في السنوات العشر الأخيرة تحولت منطقة مار مخايل[1] في بيروت إلى نقطة جذب للمعارض الفنية والحانات والمحلات السياحية ولعاشقي السهر من اللبنانيين والسواح. فسرعان ما تغيرت ملامح المنطقة وتحولت من طابع اقتصادي حرفي يرتكز على النجارة والسكافة وغيرها من الحرف، إلى طابع خدماتي سياحي يرتكز على الحانات الليلية والمطاعم التي تفتح أبوابها إلى مطلع الفجر. وبالطبع، انعكست الأمور بشكل تدريجي على سكان المنطقة، وبدأ الوضع يرتد سلباً على حياتهم اليومية. فقد احتلت الضوضاء الأحياء الشعبية جراء أصوات الموسيقى الصاخبة، وزحمة سير خانقة في المساء. هذا فضلاً عن عدم ملاءمة شبكات الكهرباء والمياه لتوفير الخدمات لعدد هائل من المطاعم والحانات، الذي وصل إلى 70 تقريباً في العام 2017 بحسب ما أعلنت عنه مجموعة سكان مار مخايل. وقد وصل الأمر إلى انقطاع الكهرباء عن المنطقة لمدة عشرة أيام تقريباً في الآونة الأخيرة، بسبب الضغط المتزايد على الشبكة على حد قول السكان، في حين يلمح البعض منهم إلى مد أسلاك كهربائية غير شرعية لسرقة الكهرباء من قبل أصحاب بعض الحانات.

يقطن فؤاد (إسم مستعار)، وهو أحد سكان مار مخايل، في مبنى يحتوي على حانتين. يروي المعاناة اليومية والأزمات التي يواجهها وعائلته في المنطقة: "تبدأ المشاكل عند عودتي إلى المنزل، فأزمة السير على الطريق الرئيسي لمار مخايل خانقة بين الساعة التاسعة مساء والواحدة صباحاً. وشركات الفاليه باركينغ قد سيطرت على الشوارع، لا مكان قريب من المنزل لإيقاف السيارة. كما أن المحلات بدأت تضع حواجز غير قانونية على الشوارع لتمنع السكان من إيقاف السيارات. لاحقاً أجد موقفاً للسيارة بعيداً عن منزلي، أتمشى عائداً. حتى في الشتاء عند هطول المطر، لا حل آخر أمامي. عند الوصول إلى المنزل أحاول النوم إلا أن أصوات الموسيقى الصاخبة الصادرة من الحانتين في المبنى تمنعني من النوم. زلزال موسيقي يومي لا يهدأ حتى ساعات الفجر الأولى. أحاول التكلم مع مدير إحدى الحانتين، إلا أنه يمتنع عن التعاون معي. في السابق كان المدير يتعاون قليلا، أما اليوم ما عاد يكلمنا حتى. فاعتقدت أن الدرك قد يكون الحل الثاني: أطلب الـ 112، يأتي أحد عناصر الأمن فيأخذه المدير للكلام معه. أحاول استراق السمع. يتبين أن الرجلين ناقشا كل شيء إلا مشكلتي. تكلموا عن الرياضة وربما السياسة ربما أخبره قصة لكن طبعاً لم يطلب منه خفض الموسيقى. الدليل على ذلك أنه لم يحصل شيء بعد ذهاب القوى الأمنية. مصيري الليلة أيضاً هو أن لا أنام. وسأقوم في الغد من الفراش متعباً، سأتوجه إلى عملي كما كل يوم، متوتراً وغاضباً. وسأكرر الشكوى أمام زملائي في العمل. الكل يحسدني أني أسكن في قلب المدينة، لكن ما من أحد يحلم بأن يعاني مما أعانيه."

اعتمد الرجل مقاطعة جميع الحانات والمطاعم في مار مخايل، إذ أنه وجد أن الدخول اليها يعني أنه يساهم في استمرار المشكلة. يقول أن "المرة الوحيدة التي هدأت فيها الموسيقى هي عندما زار محافظ بيروت القاضي زياد شبيب المنطقة في أيار الماضي". يضيف "وقتها وعد شبيب بحل المشكلة أمام الإعلام وتبين لاحقاً أنه ما من شيء سوف يتحقق".

الحال لا يختلف عند باسم، فهو قد عاش معظم حياته في مار مخايل مع عائلته. لكنه لا يعتبر أن مقاطعة المحلات ستقدم الحلول. فالمطالب واضحة بالنسبة اليه. والحال أنه على البلدية ووزارة السياحة أن تفرض القوانين وتلزم أصحاب الحانات والمطاعم بها حسب رأيه. وفقاً لباسم، فإن الأهم هو فرض عقوبة على كل من خالف القانون، بالإضافة إلى التوقف عن إعطاء الرخص للحانات. يقول إنه سئم المعاناة من زحمة السير في المساء، فهو يحتاج لأكثر من 15 دقيقة للخروج من الحي. ثم يأسف الشاب العشريني على التحول الذي طرأ على منطقة مار مخايل. يقول: "منذ سنتين كان الوضع أفضل، على الأقل كنت أجد مكاناً جانب المنزل لأركن السيارة". ويشير إلى أن "معظم الأبنية قديمة ولا تحتوي على مواقف سيارات تحت الأرض، ما يعني أن الحلول مستحيلة بالنسبة لمواقف السيارات". يخطط باسم للزواج لكنه لن يكون قادراً على العيش في مار مخايل نتيجة ارتفاع أسعار الشقق والإيجارات أيضاً. إذ يتوقع أن يتوجه إلى خارج المنطقة بعيداً عن المكان الذي نشأ وعاش فيه.

