أجرت المقابلات في المقالة إلهام برجس

“There are some resources that we hold in common, such as the air we breathe and the water we drink. We take them for granted, but their widespread availability makes everything else we do possible. […] Just as clean air makes respiration possible, silence, in the broader sense, is what makes it possible to think.”
Matthew Crawford, The World Beyond Your Head.

 

إفتحوا شبابيككم الآن واصغوا الى أصوات المدينة. ماذا تسمعون؟ إصغوا جيداً. هل تجلسون في منطقة سكنية أو في منطقة تجارية؟ هل تجاورون الحرش أو البحر أم أنكم محاصرون بأبنية إسمنتية سكانية؟ ما هي الأصوات اللاتي تنبع عن قطعة المدينة التي تقطنون فيها؟ من سار في شوارع بيروت، إعترضته حتماً أصوات زمامير السيارات الملحّة وأصوات أعمال البناء الدائمة المبعثرة في مختلف أنحاء المدينة. فقد وصل مستوى الضوضاء في مدينة بيروت إلى حد تغلغها في هوية هذه الأخيرة، حيث لم يعد يمكن فصلها عنها. فبيروت ليست مدينة هادئة، بيروت هي مدينة الضجة المستمرة التي تتسلل في حياتنا اليومية فيها، إلى درجة أوصلتنا إلى التسليم بالأمر وإنتهت في تغييب التفكير الجدي عن مدى تداعيات هذه الضجة على مستوى المعيشة وعلى صحة السكّان الجسدية والنفسية والفكرية على حد سواء. وإذا كان من المسلّم به أن الهواء النظيف يتيح لنا التنفس وتالياً البقاء على قيد الحياة، فإن الصمت هو ما يتيح لنا عملية التفكير. فمنافع الصمت على حيواتنا هي هائلة. وفي حين لا يمكن تقييم تلك المنافع من خلال أدوات الإقتصاد القياسي الكلاسيكية، إنما توفر الصمت في بيئة معينة يساهم حتماً ومباشرة في تعزيز الإبداع والإبتكار. وبحسب الفيلسوف الأميركي المعاصر، ماثيو كراوفرد (Matthew Crawford)، الطريق التي تقودنا نحو تحولنا الى أشخاص متعلمين تتطلب منا إستهلاكاً لكميات هامة من ذلك الصمت[1].

الآن، وعطفاً على ما تقدم، تخيلوا أنفسكم تقطنون في شارع تترصعه حانات وبارات وملاه ليلية. لياليكم كلها محكومة بوطأة السهرات والحفلات الليلية المنظمة من تلك الحانات وبحركة روّادها وسياراتهم وبعمل الفاليه باركيغ التابع للحانات. هذا الأمر لا يحتاج أي من السيدين جرجي بشير وأحمد بيضون أن يتخيله، فكلاهما يقطنان في شارع المقدسي الموازي لشارع الحمرا في بيروت، وذلك منذ ما قبل إندلاع الحرب الأهلية في منتصف السبعينيات من القرن الماضي. وقد إشتهرت منطقة الحمرا (أي شارع الحمرا والشوارع الموازية له) منذ أواخر الخمسينيات من القرن الماضي بحركتها التجارية والليلية، لا سيما بفعل إنشاء عدد من المقاهي والملتقيات الليلية فيها وإرتيادها من شباب بيروت ومن مثقفيها آنذاك. وكان بشير وبيضون قد إعتادا على الحركة في المنطقة وعلى ما أسفرت عنه من تغلغل مستوى معين من الأصوات في حياتهما اليومية.

