إنتُخب شارل حلو رئيساً للجمهورية اللبنانية في سنة 1964 خلفاً للرئيس فؤاد شهاب. ووضع الإصلاح هدفاً لعهده وربط مصير العهد بنتيجة هذه الإصلاحات. فأعلن عام 1965 نيّته إجراء تطهير شامل للإدارة والقضاء من عناصره الفاسدة والكسولة.

وتنفيذاً لهذه السياسة، عمد مجلس النواب إلى إصدار قانون عدّل من خلاله تنظيم مجلس القضاء الأعلى في اتجاه منح صلاحيات استثنائية تخوّله صرف القضاة. وأفضى الأمر إلى فصل 16 قاضياً عن الخدمة في كانون الأول 1965 وشباط 1966 في سابقة لم تشهدها دوائر العدلية من قبل.

نتطرق في هذا العرض إلى حملة تطهير السلك القضائي، كما عرّف عنها المعنيّون آنذاك. فغالباً ما تطرح السلطة التنفيذية عناوين عريضة لإصلاح القضاء، لتكتفي من بعدها بمحاسبة عدد من القضاة من دون بذل أي جهد لإصلاح النظام المسؤول عن الخلل القضائي. واللافت أنّ النقاشات التي دارت خلال تلك الفترة ما زالت منتجة بالنسبة إلى إشكاليات اليوم، سواء لجهة استعادة أدوات الإصلاح نفسها أو للتشكيك بصحة الإجراءات المتخذة. لذا تبقى استعادة هذه المرحلة من تاريخ لبنان أساسية لكل من يعمل اليوم على الإصلاح القضائي سواء في لبنان أو في خارجه.

حملة التطهير 1965- 1966

تلقّى الرئيس حلو الدعم من معظم الكتل في مجلس النواب، بعدما شدد العديد من هؤلاء على أنه لم يعد من الجائز استمرار الوضع على ما هو عليه في قصور العدل، "لا سيما أن القضاة عرضة لاتهامات واسعة تتردد في مختلف المجالس السياسية والقانونية[1]".

وبناء عليه، بدأت حكومة الرئيس حسين العويني بدراسة مشروع يعطي لمجلس القضاء الأعلى سلطات استثنائية لفترة زمنية محددة لتطهير القضاء. فجاء ضمن هذه الاقتراحات:

  • "توسيع صلاحيات مجلس القضاء الأعلى.
     
  • إجازة نقل القضاة إلى الجهاز الإداري تمهيداً لصرفهم.
     
  • دعوة القضاة المنوي صرفهم إلى الاستقالة حفظاً على كرامتهم[2]".
     

أعدّ وزير العدل آنذاك نسيم مجدلاني المسودة الأولى لمشروع قانون التطهير بإشراف حلو. ووفقاً لذلك، اتفق مجلس الوزراء بحضور رئيس مجلس القضاء الأعلى بدري المعوشي ومدعي عام التمييز نبيه البستاني ورئيس هيئة التفتيش القضائي شوكت المنلا على طرح مشروع قانون بتعديل قانون تنظيم مجلس القضاء الأعلى. وأبرز ما جاء فيه:

  • إعطاء مجلس القضاء الأعلى بصفته هيئة خاصة النظر في أوضاع القضاة لجهة الكفاءة المسلكية أو العجز الصحي أو الأهلية لتولي القضاء تلقائيا أو بناء على طلب من مجلس الوزراء، على أن يكون له تبعاً لذلك إنهاء خدمة القاضي. وتتخذ قرارات الهيئة بالأكثرية المطلقة من مجموع الأعضاء الذين تتألف منهم الهيئة وبطريقة الاقتراع السري. وفي هذه الحالة، يرفع القرار فوراً إلى مجلس الوزراء الذي يكون عليه أن يبت به خلال مهلة عشرة أيام من تاريخ وروده على أمانة سر المجلس.
     
  • وفي حال انقضاء المهلة المذكورة دون البت به، يصبح هذا القرار نافذاً وخدمة القاضي منتهية حكماً دون حاجة إلى استصدار أي نص خاص، وتصفى جميع الحقوق المالية المستحقة للقاضي وفقاً للقوانين المرعية.
     
