بتاريخ 16/8/2017 أقر مجلس النواب اللبناني قانون "تنظيم الشراكة بين القطاعين العام والخاص". وأثار مشروع هذا القانون جدلاً، بين مؤيد لهذا الشكل من التعاقد ومعارض له، خلال السنوات العشر الفائتة بعد طرحه من قبل رئيس مجلس الوزراء الأسبق فؤاد السنيورة للمرة الأولى عام 2007. في الإطار العام، يقوم مفهوم الشراكة بين القطاع العام والخاص على فكرة أساسية مفادها توزيع المخاطر بين الإدارة والقطاع الخاص. وهي بذلك تختلف عن الخصخصة التي يتحمل المستثمر بموجبها المخاطر على عاتقه. كذا تختلف عن الصفقات العمومية الأخرى التي لا تكون الدولة بموجبها شريكة، والتي تتحمل فيه الإدارة مخاطر المشروع وأكلافه منفردةً[1]. من هذا المنطلق، يعتبر قانون الشراكة اللبناني، في أسبابه الموجبة، أن هذا النوع من يشكل "تحفيزاً لتوظيف الرساميل في لبنان ولتنظيم المشاركة بين القطاعين العام والخاص". وذلك في ظل وجود "إيداعات كبيرة لدى المصارف واستعدادات محلية وخارجية لتنفيذ مشاريع وتمويلها". من جهته يؤكد البنك الدولي على هذه الإيجابيات. إلا أنه حذَر من هذه العقود بسبب أمدها وتكلفتها المرتفعة، مشيراً إلى انتشارها في البلدان ذات اقتصادات أقل نمواً وفي الدول النامية[2].

إلى ذلك، يرى إقتصاديون لبنانيون أن هذا القانون هو تحوّل أساسي للاقتصاد اللبناني. لكن أهميته لا تمنع بعضهم من طرح أسئلة عديدة على صيغة القانون اللبناني لما يتضمنه من بنود تثير المخاوف من تحوله إلى باب إضافي للاحتكار والفساد وهدر المال العام.

تعريف "الشراكة" بالقانون اللبناني

يعرّف القانون عقد الشراكة على أنه "مجموعة العقود والملحقات والتعهدات والضمانات التي تحكم العلاقة التعاقدية بين الشخص العام وشركة المشروع والأطراف الأخرى المعنية".

يجد الخبير الإقتصادي الأستاذ جاسم عجاقة أن "عدم تحديد أنواع العقود يترك المجال مفتوحاً للمفاوضات مع القطاع الخاص وهذا الأمر يخلق مُشكلتين: الأولى تتعلّق بقدرة ومهارة المفاوض العام والثانية تتعلق بعامل الفساد". في هذا الإتجاه، يرى رئيس قسم "مجتمع وإقتصاد" في صحيفة الأخبار محمد زبيب أن القانون اللبناني "منح امتيازات تشغيل وصيانة وإدارة إنشاء وتجهيز، أي بمعنى آخر شمل كل المشاريع من دون تحديد ظروف محددة لتولية تلك المشاريع للقطاع الخاص". وفي الاتجاه نفسه، يجد مدير عام إدارة المناقصات جون علّية أنه من "المفترض أن يوضع حد أدنى لتكلفة المشاريع التي تستوجب الشراكة، ذلك أن المشاريع متدنية الكلفة لا تستوجب الشراكة".

رقابة هشّة

يلغي قانون الشراكة الدور الرقابي لإدارة المناقصات. فهو يربط الصلاحيات التي تمارسها هذه الإدارة عادةً بالنسبة للصفقات العامة من مناقصات واستدراج عروض، بجهاز ينشئه القانون هو "المجلس الأعلى للخصخصة والشراكة"، وهو جهاز يرأسه رئيس الوزراء. إلى ذلك، ينصّ القانون على عدم خضوع "شركة المشروع" إلى رقابة ديوان المحاسبة (المادة 9 بند 4). كما ينص هذا القانون على أن قانون المحاسبة العمومية لا يطبق على العقود، في حال اعتماد الخبراء ومكاتب الاستشارات التي يتعاقد معها الشخص العام والمجلس الأعلى للخصخصة والشراكة، أنظمة خاصة بها (المادة 15).