منذ حوالي السنتين، تم إفتتاح عدد من المطاعم والحانات المتجاورة في شارع المقدسي نفسه حيث يقطن كل من بشير وبيضون، وعلى بعد بضعة أمتار فقط من مكان سكنهما. وقد تم إفتتاح معظم هذه الحانات في ما سمي بمربع ذا كورت يارد (The Courtyard)، وهو في الواقع مربع في الهواء الطلق يقابل البناية التي يسكن فيها بشير، تتوسطه أربعة أو خمسة مطاعم وحانات غير مزوّدة بأسطح حجرية أو إسمنتية، بل هي عبارة عن مربعات من دون أسطح، تحدها فقط ستائر من النايلون أو البلاستيك، وهي ترجمة لتصور للحياة الليلية تطوّر مؤخراً في مختلف المناطق اللبنانية، لا سيما في منطقة الحازمية ومنطقة ضبية أيضاً. وبنتيجة بنية هذه المؤسسات المفتوحة، وصل الضجيج الناتج عن نشاطها الليلي إلى ما يفوق حدود المعقول لمنطقة سكنية كشارع المقدسي، بحيث تعارض بشكل مفرط ويوميّ مع الحدّ الأدنى المطلوب لراحة سكان المنطقة. فالموسيقى العالية والأصوات والضوضاء المفرطة المنبثقة عن تلك الحانات بفعل مكبرات الصوت المستخدمة فيها والضجيج الهائل الذي ولّده روّادها والعاملون في خدمة ركن السيارات (valet parking)، أدت جميعها إلى حرمان سكان المنطقة، ومنهم بشير وبيضون، من عنصر السكينة الأساسي للراحة والتفكير والنوم. وأسفرت تالياً عن أضرار جسدية ونفسية ومعنوية. "كانوا يهددون حقنا بالحياة" يؤكد بشير وبيضون، مضيفاً أن أصحاب الحانات كانوا "يمارسون نشاطهم، كأننا غير موجودين".

لمعالجة الأمر، لجأ السكان بداية الى محافظ مدينة بيروت، القاضي زياد شبيب. فوقعوا بتاريخ 01/01/2016 على عريضة طالبوه فيها بتطبيق الأنظمة والقوانين المتعلقة بتحديد شروط عمل المطاعم والحانات والملاهي والمقاهي والأندية الليلية والمراقص ضمن المناطق السكنية وغير السكنية[2]. إلا أن معالجة المحافظ للأمر كانت خجولة جداً وغير متناسبة مع الضرر الناتج عن عمل حانات، لا تتمتع أصلاً برخصة إستثمار وفقاً للأصول. ففيما قامت مصلحة المؤسسات المصنفة في بلدية بيروت بتوجيه إنذارات الى المؤسسات المذكورة في العريضة[3]، بقي الأمر من دون متابعة جدية بحيث لم تمتثل أي من الحانات المذكورة بالإنذار الموجه إليها وبقيت الضوضاء المفرطة تجتاح كافة أنحاء المنطقة ومنها منزلي بشير وبيضون. "توجهنا بعدها إلى فصيلة بيروت"، يؤكد بشير وبيضون مشيرين إلى أن معالجة الفصيلة للموضوع كانت "سيئة"، "فقالوا [لنا] مثلاً ان أصحاب المحلات على حق وأن القانون يسمح لهم العمل حتى منتصف الليل خلال الأسبوع وحتى الواحدة فجراً في عطلة آخر الأسبوع وأنه لا يوجد حدّ معيّن للضجيج. تبعاً لذلك إتصلنا بالمديرة العامة لوزارة السياحة، وفي حين وعدتنا خيراً، لم نلتمس على الأرض أي نتائج تذكر".