  • والأخطر من ذلك، اعتبر المشروع أن إنهاء الخدمة بالإستناد إلى هذه المادة لا يقبل "أي طريق من طرق المراجعة بما في ذلك طلب الإبطال لسبب تجاوز حدّ السلطة أو طلب التعويض عن طريق القضاء الشامل".
     
  • أتاح المشروع لكل قاض أن يطلب خلال مهلة عشرة أيام من نفاذه صرفه من الخدمة أو إحالته على التقاعد، على أن يكون لمجلس الوزراء أن يقبل الطلب أو يرفضه.
  • حدد تعويض القاضي في حالة صرفه من الخدمة على التقاعد بالاستناد إلى الأحكام المنصوص عليها أعلاه، بمبلغ يوازي راتبه الأساسي مع التعويض العائلي فقط عن أربعة أشهر.

وقد هدفت الحكومة من خلال مشروع القانون إلى إعطاء مجلس القضاء الأعلى صلاحيات استنسابية سمحت له بالتحكم ليس فقط بعمل القضاة بل بمصيرهم أيضاً. كما أنّ المشروع أغفل تماماً حق القاضي بالدفاع عن نفسه، وأقفل الباب أمام أية آلية تسمح بإبطال القرار أو مراجعته.

بدأت مناقشة مشروع تنظيم مجلس القضاء في مجلس النواب في أوائل تموز 1965. وقد تناول النواب العديد من النقاط المثيرة للاهتمام خلال الجلسات. وقد تمحورت أبرزها حول منح القاضي الحق بالدفاع عن نفسه ووضع قانون يأخذ في عين الاعتبار الشكاوى الحقيقية للرأي العام. فهذا الأخير يلوم القضاء على التأخير في الفصل في الدعاوى وعلى إطالة المحاكمات لسنوات. كما تمّت مناقشة دور التفتيش القضائي، وقد أجمعت المداخلات على أهميّة تفعيل دوره لحماية القضاء. وجاء في المداخلات أيضاً تأكيد على تصاعد وتيرة التدخّلات السياسيّة في القضاء بالإضافة إلى انتشار الفساد في العدلية، إن من خلال تنامي ظاهرة السيارات والمنازل الفخمة، أو تأجيل البتّ في بعض الدعاوى بطلب من أحد النافذين.

تطلب القانون أربع جلسات مناقشة في مجلس النواب بغية إقراره. وفيما حملت النقاشات الكثير من الاقتراحات القيّمة، والتي لا تزال موضوع نقاش حتى اليوم، صدر القانون كما طُرح في صيغته الأصلية بدون أيّ تعديل يُذكر. أُقرّ اذاً القانون في 19 تموز 1965 بالأكثرية فيما خالف النائبان جوزف مغبغب وناظم القادري، وامتنع كلّ من النائبين ألبير مخيبر وجان عزيز. استقالت حكومة العويني وبدأت المشاورات لتأليف حكومة تمثّل جميع الكتل النيابية فتحظى بالتالي بغطاء سياسيّ يسمح لها بتنفيذ عملية التطهير. وكلف حلو الرئيس رشيد كرامي في أواخر تموز 1965 تشكيل حكومة جديدة قادرة على توّلي مهام التطهير.

صدر القانون في الجريدة الرسمية في 9 أيلول 1965 وأُعطي "القضاة الراغبون في طلب صرفهم من الخدمة أو إحالتهم على التقاعد مهلة عشرة أيام – تبدأ من تاريخ 9 ايلول 1965 وتنتهي في 19 منه – بالتقدم بذلك[3]".

رفع مجلس القضاء الأعلى أوّل قرار في 17 كانون الأول 1965 والذي قضى بإنهاء خدمة 12 قاضياً، بعدما كانت تحدثت تقارير الصحف عن 23 قاضياً مرشحين للصرف.

ورغم اعتراض عدد كبير من النواب والوزراء على الأسماء المصروفة من الخدمة لأسباب سنعرضها لاحقاً، وافق مجلس الوزراء في الجلسة النهائية التي استمرت 13 ساعة، على إنهاء خدمات القضاة الذين اتخذ مجلس القضاء الأعلى قرارات بصرفهم. وقد صدر القرار بأكثرية أعضاء الحكومة[4].

