بعد صدور قانون جديد للانتخابات والحديث عن اجراء انتخابات نيابية عامة في مطلع السنة المقبلة لا بد من طرح مسألة مهمة لا يتم التطرق لها أو يغفلها الجميع سواء كان ذلك عن سهو غير مقصود أو عن تعمد مدروس: كيف يمكن اجراء انتخابات في ظل وجود مجلس دستوري منتهي الولاية؟

لا بد هنا من التذكير أن ولاية جميع أعضاء المجلس الدستوري الحالي انتهت في أيار 2015 بعد مضي ست سنوات على انتخابهم أو تعيينهم وهم يستمرون في تأدية عملهم وفقا لأحكام المادة الرابعة من النظام الداخلي للمجلس الدستوري (قانون رقم 243 تاريخ 7 آب 2000) التي تنص على التالي: "عند انتهاء الولاية، يستمر الاعضاء الذين انتهت ولايتهم في ممارسة أعمالهم إلى حين تعيين بدلاء عنهم وحلفهم اليمين".

وهذه ليست المرة الأولى التي يتمنع فيها مجلس النواب ومجلس الوزراء عن تعيين أعضاء جدد للمجلس الدستوري. ففي سنة 2003 انتهت ولاية نصف أعضاء المجلس الدستوري (أي خمسة من أصل عشرة) فلم تقم السلطات المختصة بتعيين بدلاء عنهم حسب ما تنص عليه المادة الثانية من قانون انشاء المجلس الدستوري. وقد سبق للمجلس الدستوري أن تطرق لهذا الموضوع، وحفظ اختصاصه بالنظر في دستورية القوانين عندما أصدر القرار رقم 1 تاريخ 21/11/2003 بشأن مراجعة إبطال القانون رقم 549 رغم أن هذه المراجعة وردت بعد انتهاء ولاية الأعضاء الخمسة. واستمر الوضع على هذه الحالة الغريبة إلى أن أثيرت قضية المجلس الدستوري من جديد بعد الانتخابات التي جرت سنة 2005، فقامت حملة سياسية استهدفت أعضاء المجلس الذين قرروا الاستنكاف ووقف حضور جلسات المجلس الدستوري ما شل عمله وأدخله عمليا بالفراغ.

وهكذا عاشت البلاد في ظل غياب كامل للمجلس الدستوري امتد من شهر آب 2005 إلى منتصف سنة 2009 عندما جرى تعيين الأعضاء الحاليين. وفور تسلمهم لمهامهم، نظم الأعضاء الجدد محاضر وفقا لما تفرضه أحكام المادة 37 من النظام الداخلي بالطعون العالقة أمام المجلس الدستوري والتي لم يتم البت بها في ظل فترة الاستنكاف بسبب انقضاء المهل. وأعلن التالي: "وبما أنه، ولئن كان النصاب مفقودا في المجلس الدستوري بتاريخ تقديم المراجعة الراهنة بفعل توقف خمسة من أعضائه المنتهية ولايتهم عن العمل بتاريخ 8/8/2005 إلا أنه كان على هؤلاء الأعضاء الاستمرار في ممارسة أعمالهم إلى حين تعيين بدلاء عنهم وحلفهم اليمين (...) وبما أنه يبنى على ذلك أن المجلس كان قائما وكان بوسعه إتمام العمل المنوط به وبالتالي النظر في المراجعة المقدمة إليه ضمن المهل المسقطة والمحددة" (محضر رقم 4 تاريخ 8/7/2009).

 جراء ما تقدم، يتبين لنا أن المجلس الذي انتهت ولايته يحق له الاستمرار في ممارسة اختصاصاته المختلفة لجهة مراقبة دستورية القوانين أو البت في الطعون الانتخابية. وبالفعل، أقدم المجلس الحالي على إصدار عدة قرارات بعد انتهاء ولاية أعضائه ولم يقم أحد بالتشكيك بها لا سيما أن الفراغ في المجلس الدستوري هو مخالف للدستور ولمبدأ استمرارية السلطات (قرار رقم 1 تاريخ 6/8/2005) .

 لكن السؤال الذي يطرح نفسه لا يتعلق فقط بمدى صلاحية المجلس لممارسة دوره بقدر ما يمس جوهر المجلس أي استقلالية الأعضاء والقدرة على الحفاظ عليها في ظل ولاية منتهية وغير مستقرة. فمن المعلوم أن تمتع القاضي الدستوري بولاية زمنية ثابتة تشكل له ضمانة فعلية وأكيدة لاستقلاليته وتتيح له ممارسة دوره بعيدا عن تدخل السلطة السياسية أو الجهة المختصة التي عينته أو انتخبته في موقعه. وهذا ما كرسته المادة الثالثة من قانون نظام المجلس الدستوري الداخلي عندما نصت على أن "مدة ولاية أعضاء المجلس ست سنوات غير قابلة للتجديد ولا للاختصار".

ولا يمكن بأي حال من الأحوال القبول بتبرير شكلي يستند إلى المادة الرابعة التي ذكرناها في مستهل هذا المقال كون أحكام تلك المادة هي استثنائية ومن المفترض أنها تطبق لفترة زمنية محدودة تداركا لأمر غير متوقع حال دون قيام المرجع الصالح بتعيين الأعضاء ضمن المهل القانونية، إذ لا يعقل أن تطول هذه المدة وتمتد لأكثر من سنتين حتى اليوم ما قد يعتبر ولاية جديدة وتمديداً مقنعاً. وما يفاقم من خطورة الأمر هو غياب أي مبرر أو سبب قانوني يفسر تمنع مجلسي النواب والوزراء عن انتخاب وتعيين الأعضاء الجدد ما يشكل مخالفة صريحة لقانون انشاء المجلس الدستوري ويضعف من استقلالية هذا الأخير. فقد باتت ولاية الأعضاء الحاليين عمليا رهن القرار السياسي الذي يتحكم بها إما تمديدا عبر تمنعه عن تعيين بدلاء أو اختصارا في حال قرر إجراء التعيين.

فهل يمكن إجراء الانتخابات النيابية العامة السنة المقبلة (أو حتى انتخابات فرعية) في ظل مجلس ولايته غير مستقرة ومهددة في كل حين؟ وما الذي يضمن من الناحية القانونية الصرفة عدم قيام السلطة السياسية مثلا بابتزاز المجلس الدستوري في حال أراد إبطال نيابة عضو ما أو حتى استباق هذا الإبطال بتعيين أعضاء جدد؟ أسئلة لا بد من طرحها كون الخطوات الإصلاحية التي أقرت في القانون الجديد للانتخابات تصبح دون جدوى في حال تمت العملية الانتخابية في ظل غياب لرقابة فعلية وشفافة يتولاها المجلس الدستوري في لبنان.