بتاريخ 4/7/2016 انعقدت جلسة جديدة للقضية برئاسة القاضي هاني عبد المنعم الحجار. إلاّ أن وكيل المتهم لم يحضر، كما لم تلبّ نقابة المحامين في بيروت طلب محكمة الجنايات بتعيين محامٍ لكل من المدعو يتيم والطنينة لينا حيدر. وعليه أرجأت المحكمة الجلسة إلى تاريخ 11/7/2017 وهو آخر موعد لهذه القضية قبل بدء العطلة القضائية. وللتذكير، تعود جريمة قتل جورج الريف إلى عامين. وقد قضى فيها الريف متأثّراً بجراحه بعدما تعرّض لعدة طعنات على يد المدعو طارق يتيم على خلفية إشكال حول أحقية المرور في منطقة الصيفي في بيروت أمام أعين الناس وفي وضح النهار. وقد اهتم الرأي العام بهذه القضية بعدما ثبت أن طارق يتيم كان تورط في جرائم أخرى لا تقل خطورة من دون أن يؤدي ذلك إلى إدانته. وعليه، علقت المفكرة آنذاك على القضية بأن "التدخل في القضاء يقتل". ويجدر التذكير ايضا أن المحامي أنطوان طوبيا أعلن انسحابه من جلسة المرافعة الحاصلة بتاريخ .... احتجاجا على الإتصال الذي أجراه وزير العدل سليم جريصاتي مع القاضي لمطالبته بتسريع النظر في القضية. وقد أعلن طوبيا في الجلسة السابقة رفضه معاودة حضوره في الدعوى المذكورة إلى حين اعتذار وزير العدل عما قام به من تدخّل وإساءة لجهة الدفاع.

وعليه، بدا واضحا أن تدخل الوزير الحاصل خلافا للأصول قد أساء إلى القضية وأدى إلى عرقلتها وتسريعها. فبدا أن العدالة اليوم في قضية الريف هي ضحية التدخل السافر لهذا الوزير بالقضاء.  

وبالعودة لمجريات الجلسة، نلحظ أن ثمة أجواء خاصة لهذه القضية تميزها عن سائر قضايا الجنايات. ونلحظها في إجراءات التدقيق والتفتيش، كما نلحظها في علامات الإرتباك الواضحة لدى القضاة من جراء التفاعلات الحاصلة حول القضايا. ويسجل أن هيئة المحكمة أخذت استراحة لما يقارب عشر دقائق قبل بدء الجلسة في هذه القضية.

أوعا تقرب من طارق يتيم

عناصر قوى الأمن الداخلي المنتشرون في قاعة المحكمة والذين تبدو نظراتهم في هذا اليوم كما الرادار، يرافقها إصرارهم على أن يقوم الإعلاميون دون سواهم بإطفاء هواتفهم كلياً وليس الاكتفاء بوضعه على خاصية الصامت كما هي حال باقي العامة من الناس.

قرابة الثانية عشرة والنصف، بدأ مندوبو وسائل الإعلام المختلفة بالدخول إلى قاعة المحكمة استعداداً لحضور الجلسة. لكن هذه المرة، لم تكن كسابقاتها. فقد استوقفنا عند باب المحكمة المؤهل عيد عقيقي وهو رجل ضخم أشقر الشعر مفتول العضلات لا يتردد بعرضها من خلال تني أكمامها إلى الأعلى فيما تغطي يديه الأوشام. كنا برفقة الزميلين ربيع دمج ورنيم بو خزام، حين أوقفنا ثم توجه إلى دمج قائلاً :"أنت صحافي؟" فرد دمج بالإيجاب. فقام بتفتيشه علما أن هذا الأمر يحصل عادة عند الدخول إلى قصر العدل. ثم رمقنا جميعاً بنظرة مريبة وخاطبه بنبرة شاملة وفيها الكثير من التهديد "أوعك تقرب على طارق يتيم". استوقفتنا جميعاً هذه العبارة. فقد اعتبرنا أنها موجهة لكل صحافي سيتناول هذه القضية. توجه دمج إلى عنصر آخر يقف أمام الباب وبتجاهل العارف سأله عما يقصد صديقه فرد العنصر بأنه لا يعرف.

واثناء الاستراحة التي أخذتها هيئة المحكمة، توجه المؤهل عقيقي نحو يتيم. سأله ان كان يحتاج إلى شيء، قدم له الماء ثم أشعل له سيجارة، كما أشعل سيجارة أخرى له وراح ينفثها بإتجاهنا في محاولة واضحة للإستفزاز. وأمام سلوكه المنفر، ارتأينا الخروج من القاعة ريثما يعود القضاة. فأُرسل عدد من العناصر لمراقبتنا لمعرفة ماذا نفعل ثم خرج بدوره المؤهل عقيقي وبدأ يرمقنا بنظراتٍ حادة.

ما لبث أن عادت هيئة المحكمة، وبحثت في جريمة قتل أخرى قبل أن تبدأ الجلسة في قضية جورج الريف. فحضرت زوجة جورج الريف رلى أبو صالح كما حضر وكيلها المحامي زياد بيطار ومعه المحامي بولس حنا. وأحضر المتهم طارق يتيم ومثل مغفوراً دون قيد وعلامات الارتياح بادية عليه فهو كان شبه أكيد أن الجلسة هي شكلية نوعاً ما في ظل غياب وكيله المحامي أنطوان طوبيا. أما الظنينة لينا حيدر، فلم تحضر أصلاً فتقرر محاكمتها وجاهياً.