وعليه، دخل قرار الصرف حيز التنفيذ بعد صدور المرسوم رقم 2452 في 19 كانون الأول 1965 الذي أعطى القضاة المصروفين الحقّ بالمطالبة بمعاش التقاعد او بتعويض الصرف من الخدمة.

وقد اعتبر رئيس الحكومة آنذاك أنّ المادة الثانية من قانون الإصلاح القضائي جعلت من مجلس الوزراء السلطة العليا في البت ومن حق المجلس ممارسة سلطته في ضوء ما يراه مناسباً. وقال رئيس الحكومة أنّ المشترع قصد من المحافظة على سلطة مجلس الوزراء تأمين أكبر نسبة ممكنة من العدالة في التدابير التي يقرها مجلس القضاء. وأضاف كرامي أنّ المعايير التي اعتمدها مجلس القضاء تقوم على ثلاث ركائز: عدم الأهلية، وعدم الكفاءة والأسباب الصحية. وتبيّن للوزراء بعد الإستماع إلى رئيس مجلس القضاء الأعلى أنّ أسباب الصرف في معظمها مسلكية تتعلق بممارسة المهام القضائية ولا تمس كرامة القاضي وشرفه. وحيث أنّ تقدير النواحي المسلكية يعود أساساً في ما يخص القضاة، لمجلس القضاء الأعلى.

لم تنجح الجولة الأولى من التطهير في إقناع الرأي العام بنية العهد بإجراء عملية إصلاح جدية. وحده رئيس الجمهورية حلو بقيَ مصراً على المضي قدماً رابطاً مصير عهده بمصير التطهير. أصرّ الرئيس على إشهار الشعارات الكبيرة وأكدّ أن العجلة انطلقت ولن تتوقف. "ولا مجال للتساؤل ما إذا كانت الوزارة الفلانية ستشهد تدابير إصلاحية أم لا. فكل وزارة بحاجة إلى إصلاح، سيتمّ اصلاحها[5]".

وطالب حلو بالإسراع مع بداية عام 1966 بإنجاز الدفعة الثانية من التطهير "نظراً لحالة القلق النفسي التي تسيطر على الموظفين وتجمّد نشاطهم[6]".

وكانت حال من الركود قد خيّمت على قصر العدل بعد إصدار مرسوم التطهير إلى حدّ توّقف الأعمال في بعض المحاكم. وازدادت الأمور تعقيداً بعد أنّ استحال على المعنيين ملء المراكز التي شغرت في ظلّ الشكوى من النقص في عدد القضاة في الأصل.

وبناء عليه، قرر مجلس القضاء الأعلى في 11 شباط 1966 صرف أربعة قضاة إضافيين: رئيس معهد تدريب القضاة خليل جريج وعضو المجلس العدلي سليم الترك ورئيس محكمة الاستئناف المدني وفيق الحسامي والحاكم المنفرد المدني في بيروت جميل أبو خاطر. وفهم أن الوضع الصحي هو وراء صرف البعض، وأن أسباب صرف البعض الآخر ليس فيها ما يمس بالنزاهة (تردد أن وراء صرف القاضي سليم الترك نشاطه الماسوني وعلاقته بالأكراد). وكشف رئيس مجلس القضاء أنّ هذه الدفعة هي الأخيرة وأنه يعتبر أنّ المجلس قام بواجباته.

وعلى الرغم من تحفظ الوزراء على الأسباب المقدمة لصرف القضاة وتشديدهم مجدداً على حق القاضي بالدفاع عن نفسه، إلا أنهم وفي النهاية وافقوا على قرار الصرف "مراعاة للمصلحة العامة[7]".

وبالفعل، توّقف التطهير عند هذا الحدّ. وما لبثت أن قدّمت حكومة كرامي استقالتها في نيسان 1966 لتؤكد أنّ التطهير توّقف وأنّ الإصلاح لم يكن سوى شعار رنّان.