"تخوف معظم سكّان المنطقة من اتخاذ خطوة اللجوء إلى القضاء في ظل تداول إشاعات أن أصحاب الحانات محميين" يستذكر بشير وبيضون. وتبعا لذلك، توجّها وحدهما إلى القضاء، وبالنيابة عن جميع سكان الحي، لوضع حدّ لتعدي الحانات على حقهم بالراحة وتالياً بالسكن. و"اللجوء الى القضاء ناتج عن حسّنا المدني إزاء معالجة المسألة". وعليه، تقدّما بتاريخ 09/05/2016 بإستحضار جانب قاضي الأمور المستعجلة في بيروت ضد حانة Bistro Bar الواقعة في مربع The Courtyard. وقد أدخلا فيما بعد الحانات المجاورة لها ومنها حانات La Palma وWalkman وFebruary 30 – طالبين من القاضي إتخاذ قرار بمنع تلك الحانات من وضع موسيقى صاخبة إلى حين تقديمها إثباتات ممهورة بتوقيع خبير محلف على قيامها بالأعمال اللازمة لعزل الصوت. وبمجرد تبلغ أصحاب الحانات االمذكورة، دعا وكلاء الحانات ومدير مربع ذا كورت يارد (The Courtyard) لجلسة تفاهم عُقدت في منزل جرجي بشير. وما إستوقفني خلال تلك الجلسة – علماً أنني كنت متواجداً فيها بصفتي وكيل لكل من بشير وبيضون –، أمران أساسيان: الأول هو لعبة تراشق التهم بين أصحاب الحانات أنفسهم (وهو أمر سوف يتبلور مع إمتداد الدعوى خلال الأشهر التي تلت جلسة التفاهم هذه)، بحيث عمد كل صاحب حانة إلى إتهام الآخر بقيامه برفع صوت الموسيقى لإستقطاب زبائن وتالياً للـ"مضاربة" (أي للمنافسة) على الحانات الأخرى؛ أما الأمر الثاني فهو إصرار السيدة فاطمة (وهي زوجة جرجي بشير) على إستذكار أيام شبابهم هي وزوجها، عندما كانا يسهران في بعض المقاهي والملاهي في حمرا السبعينيات، وذلك على مسمع أصحاب الحانات الجالسين في صالونها نهارها، وكأنها تحاول إفهام هؤلاء أن الدعوى لا تهدف الى الحد من ممارسة نشاطهم التجاري. فهي وبشير ليسا ضد السهر والمتعة، لكنهما يوليان في الوقت نفسه أهمية كبرى لحق الآخرين بالراحة والصمت، تماماً كما يحصل في بيروت أيام الشباب.

تبعاً للجلسة المذكورة ونظراً للوعود التي تعهد بها أصحاب الحانات لناحية وضع كواتم للصوت والى ما هنالك من إجراءات تساهم في الحد من الضوضاء، صبر السكان لأشهر عديدة ولكن من دون أي جدوى. فلم تعدل الحانات عن رفع نسبة الصوت المنبثق عنها ليلياً وإستمرت في نهجها الآيل الى توجيه مكبرات الصوت نحو الشارع لإستقطاب الزبائن، وعرضياً، لمنافسة بعضها البعض. فقرر بشير وبيضون إذ ذاك إستئناف إجراءات الدعوى تبعاً لتكليف القاضي لخبير قام بقياس الصوت في الشارع وأمام الحانات وحتى في منزلي بشير وبيضون، حيث تبين أن مستوى الصوت وصل الى أضعاف النسب المسموح بها قانوناً لتلك الساعات المتأخرة في الليل وفي مناطق سكنية مماثلة. فقرر قاضي الأمور المستعجلة في بيروت جاد معلوف، تبعاً لذلك، دعوة الفرقاء الى جلسة تفاهم في مكتبه في العدلية في محاولة منه لإيجاد حل حبي وسريع يناسب الجميع. لكن للأسف إستعاد أصحاب الحانات خلال تلك الجلسة المواقف النمطية ذاتها التي إعتمدوها خلال جلسة التفاهم الأولى في منزل بشير، أي تراشق التهم والإنتهاء في معاودة إصدار وعود وهمية لناحية الإلتزام بحد أقصى للصوت، مع الإشارة الى أن صاحب حانتي February 30 وWalkman، السيد هاني هاشم، ذهب الى حد التوقيع على إتفاقية مصالحة قضائية كان الفرقاء قد صاغوها سوياً، لإثبات نيته على الإلتزام بحد أقصى للصوت تحت طائلة تسديده غرامة إكراهية قدرها 20 مليون ل.ل. عن كل مخالفة.

