بتاريخ 13/4/2017، وبمناسبة ذكرى 42 سنة على الحرب الأهلية اللبنانية، تجمع أهالي "المفقودين والمخفيين قسرياً في لبنان"، كعادتهم في هذا اليوم من كل عام أمام "خيمة الأهالي" التي وضعت منذ 12 عاماً في حديقة جبران خليل جبران مقابل مبنى الإسكوا، لإحياء الذكرى والتذكير بأنهم لا يزالوا صامدين ومتمسكين بقضيتهم حتى الرمق الأخير، وأن قضيتهم ستبقي جراح الحرب منكوءة لا تندمل الى حين إنجلاء الحقيقة ومعرفة مصير أحبائهم.

إلاّ أن هذا العام ليس ككل الأعوام. فقد غيّب الموت في نهاية 2016 رئيس "هيئة دعم أهالي المُعتقلين في السجون السورية – سوليد" غازي عاد. وعليه وقفت رئيسة "لجنة أهالي المفقودين والمخفيين في لبنان" وداد حلواني وحيدة تخاطب المسؤولين وتناجي ضمائرهم بإسم المئات من العائلات اللبنانية وباسم صديقها غازي.

المناسبة التي بدأت بدقيقة صمت عن أرواح الذين رحلوا  بعد "مسار طويل على درب الجلجلة" أملاً بالوصول الى الحقيقة، تتابعت بتأكيد من وداد على الاستمرار، "لأن أسبوع آلآمنا مازال مستمراً، يسجله عداد السنين". وقد أعلنت بإسم اللجنة وبإسم هيئة دعم أهالي المعتقلين في السجون السورية – سوليد" و"حقنا نعرف"، عن إطلاق العريضة الوطنية للمطالبة بالكشف عن مصير الفقودين والمختفين قسراً، والتي سيصار إلى تقديمها لكل من مجلسيّ النواب والوزراء.  

ويرى الأهالي أن هذه العريضة "تحمل حل الحد الأدنى المقبول لمسألة المفقودين والمخفيين قسرياً وعائلاتهم، وتتلاقى مع إرادة التحرك الشعبي ضد التمديد للمرة الثالثة للمجلس النيابي".

وهي تقوم على نقطتين أساسيتين:

  1. جمع وحفظ العينات البيولوجية من أهالي المفقودين، تمهيداً لإجراء الفحص الجيني كمدخل أساس للتعرف على الضحايا أحياءً كانوا أم أموات.
  2. إقرار إقتراح قانون موجود في مجلس النواب يؤسس هيئة وطنية مستقلة، مطلقة الصلاحيات، مهمتها فقط البحث عن المفقودين والمخفيين قسراً أحياء كانوا أم أموات.  

 

بصلابتها المعهودة لها وقفت وداد حلواني بين بعض الأهالي وتوجهت بإسمهم الى المعنين بالدولة بدءاً من رئيس الجمهورية الذي خاطبته قائلة: "متى سيخرج حبر خطاب قسمك من حيز الورقة ويخزّ أولي الأمر لترجمته عملياً؟ متى يسمع هؤلاء الأولي أنكم بالمطلق مع أحقية مطلبنا ومع الحل المقترح بشقيه أي اقتراح قانون تأسيس هيئة وطنية مستقلة وجمع وحفظ عيناتنا البيولوجية؟"

كما سألت مجلس النواب ورئيسه "لماذا لم يدرج اقتراح قانون تأسيس هيئة وطنية مستقلة للمفقودين والمخفيين قسراً على جدول أعمال الهيئة العامة للمجلس؟ لماذا أرسلت الى رئاسة مجلس الوزراء الصيغة الأولى للمشروع، أي مشروع قانون المفقودين والمخفيين قسراً الذي كنا قد تقدمنا به بواسطة النائبين زياد القادري وغسان مخيبر بدلاً من الصيغة المعدلة، أي اقتراح القانون الدامج للمشروع الآنف ذكره ومشروع القانون المقدم من النائب حكمت ديب للغاية ذاتها؟"