المحاسبة والإستقلالية

تجدر الإشارة إلى أنّ المسؤولين ذكروا عند بدء الحملة أن في القضاء قضاة فاسدين، يتلقون الرشاوى ويؤخرون الأحكام كرمى لأصحاب النفوذ وأن إصلاح القضاء يتم من خلال تطهير القضاء وليس من خلال إصلاحات مؤسساتية. وقد شهدت عملية التطهير استباحة كاملة للقضاة من دون إبداء أي ملاحظات حول خطورة هذا الأمر وتأثيره السلبي على استقلالية القضاء وعلى أدائه. ولكن، بالعودة إلى المناقشات النيابية، يبدو من مداخلات عدد من النواب أن ما سمي فسادا قضائيا هو بالدرجة الأولى خلل في النظام السياسي، أساسه رواج التدخّل في القضاء، وبوجه خاص في عمل هيئة التفتيش التي وجدت نفسها ممنوعة عن التحرّك ضد القضاة المحميين، مهما تورّطوا في خدمة مصالح السياسيين.  

وفي هذا السياق، اعتبر النائب كمال جنبلاط أن الإصلاح الحقيقي يبدأ بمنع السلطة السياسية من التدخل في القضاء. فالتدخلات أدّت إلى تعطيل المؤسسات القضائية وبخاصة هيئة التفتيش القضائي، ما منع المساءلة والمحاسبة داخل القضاء. وعلّق خلال إحدى جلسات مناقشة قانون التطهير على "ضرورة التطهير في السلطة التنفيذية أيضاً" حيث جزم أن الفساد الحقيقي موجود بين رجال السياسة. فـ "أولئك أفسدوا القضاء وجعلوا منه مطية لغاياتهم ولأحقادهم السياسية ولمصالحهم المالية".

ورأى أن الإصلاح عملية طويلة مرتبطة بإعطاء المؤسسات القضائية صلاحيات إضافية وبالأخص التفتيش.

ولا بدّ هنا من الإشارة إلى ثناء جنبلاط على أداء القضاء الكفؤ والنزيه خلال فترة الإنتداب الفرنسي، حيث أشار إلى أنّ السلطة القضائية كانت تتمتع باستقلالية كبيرة وإنتاجية ملفتة[8]. وقد ربط تراجع الإنتاجية بدور التفتيش وبالتدخلات. فـ"أيام الانتداب الفرنسي، كان لا يجرؤ أي قاض مهما كان كبيراً بالدولة أن ينام على ملف ولو شهراً واحداً. فإذ ذاك، يلاحقه التفتيش ويسأله لماذا هذه الدعوى لا تزال في جاروره نائمة. فعلى الأقلّ، يجب أن يفعل ذلك في هذا البلد لأنّ القاضي بشري أيضاً ومعرّض للمسايرة. عندما تأتيه الواسطة من الشمال ومن اليمين، لا بدّ له أن يحفظ هذه الدعوى في الجارور إلى أيام ينقشع فيها الغيم السياسي الذي يجعل من فلان، نافذاً أكثر من فلان". وطالب جنبلاط أخيراً بوضع "شرعة شرف كنظام للسلوك الشخصي للقاضي فسلوكه الشخصي مرتبط بوظيفته ووظيفته فيها نوع من القداسة، يجب أن يتمشى في سلوكه الشخصي مع هذه القداسة التي تفرضها عليه وظيفته".

وما أن انتهت العملية حتى بدا واضحا أن صرف 16 قاضياً واعتبار أن هذه العملية نجحت في تطهير القضاء وإصلاحه هو في الواقع محاولة للتغاضي عن الأسباب الأخطر التي تكمن وراء إفساد القضاء والسماح بالتدخّل في أعماله. فالنصوص التي تجرّم التدخّل في القضاء بقيت على حالها ولم يتمّ حتى الرجوع إليها. ولم يحاول المشرّع وضع قانون يحمي القاضي من الضغوط التي تمارس عليه فلا يقدر على مواجهتها إلا بمناعته الذاتية. وبالتالي صوِّر القاضي في نهاية المطاف على أنه المسؤول الوحيد عن عمليات الرشوة والفساد والتلكؤ بإصدار الأحكام. وتم بالمقابل تبرئة ضمنية للنظام السياسي الذي هو المسؤول الأول وفق النواب أنفسهم.

