا من المنشطات الرياضية لعضلاته. فأجاب طارق بالنفي. ورد طوبيا بأنه "يتعاطى أدوية أضرب (بمعنى أقوى). علماً أن طوبيا قد ذكر في معرض مرافعته الخطية أن يتيم "كان يتعاطى بعض المنشطات والعقاقير المنمية للعضلات".

وسأل القاضي بيطار يتيم في ختام الجلسة: ماذا يطلب؟ فطلب البراءة من المادة 549 وبالتالي الشفقة والرحمة. كذلك طالبت لينا حيدر بالبراءة. ثم رفعت الجلسة بعد أن حدد تاريخ 21/11/2017 موعداً لصدور الحكم النهائي.