بالنسبة لمدير عام إدارة المناقصات جون علّية، يشكل الإطار الرقابي المنصوص عليه في القانون مأخذاً أساسياً عليه. يقول في هذا المجال أن “جميع الأنظمة المالية مستوحاة من قانون المحاسبة العمومية، ونفقات المشروع تلحظ في موازنة الدولة، ما يجعل رقابة ديوان المحاسبة ضرورية على لجنة المشروع وعلى الشركة الخاصة على حد سواء". يضيف عليّة أن المطلوب هو "وحدة التشريع عبر تطبيق نظام مالي موحد تخضع له جميع الإدارات، كذلك الأمر نظام موحد للمناقصات، وذلك بدلاً عن وضع تشريعات جديدة لا تندرج تحت الآليات المطبقة على كل الإنفاق العام". ينتهي عليّة إلى القول أن "استبعاد دائرة المناقصات عن هذه المشاريع هو أداة أخرى لتقليص دورها".

من ناحيته، يبرر مصدر مقرب من "المجلس الأعلى للخصخصة والشراكة"، طلب عدم ذكر إسمه، "استبعاد دائرة المناقصات من القانون لكونها غير خبيرة في الشراكة بين القطاعين العام والخاص". وهو أمر سهل التفادي برأي علّية "من خلال تحديث أنظمة الإدارة لتغطية كل أشكال العقود التي تبرمها الدولة".

شفافية مزعومة

يكرس قانون الشراكة مبدأ الشفافية، وهو مبدأ أساسي وضروري في أي صفقة عامة، وذلك في المادة السابعة منه. فدفتر الشروط يمكن أن يتم تعديله، ولكن بحضور جميع الأطراف المعنية والشركات المهتمة بالمشروع والتي تنظبق عليها شروطه. إلا أن القانون نفسه، وفقاً لقراءة زبيب، ينتهك هذا المبدأ من خلال السماح "للجنة المشروع إجراء مشاورات مع الشركة الخاصة لتعديل دفتر الشروط". في هذا السياق، يحذر زبيب من أن يتم رفع مستوى الشروط لاستبعاد الشركات غير المرغوبة من ثم تعديلها على مقاس شركة معينة خلال المشاورات. وبذلك تكون هذه المرونة خطرة أكثر من أنها مفيدة".

في هذا المجال يوضح عليّة أن التفاوض يحتاج إلى "وجود مسوغ قانوني يسمح للإدارة بعقد مفاوضات مباشرة مع الشركة لتبادل الخبرات تحت رقابة ديوان المحاسبة"، أي وجود قانون يحدد المبادئ التي يجب على الإدارة إلتزامها خلال هذه المفاوضات حدود التفاوض.  لكن "لا يوجد هكذا تشريع في لبنان، ما يعني أنه لا يمكن للدولة اعتماد أسلوب التفاوض قبل أن تعدل نظام المناقصات" وفقاً لعلّية.

مدة العقد؟

تساؤل آخر يطرحه علّية، يرتبط بمدة العقد التي يمكن أن تمتد حتى 35 عام: "كيف يمكن أن يستوي التعاقد لهذه المدة في ظل تغير المعطيات الاقتصادية كل 10 سنوات؟". يستغرب عجاقة بدوره عدم تضمين القانون "أي شروط لإنهاء العقد مع الشريك في القطاع الخاص" مضيفاً "هذا الأمر يفتح المجال لكثير من المشاكل القانونية".

تكلفة مرتفعة

يحذر زبيب من الدعاية التي يسوق لها مبدأ الشراكة على أنها شراكة على المخاطر. إذ يشير إلى أن "الدولة غالباً ما تتحمل المخاطر السيادية والأمنية، بالإضافة إلى المخاطر المالية". فقد تتحمل "الدولة مخاطر ارتفاع المشتريات أيضاً مثل ارتفاع سعر النفط".

إلى ذلك يشرح زبيب مسألة ارتفاع التكلفة في عقود الشراكة انطلاقا من التفاوت في “الفوائد التي تترتب على الدولة عند الإستدانة". فالفوائد على ديون الدولة "تكون نسبتها منخفضة أكثر من تلك التي تترتب على القطاع الخاص". ما يفاقم نتائج هذا التفاوت هو "الوجه الربحي لعمل القطاع الخاص". فالأخير سيستوفي ما يتكبده من فوائد من الدولة، بالتالي "كلفة المشاريع تكون عالية".