وما يزيد هذا الأمر قابلية للإنتقاد هو التصريحات العديدة التي عزت عملية صرف قضاة كبار إلى مسعى العهد الجديد التخلص من قضاة كانوا محسوبين على العهد الأسبق (عهد كميل شمعون)، مما أعطى إنطباعا أن التطهير تم من باب الإنتقام والكيد السياسيين، بمعزل عن أي إصلاح مؤسساتي للمستقبل. ففي مداخلته في مجلس النواب، قال النائب الأب سمعان الدويهي أنّ هدف القانون الفعلي إقصاء المقربين من شمعون من القضاء وأنه "سيقضي نهائياً على ما اسماه قضاء، لأن القاضي سوف لا يتحرر، من الرئيس، ومن الوزير، ومن النائب، ومن المتمول، ومن صاحب النفوذ".

المحاسبة والطائفية

وعلى الرغم من تشديد المعنيين على احترام أسس الكفاءة العلمية والمهنية في التطهير، إلا أنه سرعان ما تبيّن أن مجلس القضاء طبق قاعدة ال 6/6 مكرر في عملية التطهير هذه. فقد جاء توزيع الصرف على الشكل الآتي: 6 مسيحيين و6 مسلمين.

وما أنّ عُمم النبأ في الصحف، حتى بدأت التدخلات والاعتراضات على خلفية طائفية ولا سيما لجهة صرف قضاة بارزين من طوائف معينة. فقد نقلت النهار أنّ الرئيس كرامي عارض صرف أحمد الأحدب، رئيس ديوان المحاسبة وخالد الحسن الحاكم المنفرد في بيروت أثناء تناول قرار مجلس القضاء في الحكومة. وفي الاتجاه نفسه، أصدر المجلس الإسلامي الأعلى إعتراضا على صرف 3 قضاة سنّة منهم رئيس ديوان المحاسبة، وتريث وزيران لاتخاذ موقف في الحكومة إلى حين استشارة المجلس المذكور. كما عبر الوزير علم الدين عن قلقه واعتراضه "على صرف أكبر قاضٍ درزي في الجمهورية اللبنانية دون أن يُسأل هذا القاضي أي سؤال حول صرفه، ودون أن يعرف الأسباب التي أدّت إليه[9]".

وقد عبر النائب أديب الفرزلي عن تشكيكه بإمكانية نجاح الإصلاح "طالما أنّ الجسم المسؤول عن تحقيقه قد شكل على أساس طائفي. "تصوّر أنكم ستشكلون مجلساً يطهر في القضاء ويشكل على أساس الطائفية. يجب أن يشكل على أساس الشرف، على الكفاءة، على أساس التاريخ النظيف للموظف الذي يقوم بعملية التطهير، والا ماذا يفيد؟"

بالمقابل، خرج كرامي ليطمئن الجميع بأنّ حقوق الطوائف محفوظة وأنّ "الموظف الذي سيعيّن في المركز الذي سيشغر يجب أن يكون من طائفة الموظف الذي نقل من هذا المركز أو صرف من الخدمة[10]". وقد جاءت طمأنته هذه لتعزز عمليا الطائفية داخل القضاء، وتمهد لتثبيت طائفية عدد من المناصب. كل ذلك باسم الإصلاح طبعا.

المحاسبة وحق الدفاع

لم يختلف خطاب الستينات عن ذلك الذي يبرز عند تشكيل أي حكومة جديدة منذ إنتهاء الحرب اللبنانية. فيتقدّم التطهير على أنه الطريق الأوحد للتخلّص من القضاة المتورطين بالفساد. ويتصاعد الخطاب المطالب بتطبيق المادة 95 من قانون القضاء العدلي التي تؤدي إلى عزل القاضي لعدم أهليته بقرار يصدر بغالبية ثمانية أعضاء (من أصل عشرة) في مجلس القضاء الأعلى بقرار غير قابل للطعن ومن دون تمكينه من ممارسة حق الدفاع عن النفس.

وقد اعتمدت الاستراتيجية عينها في تطهير الستينات حيث أقرّ قانون منع القاضي من الدفاع عن نفسه، ما أدّى إلى حملة اعتراض واسعة من قبل النواب والقضاة. لكن الإعتراض بقيَ في إطار الكلام حيث وافق النواب على القانون وعلى قرار صرف القضاة لاحقاً.

