وقّع رئيس الجمهورية على قانون الرفق بالحيوان يوم الثلاثاء في 29 آب الجاري بعد إقراره في مجلس النواب التشريعية المنعقدة في 16 آب 2017، تمهيداً لنشره في الجريدة الرسمية. وقد تزامن هذا التوقيع مع افتتاح وزير الإعلام ملحم الرياشي العرض الرسمي للدلافين الذي يقام برعاية "سيرك دو ليبان" في مركز السيرك في منطقة النهر- الكرنتينا. ويجري هذا العرض بناءً على إذن صادر عن وزير الزراعة غازي زعيتر، قبل إقرار القانون، أي في ظل غياب نصوص تشريعية وطنية تعنى بهذا الشأن. 

في آذار الماضي، بدأ سيرك لبنان بالترويج لعرض الدلافين الذي سيقام في موسم الصيف. فأطلقت جمعيات الرفق بالحيوان حملة إعلامية توعوية واسعة حول مخاطر هذه العروض. حظيت هذه الحملة الإعلامية بتأييد كبير من قبل الناشطين على مواقع التواصل الإجتماعي. وقد نجحت الحملة مبدئياً بمنع العرض في شهر نيسان، إذ تداولت مختلف المصادر خبر إلغائه. لكن سرعان ما تبدلت الصورة، حين تبين أن خبر إلغاء العرض شائعة، وذلك بعدما قام سيرك لبنان باستقدام عرض الدلافين من مصر بالتعاون مع شركة "دولفينا شرم الشيخ".  فانطلق العرض الأول في وسط بيروت بتاريخ 9 آب واستمر حتى 20 آب، ثم انتقل إلى منطقة النهر في 29 آب. وبما أنّ الحملة عجزت عن منع العرض، تعمل الجمعيات على توعية المواطنين إزاء مخاطر هذه العروض بهدف مقاطعته، كوسيلة للضغط على الجهة التي إستقدمته لإيقافه.

اللافت أن افتتاح العرض الثاني تم برعاية وزير الإعلام ملحم رياشي، وذلك على الرغم من إقرار القانون الذي يحظر نقل الحيوانات بهدف إستخدامها في عروض ترفيهية والسيرك، هذا من جهة. ومن جهة ثانية في ظل بروز موقف معارض لإقامة هذا العرض على لسان وزير السياحة أواديس كيدانيان. وكان الأخير قد عبر عن "رفض الوزارة لعروض الدلافين وأي نشاط آخر قائم على استخدام الحيوانات المعرضة للانقراض في مجال الترفيه ولأهداف تجارية".[1]  

خلافاً لكل ذلك، وصف الرياشي العرض بالـ "مميز"، مؤكداً أن الدلافين موجودة "في بيئة حاضنة ومناخ جيد، ضمن مواصفات عالمية لحمايتها والحفاظ عليها والسماح لها أن تقوم برياضات مع مدربين عالميين، لتقديم أجمل عرض في تاريخ لبنان". وأضاف: "يجب ان تطمئنوا إلى أن هذه الدلافين موجودة في بيئة مناسبة". لينتهي الرياشي إلى شكر "كل من ساهم في إنجاح هذا المشروع". 

لا يتعارض هذا الخطاب فقط مع التوجه العام للرفق بالحيوان الذي كرسته الدولة أخيراً بإقراره للقانون، بل أيضاً مع آراء العديد من الناشطين والاختصاصيين في الأمور البحرية الذين قابلتهم المفكرة، من بينهم عضو مجلس الإدارة في جمعية "Beta" سيفين فاخوري، المدير التنفيذي لجمعية "Animals Lebanon" جيسن ماير، والقيمين على صفحة " Against Animals In Entertainment"، وإختصاصي في العلوم البحرية (أ)، تحفظ عن ذكر إسمه.