رؤية إيجابية

في الوقت التي ترفض أكثر من جهة أغلب بنود هذا القانون، تدافع مصادر مقربة من مجلس الخصخصة والشراكة عنه. فهي تعتبر أن القانون إيجابي في ظل سوء التخطيط والإدارة في لبنان. وهي تتطلع إلى "مشاريع كبيرة مثال إحياء النقل العام والكهرباء وبناء مجمعات للوزارات ومستشفيات وغيرها". وهي ترجح نجاح الشراكة بين القطاعين العام والخاص في لبنان لسببين:

  • "السيولة المرتفعة لدى المصارف والتي من شأنها تمويل المشاريع الكبيرة".
  • "ارتياح القطاع الخاص لفكرة الشراكة على المخاطر بدلاً من الرأسمال والأرباح".

الى ذلك، من الأمور التي تراها هذه المصادر إيجابية أن "المشاريع لم تعد محصورة برأي الوزير المختص بل بآراءعدة وزراء ووجهات مختصة وفقاً لطبيعة كل مشروع". وهي تضيف أن "المشاورات التي تقوم بها لجنة كل مشروع مع الشركة الخاصة تؤدي لأخذ هواجس الشركات بعين الاعتبار". أخيراً تلفت هذه المصادر إلى "وجود مساعي لإنشاء (وحدة الشراكة) وهي جهة مختصة تضم خبراء ومختصين في شتى المجالات، وتكون قادرة على التفاوض مع المصارف والقطاع الخاص".

مقارنة مع التجربة التونسية

في نوفمبر 2015 صدر قانون يتعلق بعقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص في تونس. مقارنة القانون اللبناني مع نظيره التونسي تبين تفاوت في القيود التي فرضها المشرع في كلا القانونين. فالقانون التونسي يخضع عقود الشراكة لمبادئ الحوكمة الرشيدة، أي إلى النظم التي تحكم العلاقات بين أطراف العقد بهدف تحقيق الشفافية والعدالة ومكافحة الفساد. هذا بالإضافة إلى أن القانون التونسي تطرق بشكل مفصل إلى طرق إسناد العقود وإجراءاتها، إذ فنّد المعايير التي يتبعها الشخص العام لإسناد المشاريع. أبرز هذه المعايير "فوز العرض الأفضل إقتصادياً الذي يتصف بالجودة والنجاعة في الأداء والقيمة الجملية للمشروع والقيمة المضافة ونسبة تشغيله لليد العاملة التونسية ونسبة استعمال المنتوج الوطني وغيرها". كما لا يتيح القانون التونسي تجديد عقد الشراكة إلا في حالة القوة القاهرة، وذلك على خلاف قانون تنظيم الشراكة اللبناني. فالقانون اللبناني لم يشر إلى تجديد العقد ولا إلى طرق فسخ العقد، ما يعني أنه ترك الباب مفتوحاً أمام التجديد. اللافت أن القانون التونسي فنّد أيضاً أحكام نهاية عقد الشراكة على خلاف اللبناني. في المقابل، يمكن مقاربة القانونين في سعيهما إلى إجراء عقود شراكة على كافة المشاريع دون تحديد حد أدنى للتكلفة أو نوع معين من المشاريع. كما من ناحية أخرى، يقدم القانون التونسي فرصة التفاوض المباشر على عقود الشراكة في حالات معينة مثل تلك التي تتعلق بالدفاع الوطني والأمن العام. أيضاً، يفسح المجال أمام صاحب براءة الإختراع للتفاوض مع الشخص العام لتنفيذ مشروع معين، ضمن تقديم جدوى أولية للمشروع.

نشر هذا المقال في العدد 51 من مجلة المفكرة القانونية


[1] - الشراكة بين القطاعين العام والخاص: فرصة للنهوض بالاقتصاد اللبناني، د. أنيس بو ذياب، مجلة الدفاع الوطني اللبناني، العدد 99 كانون الثاني 2017، https://goo.gl/Kz7iRP.
[2]  مجلة التمويل والتنمية عدد سبتمبر 2016، https://goo.gl/UUPDpd.