تعتمد الدساتير في الدول التي تتبع النظام البرلماني مبدأ انعقاد السلطة التشريعية في دورات، أي ان المجالس التمثيلية لا يحق لها ممارسة اختصاصاتها المحجوزة لها في النص الدستوري إلا ضمن المساحة الزمنية التي يشكلها العقد أو الدورة.

ومرد ذلك إلى مجموعة من الأسباب النظرية والتاريخية والسياسية. فمن الناحية النظرية، أشار الفيلسوف الإنكليزي الشهير جون لوك أن مبدأ الدورات له علاقة بطبيعة القانون الذي يتناول مواضيع عامة ويضع المبادئ الأساسية دون الدخول في التفاصيل. فالسلطة التشريعية التي تقرّ القوانين لا تمارس صلاحيتها بشكل دائم: فالحاجة منتفية إلى ذلك بحكم الغاية التي من أجلها تسن القوانين وهي غاية عامة وغير آنية لا تفرضها الظروف بشكل ملح فوري. ودور هذه السلطة يختلف عن دور السلطة التنفيذية التي تتسم بالديمومة ويكون وجودها الدائم مطلوباً نظرا لماهيتها القائمة على الحكم اليومي ومعالجة المشاكل الطارئة وتنفيذ القوانين.

أما السبب التاريخي فهو يتعلق بنشأة النظام البرلماني حيث كان الملك يقبل بانتخاب ممثلين عن مختلف طبقات الشعب من أجل القيام بوظيفة محددة مسبقا ألا وهي الموافقة على قرار الملك بفرض ضرائب جديدة وجباية الأموال لا سيما في الظروف الإستثنائية كالحرب. فالبرلمان لم يكن له أصلا وجود دائم وانعقاده كان رهينة قرار الملك الذي يحق له دعوته وتأجيله أو حتى حله. 

والسبب السياسي الذي يشرح جدوى مبدأ الدورات ظهر مع بروز الحياة الدستورية وانتظام عمل المجالس النيابية بحيث من جهة لا تخضع الحكومة للرقابة الدائمة بشكل يعيق عملها ويمنعها من الإنكباب على تنفيذ مشروعها للحكم كما يتمكن النائب من جهة ثانية من الإنصراف للإهتمام بشؤون دائرته الانتخابية.

وفي لبنان، اعتمد الدستور منذ اقراره سنة 1926 مبدأ دورات الإنعقاد. فقد أشارت المادة 32 منه على أن المجلس يجتمع في عقدين عاديين. "فالعقد الأول يبتدئ يوم الثلاثاء الذي يلي الخامس عشر من شهر آذار وتتوالى جلساته حتى نهاية شهر أيار والعقد الثاني يبتدئ يوم الثلاثاء الذي يلي الخامس عشر من شهر تشرين الأول وتخصص جلساته بالبحث في الموازنة والتصويت عليها قبل كل عمل آخر وتدوم مدة العقد إلى آخر السنة"· وللمجلس النيابي أن يمارس كل صلاحياته في الدورات العادية التي تفتتح حكما في المواعيد التي حددها الدستور دون حاجة لتدخل من السلطة التنفيذية.

من الملاحظ أن مجموع الدورات العادية في السنة الواحدة لا يزيد عن خمسة أشهر ما يطرح مسألة حدوث أمر طارئ خارج العقود العادية ما يحتم ضرورة اجتماع المجلس لاتخاذ التدابير المناسبة أو حتى ضمن الظروف الطبيعية لكن تأخر المجلس في إقرار القوانين المطلوبة يفرض انعقده لاستكمال عمله. من هنا، غالباً ما يقر النظام البرلماني بوجود دورات استثنائية تعقدها السلطة التشريعية بدعوة من السلطة التنفيذية. وبالفعل أعطت المادة 33 من الدستور اللبناني رئيس الجمهورية، بالإتفاق مع رئيس الحكومة الحق بدعوة "مجلس النواب إلى عقود استثنائية بمرسوم يحدد افتتاحها واختتامها وبرنامجها· وعلى رئيس الجمهورية، دعوة المجلس إلى عقود استثنائية إذا طلبت ذلك الأكثرية المطلقة من مجموع أعضائه"· 

جراء ما تقدم، تعتبر كل دعوة بعد انتهاء العقد العادي ودون صدور مرسوم بفتح الدورة الإستثنائية مخالفة دستورية واضحة ويجعل من تلك الدعوة في غير موضعها القانوني لمخالفتها صراحة المادة 31 من الدستور التي تعلن بشكل حاسم بأن" كل اجتماع يعقده المجلس في غير المواعيد القانونية يعد باطلاً حكماً ومخالفاً للقانون". ولا يمكن التذرع بالقول أن الدعوة استبقت صدور المرسوم كون ذلك يخالف المبادئ الحقوقية التي تعتبر أن النص القانوني بغض النظر عن مشروعيته وقابليته للإبطال إما موجود بالفعل أو غير موجود بالفعل إذ لا مكان لفئة ثالثة من النصوص تكون "موجودة بالقوة" أي فقط في عالم التوقع والإحتمال الأمر الذي من شأنه نسف كل البناء القانوني في أي دولة كانت.

