تعرضت صباح يوم الجمعة الموافق 26 مايو حافلة تقل أقباطاً كانوا متجهين إلى دير "الأنبا صموئيل المعترف"، بمحافظة المنيا، إلى هجوم مسلح أسفر عن مقتل 26 قبطيًا، وإصابة 25 آخرين، بحسب وزارة الصحة[1]. وقد صرح مسؤول مركز الإعلام الأمني بوزارة الداخلية المصرية، بقيام مجهولين يستقلون 3 سيارات دفع رباعي بإطلاق النيران بشكل عشوائي تجاه أتوبيس يقل عدداً من المواطنين الأقباط، أثناء سيره بالطريق الصحراوي الغربي دائرة مركز شرطة العدوة.[2]

يأتي هذا الحادث مواكبا لذكرى الأربعين، لحادث تفجير كنيستي مار جرجس بطنطا والمرقسية بالإسكندرية والذي نتج عنه استشهاد 45 وأكثر من 120 مصاباً، والذي وقع في 9 ابريل الماضي. ليكرس مشهد فشل الحكومة في مواجهة الإرهاب لاسيما الموجه تجاه المواطنين المسيحيين.

سرعة وتيرة العمليات الإرهابية وفشل الأجهزة الأمنية

بمتابعة طريق عمل التنظيم الإرهابي في التفجيرات السابقة، نلحظ تسارع وتيرة استهداف الأقباط. فقد وقع حادث الكنيسة البطرسية والذي راح ضحيته 29 مواطنا مسيحيا، في 11 ديسمبر 2016، ثم تبعه تسجيل مصور يهدد المسيحيين الأقباط في مصر، في 19 فبراير.[3] وبعد شهرين من هذا التهديد، تم استهداف كنيستي مار جرجس بطنطا والمرقسية بالإسكندرية والذي نتج عنه استشهاد 45 وأكثر من 120 مصاباً. ثم كان تفجير الباص في غضون أقل من 40 يوما.

ما يشير إلى سرعه وتيرة العمليات الإرهابية في مقابل نفس الإجراءات الأمنية التي لا تهدف إلا الى أحكام السيطرة على المجال العام، أكثر من مواجهة الجرائم الإرهابية المنظمة.

تهديدات من داعش وتحذيرات للرعايا الاجانب

جدير بالذكر أن التهديدات التي أطلقها تنظيم داعش في مطلع الشهر الجاري حيث أعلن عن استهداف مقار البعثات الدبلوماسية الغربية وتجمعات المسيحيين في مصر، بالإضافة إلى نقاط تمركز قوات الجيش والشرطة[4]، وكذلك التحذيرات التي أطلقتها كلا من السفارة الامريكية والألمانية في مصر لرعايا الدولتين، لم تمنع هذا الحادث الإرهابي من الوقوع، وكأن هذا المصير قد أصبح حتميا للأقباط، وعليهم مواجهته من دون انتظار أيّ تدخل من الأجهزة الأمنية.

فقد سبق وحذرت السفارة الأميركية بالقاهرة، قبل الحادث بيومين، رعاياها المتواجدين في مصر، من تهديد "محتمل" لـ"حركة سواعد مصر"، المعروفة بـ"حسم" الإرهابية. وكانت الحركة الإرهابية نشرت مقطع فيديو عبر حسابها بموقع "توتير"، قالت فيه إنه لهجوم على حاجز أمني بحي مدينة نصر، أسفر عن مقتل 3 من عناصر الشرطة بينهم ضابطين وإصابة 5 آخرين، مطلع مايو الجاري، وهو نفس التحذير الذي أطلقته السفارة الألمانية.

مصادرة المجال العام واستمرار الفشل

اعتمدت خطة النظام خلال العامين الماضيين على مجموعة من الأدوات المحددة لمواجهة الهجمات الإرهابية المتكررة، وهي تسريع الإجراءات المتعلقة بالمحاكمات بعد إلقاء اللوم على القضاء، وتضييق المجال العام بإدخال تعديلات تحدّ من ضمانات الحقوق والحريات الدستورية، ومحاصرة الإعلام باعتباره إحدى أدوات نشر الإحباط وتمكن الإرهابيين من عزيمة المصريين. ولم ترَ الدولة ضرورة مراجعة طريقة عمل الأجهزة الأمنية.