تساءل جنبلاط "كيف يعقل أن يتخذ مجلس القضاء الأعلى تدبيراً بصرف أحد القضاة ويدينه باتهامات مختلفة دون أن يستمع إلى أقوال هذا القاضي". وإذ أجيب بأن المجلس النيابي هو الذي أعطى هذه الصلاحيات لمجلس القضاء، ردّ جنبلاط بأنه من الواجب مراعاة الاعتبارات ولا شيء يمنع مجلس القضاء من التوّسع في تفسير القانون[11]. وقد عاد جنبلاط وكتب في افتتاحية "الأنباء" "ثم ما هذا التطهير الذي يفتي ويحكم وينفذ على أحدهم دون أن يسأل الرجل: "هل صحيح ما ينسب إليك، ويقال عنك، وتتهم به، أجب إن كنت بريئاً أو مجرماً وحاول أن تبرر نفسك؟" فإذا بالمقضي عليه حكماً غيابياً، وكما فعلوا في هذه الدولة، يستطيع أن يدعي وأن يقول لمن يسمع: "أنا بريء، لقد تحاملوا علي، أنا مظلوم، وإلا لماذا تهربوا من أن يسمعوا وأن يصغوا إلى دفاعي عن نفسي؟"

ومن اللافت ما ورد في مذكرات فيليب خيرالله لجهة أنّ الرئيس الحلو كان استعان برئيس مجلس شورى الدولة (الذي تم تطهيره فيما بعد)، في ما يجب أنّ يتضمنه قانون التطهير حتى تكون قرارات الصرف التي ستصدر، غير قابلة لأي مراجعة أو طعن. "وهكذا وُجد المشير أولى ضحايا إشارته. فلم يجد أمامه طريقاً للتظلم والمراجعة[12]".

وانفردت النهار بنشر رسالة للقاضي هنري شاغوري (وهو من القضاة الذين طالتهم حملة التطهير) هاجم من خلالها مجلس النواب الذي وافق على قانون تعسفي أدّت نتائجه إلى خلق أزمة سياسية واجتماعية. "القول أن التشريع الذي حاول مجلس القضاء الأعلى تطبيقه كان تشريعاً أبتر منافياً لبديهيات التشريع والعدالة، إنه تشريع تعسفي ظالم لا يجوز ولا يمكن تطبيقه. والعلة كل العلة تنحصر بالتشريع لا بمجلس القضاء الأعلى. فإن تشريعاً كهذا يجعل من كبار القضاة متهمين ومجرمين بحيث يتهمون سراً ويحقق في أمورهم سراً ويحاكمون سراً فيحكمون سراً دون أن يتاح لهم حتى الحق بمعرفة الموضوع برمته. لا يجوز اعتباره تشريعاً على الإطلاق وخير دليل على علة هذا التشريع ما نرى ونسمع ونقرأ في الأزمة الإنسانية والأزمة الضميرية التي سببها قرار مجلس القضاء الأعلى لا في الرأي العام والصحافة فحسب بل وفي مجلس الوزراء بالذات[13]".

المحاسبة دون عقاب

شكّل قرار صرف القضاة مع منحهم تعويض نهاية الخدمة ومعاشهم التقاعدي أمرا آخر لافتا. فإما هم يستحقون الصرف وكان يقتضي حرمانهم من تعويضاتهم، وإما أنهم لا يستحقونه. ولماذا تم إذا صرفهم؟  

وهذا ما أشار إليه كمال جنبلاط حين تساءل عن الهدف من التطهير إن كان الموظف يعود إلى منزله مع تعويض نهاية خدمة. فالغاية من الإصلاح هي الاقتصاص من الفاسدين لا معاملتهم كأيّ موظف آخر أحيل إلى التقاعد. وكتب في افتتاحية لجريدة الأنباء: "ما هو هذا الإصلاح الذي نقول فيه لأحدهم: "تفضل، شرّف، خذ تعويضك أو تقاعدك، وانصرف عنا، أما مالك المسروق فيبقى لك رزقاً حلالاً وملكاً شرعياً مباركاً" دون أن يحاكم الموظف ليعيد المال الذي جناه من فساده وإفساده.