مشروعية العرض

تؤكد فاخوري أن "العرض اتبع الإجراءت القانونية لدخول لبنان مستحصلاً على إذن وزير الزراعة ورئيس بلدية بيروت". غير أن "اتباع الإجراءت القانونية لا يعني بالضرورة شرعية تقديم هذا النوع من العروض"، في إشارة منها إلى التزامات لبنان بموجب الإتفاقيات الدولية التي صادق عليها في هذا المجال. في السياق عينه، يعتبر ماير أنّ "العرض يتناقض مع إلتزامات لبنان الدولية". فقد انضمّ لبنان منذ عام 2013 إلى معاهدة CITES الدولية المتعلّقة بالتجارة العالمية لأصناف الحيوان والنبات البري المهدد بالانقراض. هذه المعاهدة تمنع استخدام الحيوانات المهددة بالإنقراض في العروض الترفيهة.
إلى ذلك يذكّر ماير سيرك لبنان بالإلتزام الذي عقده عام 2011. عندما أعلن "نحن نعتقد أن استخدام الحيوانات في السيرك لم يعد مقبولاً أخلاقياً. لذا لن نستخدم أي حيوانات في عملنا". كما أعلن السيرك أنه يدعم قانون حماية الحيوان لأن من شأنه "منع إستخدام الحيوانات في السيرك قبل وقوع مشكلة خطيرة"[2].

عروض تدفع الدلافين للإنتحار

معروف عن الدلافين طبعها الودودة وحبها للبشر. يهوى البعض مشاهدة هذه الحيوانات الذكية وهي تقوم بعروض بهلوانية من قفز ولعب بالكرة. ولكن هل تساءلنا يوماً ما الذي يحدث بعد إنتهاء العرض؟

يقول ماير أنّ "الدلافين حساسة وذكية تدرك أنها محتجزة، وظروف الاحتجاز القاسية تصيبها بالاكتئاب". هذا الإدراك، وفقاً لماير يجعلها "تفقد الأمل أحياناً ما يدفعها إلى الإنتحار". يعتبر خبراء أن إنتحار الدلافين "يشكل تصرفاً منحرفاً عن طبيعة الحيوانات المتمسكة بالحياة عامةً". في هذا الإطار، تستعيد فاخوري "قصة مدرب الدلافين Ric O'Barry الذي تحول إلى أكبر المناهضين لاحتجاز الدلافين واستخدامها في العروض الترفيهية. فقد "أدرك المدرب أوباري أنّ الدلافين بحاجة لأن تعيش حياتها الطبيعية في المحيط مع عائلتها، بعد حادثة انتحار الدلفينة كيتي بين يديه عندما توقفت عن التنفس". يشير أوباري إلى أنّ "الدلافين والحيتان كائنات لا تتنفس الهواء مثلنا تلقائياً، بل تبذل جهداً لتنفس الهواء. بالتالي يمكنها ببساطة أن تنتحر متى شاءت". ماهي إذاً الظروف القاسية التي تدفع الدلافين للإنتحار؟       

ظروف إحتجاز الدلافين

تؤكد فاخوري أن ظروف احتجاز الدلافين "صعبة جداً" كونها "بعيدة عن عائلاتها ولا تحظى بالقدر الكافي من السباحة". إذن يكفي أن يتم إبعاد الدلافين عن عائلاتها لتسخيرها في تقديم العروض الترفيهي حتى تصبح معرضة للإنتحار. في هذا السياق تثني صفحة "Against Animals In Entertainment" على كلام فاخوري وتضيف أنّ" إجبار الدلافين على العيش في الأماكن الضيقة يمكن أن يدفعها لاتباع سلوك عدواني، تجاه البشر وبين الدلافين أنفسها". حالياً، الدلافين محتجزة في بيروت في حوض سباحة مغلق وضعت فيه المواد الكيماوية لإبقائه نظيفاً. وبحسب (أ)، إن "استخدام المواد الكيماوية في المياه يؤثر سلباً على الإنسان والحيوان على حد سواء". وتستنكر في هذا الإطار صفحة "Against Animals In Entertainment" "وضع الدلافين في حوض سباحة قرب الطريق السريع الأكثر ازدحاماً في بيروت".
إن مسيرة معانات الدلافين الأسيرة لا تقتصر على ظروف الاحتجاز الصعبة. إنما تبدأ المعاناة لحظة صيدها. في هذا الإطار، ذكّرت فاخوري "بالفضيحة العالمية لصيد الدلافين التي عرضت في أفلام وثائقية مثل فيلم كوف والذي أظهر المجازر الجماعية التي تتعرض لها الدلافين خلال عملية صيدها. وهذا بهدف إخيار الصيادين لأجملها وإشراكها في العروض". نستنتج إذاً حجم العناء الذي تتكبده الدلافين من إرهاق شديد جراء نقلها من دولة إلى أخرى، لاختلاف الظروف المناخية والطبيعية التي تؤثر على حياتها.