إلاّ أنه قبل ان يأخذ القاضي أي خطوة، تدخل المحامي بيطار قائلاً: "ريّس نحن عننا موقف". فرد عليه القاضي: "طوّل بالك بعد ما أخذنا ولا إجراء. إلا إذا كان عندك موقف من محاكمة الظنينة!!". فرد بيطار بأن الموقف مبني على مجريات الجلسة السابقة.

فتابع القاضي مشيراً إلى أنه لم يرد جواب من نقابة المحامين حول كتاب المحكمة لجهة تعيين محامٍ للدفاع عن طارق يتيم، في حين أصر يتيم على البقاء على وكيله في هذه القضية. فقرر التأكيد على الكتاب السابق من أجل تعيين محام لطارق يتيم ولينا حيدر من ثم أرجئت الجلسة الى تاريخ 11/7/2016.

وهنا سجل المحامي زياد بيطار اعتراضه على إعادة إرسال كتاب إلى نقابة المحامين، معتبراً أنه "كان يجب أن يعد كلام طوبيا في الجلسة السابق بمثابة مرافعة لأن انسحابه هو نتيجة عجزه عن الكلام". تابع: "نحن تركنا للرئاسة الكريمة أن ترى مدى الضغينة التي يمارسونها مرة بعد مرة. من الإعتذار بحجة إلتهاب اللوز إلى توجه نحو وزير العدل لأنه تدخل لتصويب مسار القضية". وإذ دافع عن وزير العدل فردّ القاضي: "ما زلت تعيدنا إلى قصة وزير العدل". وقاطعه مطالباً إياه أن يحدد مطلباً واضحاً. فطلب بيطار اعتبار "عدم وجود المحامي طوبيا تمنعاً عن المرافعة ونقل الجلسة إلى الحكم" وأن "كلامه في الجلسة السابقة يعدّ بمثابة مرافعة بالدعوى الحاضرة". سجل القاضي طلب بيطار، لكنه رفع الجلسة مبقياً على ما اتخذه من قرار بالطلب إلى النقابة مرة أخرى بتعيين محاميلطارق يتيم وقال: "نكرر التأكيد على قرارنا السابق حفاظاً على حقوق الدفاع خاصة أن القضية تتعلق بجريمة قتل".

 وفور الخروج من قاعة المحكمة، توجه بيطار الى وسائل الإعلام قائلاً: "أن هذه القصة ممنهجة (أي عملية التأخير) خصوصاً أنه دائما يحصل تعطيل للدورة التي ستنعقد لإعطاء الحق". وسأل "هل سيبقى السلاح المتفلت ممنهجاً أم أن الجهة الكبيرة الداعمة للمدعى عليهم هي التي تعد الحكم الذي سيصدر بحقها؟ لكن أنا أطمئنها أن الحكم سيصدر بحقها وبحق كل الجرائم التي قامت بها والتي يتغطون خلفها". ولم ينسَ بيطار أن يشكر وزير العدل جريصاتي (رغم النتائج السلبية لتدخله في القضية) معتبراً أن "الملفات كانت عالقة وهو قام بتحريكها لإحقاق الحق لأن من واجباته الأساسية الحفاظ على حقوق البشر من القتل والسلاح المتفلت". وتابع بيطار: "نحن نقول للجاني ومن يقف خلفه أن سيف العدالة قريب وسيطالك مهما كبرت لان لا شيء أكبر من العدالة في لبنان".

وعلقت رلى أبو صالح على مجريات الجلسة قائلة: "أن المماطلة هي لصالحهم لأنهم لا يريدون محاكمة طارق يتيم وأن يتم إعدامه. يريدون الإجرام في هذا البلد". أضافت: "أكبر دليل أن وزير العدل لم يضع يده في القضية أنهم لا يزالون يماطلون "بياخدونا وبيجيبونا وبيشجعوا الإجرام".

وفي محاولة لتوقع مصير الجلسة القادمة، لفت بيطار إلى أنه "وفقا للمواد 247 و248 للقاضي السلطة الاستنسابية بإجراء المقتضى إما بالسير بالمحاكمة وهذا ما نرى أنه كان يجب أن يتم لأن المحاكمة اجريت شكلا وتمت المرافعات ووكيل الجهة المدعى عليها كان موجوداً ولكنه لم يترافع لأنه عجز عن الكلام مما يعني أنه يجب أن يتم اختتامها وأخذها إلى صدور الحكم". وتصريح بيطار للأسف لا يستقيم مع إجراءات المحاكمات التي قد تكون ذاهبة إلى مزيد من التعقيد والمماطلة.

وبذلك، تزداد قضية الريف أهمية كقضية رمزية عن مساوئ التدخل في القضاء. فكما أن الجريمة ما كانت لترتكب بوحشية لولا التدخلات السابقة لصالح المتهم، ما كان لفريق الدفاع أن يكتسب ذرائع للمماطلة فيها لولا تدخل وزير العدل جريصاتي الذي أوقع فريق الإدعاء ومعه القضية برمتها في حرج وورطة.