خاتمة

حتى أنّ الرئيس حلو بدا نادماً على قرارات صرف القضاة فكشف في مذكراته أنّ "في هذا الجو، أصبح الإصلاح موضوع انتقادات عنيفة متناقضة من الذين صرفوا ومن الرأي العام الذي لم يقتنع أو لم يشعر بأنّ الإصلاح أحرز أيّ تقدّم، وراح ينسى أنه تناول ما تناوله من قضاة وموظفين. إذاً هذا المفهوم للإصلاح الذي جعل منه إدانة وتطهيراً كان ظالماً للقضاة بما نسب إليهم من تهم دون أن يُتاح لهم الدفاع عن أنفسهم[14]". لكنه لم يشرح الأسباب التي دفعته لتبّني قانون مجحف صوّره وكأنّه المسؤول الأول عن ما آلت اليه الأمور. ولم يتردد حلو من تحميل عهده مسؤولية فشل التطهير، فيختم في حديثه عن التطهير قائلاً: "وقد يكون من حق كل من طاوله الإصلاح وحيل بينه وبين الدفاع عن نفسه أن يردد كلمة تيموستوكل...إضرب ولكن إسمع[15]".

نشر في العدد 8 من مجلة المفكرة القانونية في تونس


[1]  مشروع رفع الحصانة عن القضاة ما زال وارداً. جريدة النهار، 31 أيار 1965، ص. 2
[2]  مشاريع نيابية وحكومية لتطهير القضاء دون اللجوء إلى رفع الحصانة. جريدة النهار، 12 حزيران 1965، ص. 2
[3]  إمهال القضاة عشرة أيام تنتهي في 19 أيلول لطلب صرفهم او احالتهم على التقاعد. جريدة النهار، 12 أيلول 1965، ص. 3.
[4]  صوّت على الموافقة خمسة هم الرئيس رشيد كرامي والوزراء إميل تيان وسليمان الزين وجوزيف نجار وجورج حكيم. وصوّت ضدها الوزراء وجدي ملاط وحبيب علم الدين (وهذان قرنا معارضتهما بالإستقالة قبلما يعودان عنها لاحقا) ومحمد كنيعو ورفيق نجا (وهذان تريثا بانتظار مراجعة المجلس الإسلامي الأعلى).
[5]  تدابير التطهير تشمل موظفي الفئات الثلاث الأولى. جريدة النهار، 22 كانون الأول 1965، ص. 2
[6]  مجلس الوزراء يتطرق لشؤون التطهير من زاويتين: خوض الصحف في الموضوع وضرورة إنجاز الإصلاح في كانون. جريدة النهار، 6 كانون الثاني 1966، ص. 2
[7]  مجلس القضاء ينجز مهمته الإجمالية بصرف 4 قضاة. جريدة النهار، 12 شباط 1966، ص. 2
[8]  وقد تطرق الوزير الراحل فؤاد بطرس إلى هذه المسألة في مذكراته كاشفاً أنه قرر ترك السلك القضائي بعد رحيل الفرنسيين عن لبنان بسبب تفشي الفساد في القضاء، بطرس، فؤاد. المذكرات. بيروت: دار النهار، 2003.
[9]  علم الدين يشرح أسباب استقالته. جريدة العمل، 18 كانون الأول 1965، ص. 1
[10]  الحكومة تذيع تدابير التطهير على دفعات. جريدة النهار، 4 كانون الثاني 1966، ص. 2
[11]  قرار مجلس القضاء يتابع تفاعله رسمياً وبرلمانياً وقضائياً. المرجع المذكور أعلاه.
[12]  خيرالله، فيليب. نحكم باسم الشعب اللبناني. بيروت: دار صادر، 2013، ص. 198
[13]  شاغوري: ستذكر الأجيال أن لبنان يولي قاضياً ليحكم بالعدل بين الناس ثم يحكم عليه دون أن يحاكم ويسمع دفاعه. جريدة النهار، 17 كانون الأول 1965، ص. 2
[14]  حلو، شارل. المرجع المذكور أعلاه، ص. 216
[15]  المرجع المذكور أعلاه، ص. 218