مقاطعة العرض ينقذ الدلافين

تُستقدم الدلافين من موطنها الأصلي في المحيط، وتخضع للتدريب للقيام بحركات معينة. في هذا الإطار تشير صفحة "Against Animals In Entertainment" إلى أن "عروض الدلافين لا تعكس طبيعة الدلافين أو واقع حياتها. في الواقع، تعيش الدلافين بمجموعات في المحيط، وهي تسبح مسافات كبيرة يومياً، وتصطاد وتلعب". تضيف "يمكن لمن يرغب فعلاً بمشاهدة الدلافين زيارتها في المحيط. ليتعرفوا على حقيقة هذه الحيوانات الرائعة. بدلاً من مشاهدة عروض تزيف حقيقة الدلافين".   
يرفض الخبراء بشكل قاطع احتجاز واستخدام الدلافين في العروض الترفيهية، الأمر الذي يعبر عنه (أ) بالقول أن "الإنسان عاجز عن تأمين بيئة مشابهة للمحيط". ويضيف أن "عروض الدلافين، تشكل صورة من صور عبودية الحيوانات المجبرة على القيام بعروض كي تأكل وتبقى على قيد الحياة".
كل هذه المعاناة التي تتعرض لها كائنات حية تدفع ماير للتساؤل عما إذا كانت تسلية البشر تستحق تكبيد الدلافين كل هذا العناء. من هذا المنطلق يوضح ماير أن "الدلافين تتعرض لإرهاق شديد جراء نقلها من دولة إلى أخرى. كما أنّها مجبرة على تأدية عرضين في اليوم. وعلى التقاط الصور والسباحة مع الناس في الوقت المتبقي من النهار". عملياً "لا فائدة حقيقية إجتماعية أو ثقافية لهذه العروض التي تشجع على استعباد الحيوانات بغية الأرباح المالية".

من جهتها تعتبر فاخوري أن "حب المال يدفع الإنسان للتصرف بوحشية مع الحيوانات". مضيفةً "وحده المال يبرر صيد، بيع واستثمار الدلافين في العروض الترفيهية ". بالتالي مقاطعة هذا النوع من العروض، سيحمي الدلافين موفراً عليها كل ذلك العناء.

ثقافة حماية الدلافين عالمياً

تؤكد صفحة " Against Animals In Entertainment" أن "العديد من الدول حظرت هذه العروض، من بينها المملكة المتحدة وقبرص واليونان وكوستاريكا والهند". بالإضافة إلى أن "بعض الدول مثل فرنسا، حظرت تربية الأوركاس والدلافين في الأسر، تمهيداً لإنهاء عروض الحيوانات البحرية". يؤكد ماير ذلك قائلاً "التشريعات عالمياً تتجه للتشدد في مسألة عروض الحيوانات، فحوالي 60 دولة منعت هذه العروض بينما يتجه البعض الآخر لتنظيم هذا النوع من الأعمال بشكل يحدّ من انتشاره." إلى ذلك، يعد وضع معاهدة CITES الدولية منذ عام 1975 مؤشراً مهماً على تنامي وعي عالمي لأهمية المحافظة على الثروة الحيوانية. لا سيما أنّ 182 دولة وقعت على هذه الاتفاقية حتى كانون الثاني من عام 2017.

ملاحظة: توصي صفحة "Against Animals In Entertainment" بمشاهدة فيلمي بلاكفيش وكوف لفهم حقيقة معاناة الدلافين والثديات البحرية الأخرى في الاحتجاز. 

 

[1] - "جمعية حيوانات لبنان زارت كيدانيان ونقلت عنه رفضه عروض الدلافين وإستخدام الحيوانات المعرضة للإنقراض في الترفيه"، الوكالة الوطنية، 10 آب 2017.
[2 نشرت جمعية "Animals Lebanon"هذه المعلومات على موقعها الرسمي.