في عددها 23 الصادر بتاريخ 25/5/2017، نشرت الجريدة الرسمية علم وخبرا بتأسيس جمعية "الطبيعة الأم" التي تعنى بشؤون البيئة. وكان مؤسسو الجمعية لجأوا إلى القضاء بالتعاون مع المفكرة القانونية لتكريس حرية تأسيس الجمعيات، وخصوصا في المجال البيئي، لإبطال رفض وزارة الداخلية تسليمهم العلم والخبر لجمعية الطبيعة الأم على اعتبار أنه يشكل تجاوزا لحدّ السلطة. وبتاريخ 15/12/2016، أصدر مجلس شورى الدولة قراره بإجماع أعضاء الغرفة الأولى، وطبقا لمطالعة مفوض الحكومة لديه، بقبول المراجعة. وقد رضخ وزير الداخلية نهاد المشنوق للقرار من خلال التوقيع على العلم والخبر بتاريخ 17/5/2017.

وكان القرار الصادر في هذه القضية أكّد على حرية تأسيس الجمعيات. وإذ استعاد في جانب منه حيثيات الحكم الصادر في 18/11/2003 في قضية جمعية الدفاع عن الحقوق والحريات ضدّ الدولة، والذي جاء بمثابة إدانة للسياسة المعتمدة في إخضاع الجمعيات للترخيص المسبق، فإنه تضمن تطورا في زاويتين اثنتين:

الأولى، أنّه ردّ قول الداخلية لجهة أن تأسيس الجمعية لا يتمّ إلا بعد أن تقوم بالتحقيقات والإستقصاءات التي من شأنها تأكيد أن ليس من شأن هذا التأسيس تهديد الأمن والسلامة العامة. فقد ذكر المجلس الداخلية بأن الجمعية تؤسس بإرادة مؤسسيها وليس بإرادتها،

الثانية، أن المجلس اعتبر أن تحجج الإدارة بأن تأسيس الجمعية سيؤدي حتما إلى حصول شرخ كبير بين أهالي بعورتة وحصول إنشقاقات وخلافات واسعة في صفوف الأهالي لا يشكّل مبرّرا لرفض تسليم العلم والخبر، طالما أن هذا الشرخ على افتراض صحته لا يجد له سبباً في أي من غايات الجمعية أو قصداً لدى أي من المؤسسين. وبكلمة أخرى، اعتبر المجلس أن من واجب الدولة تمكين المواطنين من ممارسة حق إنشاء جمعيات حتى ولو كرهها محيطهم أو لم يكن راضيا عنها، من دون تحميلهم مسؤولية ما قد يفعله الآخرون من ردود أفعال تشكل اعتداء على حريات الجمعيات وليس مبررا لقمعها. وبذلك، ذكر المجلس ضمنا أن حرية التعبير والعمل المواطني تشمل حرية القيام بأمور لا يوافق عليها أو ربما يكرهها المتنفذون أو مجموعات من الناس أو ربما حتى الغالبية. فحرية التعبير وحرية الجمعيات تفقد معناها وسبب وجودها إذا كانت محصورة بالقيام بالأهداف التي لا تزعج أحدا.

ولو كان الأمر خلاف ذلك، لأمكن كل متنفذ في كل منطقة إحداث شغب في مواجهة جمعية معينة أو بمناسبة قيامها بنشاطاتها ليقع حلها بحجة أنها لا تتسبب بشرخ أو خلافات اجتماعية.