من يقارن الصيغة الأخيرة لاقتراح القانون الرامي إلى "معاقبة التعذيب" والذي أقرته الهيئة العامة لمجلس النواب بالصيغة الأساسية التي كان قدمها النائب غسان مخيبر، يدرك سريعا أن القوى ذات الغلبة داخل المجلس النيابي تبقى حذرة ومترددة إزاء مكافحة التعذيب، وإن ارتضت أن تقفز قفزة هامة إلى الأمام. وقد تجلى هذا الحذر بشكل خاص في محلين:

  • بخصوص تعريف التعذيب، عمدت لجنة الإدارة والعدل إلى إدخال تعديل على الاقتراح الأساسي، مؤداه أن تكون هذه الأعمال قد تمت حصرا "أثناء الإستقصاء والتحقيق الأولي والتحقيق القضائي والمحاكمات"، وعادت من ثم لتضيف "في أثناء تنفيذ العقوبة". ويؤكد النائب غسان مخيبر أن هذه الفقرة وضعت بهدف الإحاطة في جميع مراحل التحقيق والمحاكمة والحبس وليس بهدف إخراج أي من أعمال التعذيب عن نطاق تطبيقه. وهذا أيضا ما يتماشى مع المنطق القانوني ومع تفسير اتفاقية مناهضة التعذيب والتي لا تميز قط بين فعل تعذيب وآخر. إلا أنه يخشى بالمقابل أن يؤدي تفسير عبارة "أثناء" إلى الحد من الإطار الزمني لهذه المادة. فهل نحن نتحدث عن الفترة الزمنية التي تستغرقها عمليات الاستقصاء والتحقيق والمحاكمة وتنفيذ العقوبة أم فقط عن المواعيد التي تدور فيها فعليا هذه الاجراءات، فيخرج عن المادة كل ما يحصل خارج هذه المواعيد؟
     
  • بخصوص الاختصاص في محاكمة أعمال التعذيب، أصرت الغالبية النيابية على إلغاء المادة التي تخرج صلاحية النظر في جميع جرائم التعذيب من اختصاص المحكمة العسكرية أو التي تعفي من الحصول على إذن مسبق. وفيما برر البعض (ومنهم رئيس المجلس النيابي) إلغاء هذه المادة بأنها لزوم ما لا يلزم على ضوء المادة 15 من قانون أصول المحاكمات الجزائية التي تولي القضاء العدلي النظر في أي تجاوز ترتكبه الضابطة العدلية في سياق التحقيق في جريمة، إلا أن هذه المادة لا تشمل أعمال تعذيب كثيرة كالتي تجري أثناء تنفيذ العقوبة أو خارج أي تحقيق.

يبقى أن إقرار القانون في هذه الظروف الدقيقة يبقى إنجازا هاما يبنى عليه. ولإدراك ذلك، يكفي النظر في مناقشات النواب الحاصلة بتاريخ 17/8/2017 والتي وثقتها المفكرة على موقعها.

نشر هذا المقال في العدد 51 من مجلة المفكرة القانونية