من المسؤول؟

في 7 تموز، عقدت مجموعة سكان مار مخايل إلى جانب لجنة شؤون الأحياء في تجمع "بيروت مدينتي" مؤتمراً صحافياً في المنطقة على درج مسعد التاريخي. وقد أوضحت المجموعة في بيانها الموجه إلى وزارة السياحة وبلدية بيروت أنه "صباح يوم الجمعة في 12 أيار توّجهنا كوفد من "مجموعة حي مار مخايل" إلى محافظ بيروت وتقدمنا برسالة موّجهة إليه وإلى المجلس البلدي، وموّقعة من أكثر من مئتي شخص من سكان الحيّ". وأكدت الرسالة على أن أهالي مار مخايل يعانون منذ سنوات جراء دخول قطاع اقتصادي جديد إلى الحيّ يتمثل بالحانات والمطاعم التي وصل عددها إلى أكثر من سبعين حانة ومطعم". وأكد البيان أن المعاناة "ناتجة تحديداً عن عدم ضبط هذا القطاع من ناحية الحفاظ على حق السكان في الراحة والهدوء والعيش الكريم في حيّهم". وأشار البيان إلى أنه بعد زيارة المحافظ للحي الشهر الماضي اقتصر الأمر إلى حملة إعلامية دون أي نتائج ملموسة على الأرض.

وقد أعرب السكان عن غضبهم جراء تغير طابع الحي تحت ذريعة "لبنان بلد السياحة". فنتيجة تحول الحي من مكان كان يتجاور الحرفيون وأصحاب التجارات والصناعات الصغيرة إلى مكان تعج فيه المؤسسات السياحية من بارات ومطاعم، ارتفعت أسعار العقارات والإيجارات ما أدى إلى تهجير جزء لا يستهان به من السكان. هذا فضلاً عن الانتهاك اليومي لحق السكان بالنوم والراحة والوصول إلى منازلهم ليلاً دون عرقلة من حواجز نظام "الفاليه" المتسببة بزحمة سير خانقة، والتي تمنع السكان من ركن سيارتهم في الأماكن العامة. وقد رأى البيان أن الموضوع يتطلب أكثر من زيارة ليلية للحيّ، ويحتاج إلى تخطيط وآليّات عمل ومتابعة.

على خط مواز، رأت لجنة شؤون الأحياء في "بيروت مدينتي" في كلمة ألقتها المهندسة عبير سقسوق أن "المواجهات التي تحصل بشكل يومي بين الناس والتي صارت تصل إلى مستويات غير منظورة من التوتّر، هي ناتجة بشكل مباشر عن استقالة البلدية عن مسؤولياتها، ما يترك عندئذ السكان في مواجهة بعضهم البعض". وتتلخص هذه المواجهات "بين السكان وعاملي الڤاليه، وبين السكان وأصحاب الحانات الصاخبة، بين أصحاب الحانات وعاملي الفاليه، بين السكان والرواد، في أمور يقع على عاتق البلدية حلّها أو تنظيمها". أشار البيان إلى أن "المسؤولون عن هذا الوضع هم السلطات وليسوا الناس"، مع التأكيد على أن المشكلة تكررت نفسها منذ عشرين سنة، في مونو ومن بعدها في الجميزة والحمرا واليوم في مار مخايل. وفي جميع هذه الأحياء، كل طرف يرمي المسؤولية على الآخر.

وطالبت "بيروت مدينتي" أن "تتولى بلدية بيروت صلاحياتها الكاملة التي ينص عليها قانون البلديات بفرض ما يلزم من التدابير والوسائل الوقائية للمحافظة على راحة السكان، واستدراك ما من شأنه أن يمسها". وفقاً لبيروت مدينتي فإن الإطار القانوني هو الحل لا سيّما فيما يخص قراري وزارة البيئة الصادر عام ١٩٩٦ ووزارة الداخلية الصادر عام 2009. إضافة إلى ذلك، توجهت إلى المجلس البلدي في بلدية بيروت، طالبة منه "التعاون مع الوزارات والإدارات لاسترجاع دوره الأساسي في وضع سياسة شاملة تجعل بيروت مدينةً أكثر قابلية للعيش، وذلك بإصدار إطار تنظيمي متكامل لحركة الحانات وزائريها بما يصون حقوق سكان الأحياء ويحفظها".

لأجل تحقيق الحلول المناسبة رأت "بيروت مدينتي" أنه ينبغي على بلدية بيروت التوقف عن اعطاء التراخيص العشوائية للبارات في الزواريب، كما بين المنازل وداخل الشقق السكنية وعلى سطوح الأبنية. وفق البيان، فإنه من صلاحيات وواجبات المجلس البلدي أن ينظم النشاطات الاقتصادية وتوزيعها ضمن أحياء المدينة، بما فيها الحانات التي من المفترض أن تحدد المواقع المناسبة لها لما تسببه من إزعاج نفسي وضرر مادي لبعض سكان الاحياء.

ختاماً، يقتضي التذكير أنه سبق للمفكرة القانونية أن خصصت ملفاً مماثلاً في عدد سابق لها حول صراع سكان شارع المقدسي في الحمرا ضد الحانات في المنطقة وانتصارهم في تكريس حقهم في الراحة قضائياً.

 


[1]  أن نرسم بيروت من روايات مستأجريها، دراسة قام بها استديو أشغال عامة، نشر في المفكرة القانونية في تاريخ 27-02-2017.