معتبرةً أن "هذا التصرف الرسمي اللامسؤول أسقط وربما ألغى ما تم إقراره في لجنة حقوق الانسان النيابية خلال عدة إجتماعات خصصت لدراسته". كما سألت "هل تمّ ذلك عن طريق الخطأ أم أن الامر مقصود، وحصل عن سابق تصور وتصميم؟ في كلتا الحالتين الأمر خطير". منوهةً بأنه"مهما كانت دوافع هذا السلوك هو بمثابة تشارك في الجرم وإسهام في إطالة عذابات المفقودين وأهاليهم".

وقد كان للحكومة نصيبها من أسئلة وداد وأهالي المفقودين، فسألت: "لماذا لم يدرج مشروع الاتفاق لجمع وحفظ عيناتنا البيولوجية على جدول أعمال المجلس؟" متهمة المعنيين بتخليهم عن مسؤوليتهم في هذه القضية. مضيفة أنه: "سبق ان قُبِلت هبة من بعثة الصليب الأحمر الدولي، عبارة عن تجهيز غرفة لدى المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي تخصص لحفظ هذه العينات، لماذا يتردد وزير الداخلية في إعطاء الضوء الأخضر الى هذه المديرية لتتولى حفظ العينات التي باشرت بجمعها البعثة المذكورة؟ عسى أن لا يأتي الجواب تحت عنوان الحرص على "السلم الأهلي" الذي قد تقوضه "بزقاتنا".. نِعم سلم يهدده لعاب أهالي المفقودين".

واتهمت وداد القابضين على مقاليد الحكم بإعادة أهالي المفقودين "الى نقطة الصفر" مذكرةً بما اسمته "فضيحة صندوق التحقيقات" عندما امتنعوا عن تسليم نسخة عنه لأهالي المفقودين بحجة الحفاظ على السلم الأهلي. وتبعاً لصدور قرار عن مجلسة شورى الدولة سنة 2014، تم تسليمه أخيراً للأهالي، وقد تبين فيما بعد أنه كان جاء خالياً من أي تحقيق جدي في قضية المفقودين والمخفيين قسراً خلال الحرب الأهلية.

واعتبرت وداد حلواني أن ذكرى "13 نيسان ’تنذكر تَ ما تنعاد‘ لم نعد نراه اليوم ينطبق على أرض الواقع. فسياسة المسؤولين وأصحاب القرار تمارس عكس هذا الشعار "ما تنذكر بس تنعاد" فقد مر "13 نيسان" 42 مرة ومازال، للاسف يشهد على استمرار نهج الحرب وبشاعتها في مواقف وممارسات الحكام والحكومات المتعاقبة".

وختمت مناشدة الدولة بأن "تحمّل مسؤولياتها بحل هذا الملف، سيشكل لها خشبة الخلاص لتنهض من جديد وتقف على رجليها"، وأنها "ستثبت لاول مرة منذ نهاية الحرب أنها فعلاً لجميع اولادها دون أي تمييز".

مخيبر لا خوف على القانون

وبسؤال النائب غسان مخيبر حول ما الذي يعيق وضع هذا القانون على جدول أعمال الهيئة العامة للمجلس النيابي، اكد أن المسألة روتينية وحسب ولا خوف من بحث هذا الموضوع بتاتاً وقال:" قد مضى على القانون ثلاث سنوات وإقراره مطلب محق لكن اللغط الذي أشار إليه بيان "الأهالي" عائد الى أن إدارة المجلس ترسل اقتراحات القوانين الى رئاسة الحكومة لأخذ الرأي بموازاة تقديمها الى المجلس، وبالتالي فإن المجلس النيابي كان أسرع هنا من مجلس الوزراء. بمعنى أن النص جرى تعديله في لجنة حقوق الإنسان قبل أن يأتي رأي رئاسة الحكومة على النص الأصلي وبالتالي فإن مسار رئاسة الحكومة لا يؤثر على مسار مجلس النواب ولا خشية على استمرار المسار".

