تشهد بيروت منذ بداية الألفيّة الثانية تحولات عمرانية واضحة تُكمل ما بدأه مشروع إعادة إعمار وتطوير وسط المدينة بعد نهاية الحرب الأهلية اللبنانية. بالفعل، غيّر رأس المال المُستثمر في قطاع العقارات في السنوات الأخيرة الكثير من معالم المدينة وأبنيتها وأفقها وفضاءاتها وعلاقة سكانها مع أحيائهم ومناطقهم. بحسب دراسة حديثة أُعدت في الجامعة الأمريكية في بيروت [1]، هناك على الأقل 1,560 مشروع جديد بمساحة إجمالية تبلغ 9,350,186 متر مربع رُخص لها في بيروت بين سنة 2000 و2013. الدراسة، التي إعتمدت على رخص البناء كمؤشر أساسي في رصد تحولات المدينة [2]، أنتجت قاعدة بيانات مربوطة بنظام المعلومات الجغرافية GIS لتظهر إنتشار المشاريع الجديدة في كافة المناطق تقريباً.

 أما أهم إستنتاجات الدراسة فهي:

1. الموقع الجغرافي ونفوذ المطوّر العقاري، وليس نظام ترتيب الأراضي وقوانين البناء، هي المحدّد الأساسي لحجم المشاريع الجديدة. فكلما عُرفت المنطقة ”بالرقي“ والمناظر المفتوحة إزدادت أسعار أراضيها كذلك فرضية أن يكون حجم البناء الجديد فيها أكبر مما يسمح به نظام ترتيب الأراضي. فبعض أكبر وأفخم المشاريع الُمرخصة (تلك التي تفوق مساحتها المبنية الإجمالية عن 20,000 متر مربع) تقع على الساحل الغربي من بيروت في المنطقة الممتدة بين الرملة البيضا وعين المريسة وفي منطقة الأشرفية على الهضاب المطلّة على البحر. تُرجح هذه الحقيقة أن العديد من المشاريع الجديدة حصلت على تراخيص بناء إستثنائية مكّنت مطوّريها من تخطي نظام ترتيب الأراضي وقوانين البناء وإستغلال منظر البحر بهدف مضاعفة أرباحهم، وإن حصل ذلك على حساب الأبنية المجاورة وحق سكانها في التمتع بالمناظر والآفاق المفتوحة.

2. التفشي النسبي للمشاريع الكبيرة التى تشمل عملية ضم عقارات متلاصقة. حسب ما أظهرت الدراسة، هناك على الأقل 45 مشروعا في بيروت رُخص لها على أكثر من عقار متلاصق.  إستفاد مطوّرو بعض هذه المشاريع من أحكام المادة 16 من قانون البناء اللبناني 16/1971 (المُعدل سنة 2004  المتعلق بالمشاريع الكبرى، أي تلك التي تبلغ مساحتها السطحية4,000  متر مربع أو أكثر)، ومن عملية الترخيص الإستثنائي المتعلق بها. الأمر ينطبق على مبنى سما بيروت (المبنى الأعلى في بيروت) في منطقة الأشرفية الذي شُيد على عقار بمساحة5,385  متر مربع كان يتألف في السابق من 11عقاراً متجاوراً. مثال آخر هو مبنى لاسيتدال في منطقة عين المريسة الذي شُيد على عقار تبلغ مساحته 5,492 متر مربع كان في السابق عبارة عن ستة عقارات متلاصقة. هذه الأبراج الشاهقة لم تقم إي إعتبار لعلاقتها مع الأبنية المجاورة بل تجاهلتها و"قزّمتها".

3. أغلبية المشاريع الجديدة خُطِطت على أنقاض مبانٍ قديمة ونسيج إجتماعي قائم. تظهر الدراسة أيضاً أن فورة العمران في بيروت تعتمد على هدم ومحو النسيج العمراني القائم وإعادة بناء المدينة بعوامل إستثمار أعلى سمحت بها تعديلات قانون البناء المتعاقبة. فحوالي 78٪ من المشاريع رُخصت على عقارات كانت مأهولة في السابق. في منطقتي رأس بيروت وعين المريسة مثلاً، بلغت نسبة البناء الجديد المُرخص على أنقاض أبنية قديمة 81.5٪ وفي منطقة الأشرفية 82.3٪. حتماً، أدى البناء الجديد، ولا يزال، إلى تغيرات جذريّة في البيئة المبنية والإجتماعية وإلى تهجير الكثير من سكان المدينة من منازلهم وأحيائهم. فالأبراج الجديدة التي تنتشر اليوم في أرجاء بيروت تستهدف بأغلبها فئة إجتماعية أكثر ثراء من معظم القاطنيين الحاليين في المدينة الذين يجدون أنفسهم مُجبرين على الإنسلاخ عن مناطقهم والإنتقال إلى مناطق أخرى تتناسب مع إمكانيتهم المادية.

ندرة الأراضي القابلة للتطوير هي السبب الرئيسي الذي يدلي بها مطورو وسماسرة العقارات والمصرفيون لتبرير تضخم أسعار الأراضي وبالتالي كلفة السكن في بيروت. بالفعل، الأراضي الكبيرة الشاغرة ذات الإمكانية التطورية هي قليلة في المناطق الوسطية من المدينة. إلا أن ثمة عقارات متفرقة صغيرة ومتوسطة الحجم يمكن تطويرها لإنشاء مبانٍ سكنية جديدة لفئات الدخل المتوسط والمنخفض. لكن تعدد مالكيها وتفضيل مطوري العقارات للأراضي الكبيرة قد أبقاها غير مبنيّة أو مطورة بالشكل الكافي. كذلك، هناك الكثير من الأبنية القديمة المهجورة التي تحتاج إلى ترميم وإعادة تأهيل، وليس الهدم، والتي يمكن أن تساعد في سدّ حاجة ذوي الدخل المتوسط والمحدود للسكن داخل المدينة.

مما لا شكّ فيه أن بيروت بحاجة ماسة إلى إعادة النظر في ترتيبات أراضيها وقوانينها العقارية وقوانين البناء الخاصة بها وحق سكانها في البقاء فيها والتمتع ببحرها وسمائها وأمكنتها العامة. فهي لا يمكن أن تظل على حالها. التجديد الحضري هو أمر ضروري. جميع المدن تنمو وتكبر وتتغير. لكن السؤال هنا هو لأجل من ولصالح من يجب أن تتغير؟ ما هو المنحى الذي يجب أن يأخذه هذا التغير؟ من يقرر؟ التحولات العمرانية والإجتماعية التي تشهدها بيروت اليوم هي بمعظمها نتاج قوّة كبار مطوري العقارات وقدرتهم على التعامل مع القيود القانونية والإجرائية التي قد تقف في طريق مضاعفة أرباحهم. لكن إلى متى تبقى المدينة والقرارات المتعلقة بتاريخها ومستقبلها حكراً على أصحاب السلطة والنفوذ؟

نشر هذا المقال في العدد 48 من مجلة المفكرة القانونية

 

[1] للإطلاع على تفاصيل هذه الدراسة وأهدافها والمرئيات التى أنتجتها أنظر المقال الذي نشره موقع جدليّة.   
[2] تمّ الحصول على المعلومات من خلال نقابة المهندسين في بيروت، إلا أنه بسبب بعض الثغرات في قاعدة البيانات الخاصة بالنقابة تبقى الأرقام المتعلقة بعدد الرخص والمساحات المبنية والنسب المذكورة في هذا المقال غير دقيقة تماماً.