إلقاء اللوم على القانون والقضاء

في أعقاب اغتيال النائب العام السابق في يونيو 2015 ألقى السيسي كلمة مقتضبة أثناء الجنازة، قال فيها: "لسنا مرتبكين ولا مرتعشين ومصر على قلب رجل واحد باستثناء أهل الشر". وفي محاولة لإلقاء اللوم على القانون والقضاء، أضاف "أن يد العدالة مقيدة بالقانون" وأضاف "إحنا هنحترم القانون بس هنخليه يجابه ده والأمر ده مع السلطة القضائية، إحنا ولا مرتبكين ولا مهزوزين ولا مرعوشين في حزن آه في غضب آه غير كده لا". وفي كلمته للقضاة بعد مراسم الجنازة، أضاف "لن نبقى 5 أو 10 سنوات نحاكم الناس اللي بتقتلنا بيصدروا الأمر وهما فى القفص وبيتنفذ الحكم وإحنا قاعدين ننفذ القانون"[5]. وذلك في إشارة منه إلى بطء المحاكمات، والتي جعلها السبب الأول في عدم قدرة الدولة على مواجهة الإرهاب. ولم يشِر الرجل من قريب أو من بعيد إلى وجود قصور أمني أو معلوماتي.

وعقب ذلك، أشارت العديد من المصادر قضائية أن تعديلات قانون الإجراءات الجنائية ستشمل أن يكون الاستماع لشهود النفي إختياريا للقاضي وليس إجباريا ودرجة التقاضي أمام محكمة النقض ستكون واحدة، بالإضافة إلى تنفيذ قرارات محكمة أمن الدولة العليا من دون إجراءات أمام محكمة النقض.[6]

تعديل قوانين الإرهاب والطوارئ والإجراءات الجنائية

في أعقاب كل عملية إرهابية، كان رئيس الجمهورية يؤكد على نفس الرسالة التي مفادها أن يد العدالة مقيدة بالقانون، ذكرها عقب اغتيال النائب العام كما سبق وأشرنا ثم كررها مرتين، خلال مشاركته في تشييع جنازة ضحايا تفجير الكنيسة البطرسية في ديسمبر 2016، وبعد حادثة كنيستي مار جرجس بطنطا والمرقسية بالإسكندرية. وأثناء إقرار البرلمان لقرار فرض حالة الطوارئ الذي أصدره السيسي ووافق عليه مجلس الوزراء، تطوع البرلمان بإدخال تعديلات طالت كلا من قانون الطوارئ، وقانون الإرهاب، وقانون الكيانات الإرهابية، وقانون الإجراءات الجنائية، الأمر الذي ترتب عليه زيادة صلاحيات مأموري الضبط، والعصف بالضمانات الدستورية للمتهمين[7]

إنتقاد وتوجيه وسائل الاعلام لحثها على بث رسائل إيجابية

في عشية التفجيرات التي تعرضت لها كنيستا مار جرجس بطنطا والمرقسية بالإسكندرية في ابريل الماضي، وأثناء خطابه الذي أعلن فيه حالة الطوارئ أشار السيسي إلى ما يسميه دائما الدور المسؤول للإعلام. وقد خاطب وسائل الإعلام قائلا: "خلّوا بالكم على بلدكم ... الخطاب الإعلامي يتعامل مع الموضوع [التفجيرات] بمصداقية ومسؤولية ووعي حتى لا يؤلم الناس، مش معقول أشوف الواقعة دي بتتكرر في كل قنواتنا على مدار اليوم وانتوا ناسيين إن ده بيجرح المصريين. الواقعة حصلت وطلعناها مرة، متفضلش تتكرر طول الوقت، والتعليقات الأخرى من فضلكم اللي بتتكلم وكأن الموضوع كل الناس… خلي بالكم على بلدكم".[8]

وقال السيسي في كلمته للشعب المصري عقب اجتماع مجلس الدفاع الوطني مساء اليوم الأحد: "أرجو من كل المصريين تحمل هذا الألم، لقد أثبتم خلال الشهور والسنين الماضية صلابة يتعجب لها الناس، ليس فقط في مواجهة الإرهاب، حتى في المصاعب الحياتية، كل التقدير والاحترام لكم، لن يستطيع أحد النيل من هذا البلد بإذن الله". وأكد السيسي على ضرورة تصدي الجميع بمسؤولية لمواجهة الإرهاب، مشددا على ضرورة محاسبة المجتمع الدولي للدول التي تدعم الإرهاب.

 

[2]  الداخلية تكشف تفاصيل استهداف أتوبيس أقباط المنيا http://tinyurl.com/y6u8dm97

[3] "داعش" يهدد أقباط مصر في تسجيل جديد https://ar.rt.com/iix9

[4]  داعش يهدد مجددا باستهداف أقباط مصر http://tinyurl.com/yawya4gm

[6]  السيسي يتعهد بتشديد الإجراءات ضد الإرهاب https://ar.rt.com/gvho

[7]  الرئيس يعلن الطوارئ في مصر والبرلمان يزايد باستباحة الدستور http://www.legal-agenda.com/article.php?id=3614

[8]  السيسي يطالب الإعلام بالتعامل بموضوعية وصدق مع الحوادث الإرهابية http://tinyurl.com/y9fehy8v