وأضاف أن: "القانون في مساره الصحيح ولكن القرار السياسي يجب أن يؤخذ. وسبق أن أخذ القرار السياسي في الإجتماع الأول للجنة حقوق الإنسان التي تضم مختلف الأفرقاء الذين كانوا متحاربين ولديهم ميليشيات. وهؤلاء أقروا النص في صيغته المبدئية في لجنة حقق الانسان ويبقى النظر في مسائله التفصيلية في لجنة الإدارة والعدل تمهيداً لعرضه على الهيئة العامة". وأكد أن "الروتين هو الذي يؤخر هذه المسألة نظراً لكثرة القوانين الموضوعة على جدول أعمال لجنة الادارة والعدل وأنه طلب من رئيس المجلس اعتباره من الأولويات ليصار الى مناقشته في أسرع وقت ممكن".

مخطوفي الجيش اللبناني: أين هم؟

وقد حضر حسين يوسف والد الجندي المخطوف لدى تنظيم الدولة الاسلامية محمد يوسف، الذكرى ووقع على العريضة. كيف لا، وهو يعيش وجعاً مماثلاً. فهو يجهل مكان تواجد ابنه ومصيره وقد تحدث قائلاً: "تنذكر وما تنعاد" علماً أننا نعيشها بإنقساماتنا وبعقولنا وبالتجارة التي يمارسها السياسيين بحقنا للأسف. فقضية بهذا الحجم تعدت الـ40 سنة لم نر التفاعل المطلوب للوصول الى حلها. وحال أهالي مفقودي الحرب يشبه حالنا فنحن نعاني منذ ثلاث سنوات تقريباً رغم أن ملفنا يختلف عن هذا الملف لما يحيط به من حيثيات معينة". ودعى السياسيين الى صحوة ما قبل فوات الأوان.  

الأعمار المسلوبة

وقد تخلل المناسبة معرض صور عن الحرب الأهلية للمصور الفوتوغرافي وسام خوري بعنوان "الأعمار المسلوبة" أو stolen lives. بين الصور وقفت زوجة ديب سعيد مطر المفقود منذ 30 عاماً، تتأملها جيداً علها تعثر على صورة زوجها الذي لا تنساه وبقيت صورته محفورة في مخيلتها طوال هذه السنوات. وعما حصل معه قالت "كان خارجاً من وظيفته في وزارة الصحة، فأخذه حزب البعث -كتيبة الاسد. قيل لنا أنه أخذ الى الهرمل ومن ثم الى بعلبك ثم اختفى بين بعلبك والهرمل ومجدليون وخلدة. توجهنا الى سوريا قالوا لنا "معتم عاسمو" سألناهم ماذا يعني ذلك؟ فجاءنا الجواب إما مؤبد إما مات، فطلبنا منهم معرفة الحقيقة والى الآن لا نزال بإنتظار الجواب".

لا تزال المرأة التي باتت في عقدها السابع متمسكة بالأمل وقد توجهت الى الدولة مطالبة "بإظهار حقنا وان نعرف النتيجة إما ميت واما على قيد الحياة حتى نرتاح. والدة زوجي توفيت بحسرتها على  إبنها وأولادي تزوجوا ووالدهم غائب. ابني الكبير أصيب بمرض الأعصاب عندما اختفى والده". وختمت بنبرة غاضبة: "كلهم مجرمي حرب وكل من شارك بالحرب الاهلية يعرف من قُتل وأين هو".

لمعرفة المزيد عن هذه العريضة و قراءتها، يمكنك إيجادها على

Facebook: حقنا نعرف right to know
وموقع: secure.avaaz.org
والرابط:  www.goo.gl/mrWnmy