مسألة ثانية تطرح نفسها تتعلق بجدول أعمال الدورة الاستثنائية، إذ يبدو أن رئيس الجمهورية يتخوّف من قيام المجلس بالتمديد لنفسه خلال تلك الدورة. فإذا كان مكتب مجلس النواب في الدوارت العادية مطلق الصلاحية لجهة تحديد جدول الأعمال هل ينطبق ذلك على الدورات الاستثنائية أيضا؟

جرت العادة في ظل الجمهورية الثالثة في فرنسا أن يتمتع البرلمان (مجلس الشيوخ ومجلس النواب) بحرية تحديد جدول أعماله بعد فتح الدورة الاستثنائية:

‘en France, quelle que fut le but d’une convocation extraordinaire décrétée par le président de la république, les chambres une fois réunies seraient libres de se saisir de toutes les questions qu’elles jugeraient utile de traiter et de résoudre’ (Eugène Pierre, Traité de droit politique, électoral et parlementaire, cinquième édition,  Paris, p. 554).

ومرد هذا الأمر إلى المادة الثانية من القانون الدستوري تاريخ 16 تموز 1875 التي تعلن فقط "لرئيس الجمهورية دعوة البرلمان إلى عقود استثنائية" بينما يختلف الوضع في لبنان كما رأينا حيث تنص المادة 33 بشكل صريح أن العقود الاستثنائية تتم دعوتها بمرسوم " يحدد افتتاحها واختتامها وبرنامجها". فمرسوم الدعوة هو الذي يحدد جدول أعمال المجلس الذي لا يحق له مناقشة أي بند غير مدرج في مرسوم فتح الدورة الاستثنائية.

وقد صدر أول مرسوم في تاريخ الجمهورية اللبنانية بدعوة مجلسي الشيوخ والنواب إلى عقد استثنائي في 7 حزيران 1926 وقد حمل الرقم 13 بحيث تم تحديد المسائل التي ستعرض في الدورة المذكورة بشكل حصري. وبالفعل قام المجلس في جلسة 15 تموز بمناقشة مشروع قانون غير وارد في مرسوم فتح الدورة فما كان من النائب شبل دموس إلا وأن اعترض قائلا: "أريد أن أتكلم من جهة القانون ألفت نظر المجلس أننا نحن في دورة استثنائية ولا يجوز البحث في أمر ما لم يكن واردا في كتاب الدعوى لهذه الدورة الاستثنائية الأمر المهم هو أن القانون يجب أن يكون محترما بحرفيته. هذا مشروع يبحث فيه المجلس ولم يرد له ذكر على الإطلاق في كتاب الدعوة. إذا كان لا بد من النظر في هذه القوانين، فمن الواجب أن تأتي حسب ما نص الدستور في كتاب الدعوة فلا يدعى برلمان إلا إلى النظر في أمور خارقة العادة. فالبحث في هذا المشروع خارج عن الموضوع وعن القانون وكل عمل يخرج عن القانون يكون تعب المجلس فيه سدى".

ولكن مجلس النواب بعد الإستقلال عاد ورفض هذا التفسير فاعتبر أن مجرد فتح الدورة الاستثنائية يطلق يد المجلس في تحديد جدول أعماله. فقد درجت الحكومات قبل اتفاق الطائف على تضمين برنامج الجلسة في مرسوم الدعوة بندا أخيرا يصاغ على الشكل التالي: "سائر مشاريع القوانين والإقتراحات والنصوص التي يقرر مكتب المجلس طرحها على المجلس بعد درسها من اللجان النيابية المختصة". وقد كان الهدف من وراء اشتراط مناقشة المشاريع والإقتراحات في اللجان المختصة، منع النواب من تقديم اقتراحات قوانين معجلة مكررة كونها تناقش مباشرة في الهيئة العامة دون مرورها في اللجان.

وقد اعترض النواب في أكثر من مناسبة على ذلك. إذ قال الرئيس حسين الحسيني في جلسة 25 أب 1997 معترضا: "هذا الموضوع قديم وليس جديدا، (...) ولكن المجلس دأب منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم على تسجيل اعتراضه ولم يأخذ بما تضمنه المرسوم من عبارات. لذلك إما أن تفتح الدورة، وإما أن لا تفتح. وعندما تفتح الدورة يصبح المجلس سيد نفسه، وليس هناك من ضرورة للنظر بما هو من قبيل اللغو الذي لا يعتد به".

وبالفعل بدءا من المرسوم 3091 الصادر في 31 أيار 2000، تمّ حذف هذه العبارة إذ أصبح البند الأخير من برنامج العقد الاستثنائي على الشكل التالي فقط: "سائر مشاريع القوانين والاقتراحات والنصوص التي يقرر مكتب المجلس طرحها على المجلس" مطلقا بذلك حرية المجلس بتحديد جدول أعماله.

لكن السؤال الذي يبقى من دون إجابة واضحة: "ماذا إذا أقدم رئيس الجمهورية على دعوة مجلس النواب إلى عقد استثنائي مع برنامج محصور دون إدراج البند المعتاد بتمكين المجلس من مناقشة "سائر المشاريع والقوانين التي يقرر مكتب المجلس طرحها". الظاهر من النص الدستوري الذي يفرض على السلطة التشريعية مناقشة برنامج محدد أن مجلس النواب يفقد قدرته على التحكم المطلق بجدول أعماله ويتوجب عليه فقط مناقشة البنود المذكورة في مرسوم فتح الدورة الإستثنائية. فلنراقب...