وبعد صدور تقرير خبرة ثانٍ خلص الى إعتبار أن الحانات لا تزال لا تلتزم بتعهداتها المُعلن عنها في العدلية، قرر القاضي معلوف، الإنتقال شخصياً برفقة الخبير للكشف على نشاط الحانات، وقد قام بذلك فعلاً. وقد تبين له خلال الكشف أن نسبة الصوت والضجيج الناتج عن الحانات، بما فيها الحانتين الموقعتين على اتفاقية المصالحة February 30 وWalkman، لا يزال يتعدى الحد المسموح به قانوناً بأضعاف. وقد أثبت الكشف أن هاتين الحانتين عمدتا إلى مخالفة الإتفاقية مرتين في تلك الليلة؛ مرة قبل وصول القاضي، والأخرى بعد دقائق فقط من مغادرته، الأمر الذي دفع ببشير وبيضون إلى التقدم بدعوى أخرى ضدهما للمطالبة بتسديد سلفة على حساب البند الجزائي المحدد في الإتفاق القضائي المذكور.

وأمام ما شكلته المخالفات بالجملة تلك من إحتقار فادح لحق السكان بالراحة والصمت، لا بل من إحتقار للقضاء نفسه نتيجة عدم إحترامها لتعهداتها المُعلنة (والمُوقع عليها) أمامه، أصدر قاضي الأمور المستعجلة في بيروت قراراً أولاً له بتاريخ 06/02/2017، ألزم من خلاله الحانات المدعى عليها بإتخاذ ما يلزم من إجراءات لخفض الضجيج ضمن الحدود القانونية وذلك تحت طائلة غرامة إكراهية قدرها 15 مليون ل.ل. لكل واحدة منها عن كل يوم مخالفة، مستنداً إلى المعايير العامّة للبيئة والصحّة والسلامة المعتمدة من قبل البنك الدولي والى قرار وزير البيئة رقم 51/1 الصادر بتاريخ 29/07/1996 الذي حدّد الحدّ الأقصى لشدّة الصوت في المناطق التجارية والإدارية ووسط المدينة بعد الساعة العاشرة ليلاً بـ55 db، مكرساً إذ ذاك حق السكّان بالراحة. وقد جاء في الحكم أنه "من البديهي القول أن حق الملكية كما حق السكن يستتبعان حكماً الحق بالتمتع بالملك أو بالمسكن وفق الغاية المعد لها وضمن الشروط التي تؤمن السلامة الجسدية والنفسية وتوفر الراحة والصحة لصاحب الحق". وقد اضاف الحكم أنّ أي مساس بهذه الحقوق يشكل "مساساً بالحق بالملكية أو بالسكن على اعتبار أنه يؤدي الى الإنتقاص الحاد من إمكانية التمتع بالحقين المذكورين". فضلاً عن ذلك، وتبعاً للدعوى الثانية التي أقامها بشير وبيضون ضد حانتي February 30 وWalkman تبعاً لمخالفتها للإتفاق القضائي المذكور أعلاه، أصدر القاضي معلوف قراراً ثانياً بتاريخ 24/02/2017 ألزم من خلاله الحانتين المذكورتين بدفع سلفة وقتية على حساب التعويضات مجموعها 100 مليون ل.ل.

"أدت المحكمة عملها بمهنية وإنصاف [...]. فقد إستنفد القاضي كل ما تيسر له من إمكانيات لإلزام الحانات بالشروط القانونية قبل اصداره لحكمه في القضية"، يشير بشير وبيضون، مضيفين أن الضوضاء بدأت تتضاءل تبعاً لإصدار القرار المذكور. وبحسبهما المسألة تتعلق حالياً بالمرحلة اللاحقة، "بالطرح العام لها بما يتعدى حدود الدعوى التي ربحناها".

والواقع أن مسألة الحق بالصمت مغيبة اليوم عن النقاش العام. فأهميته على نوعية حياتنا هائلة، إذ أنه المكون الأساسي لعملية التفكير مثلما أسلفته. وإستدراك هذا الأمر بسيط جداً، فيكفي الإبتعاد قليلاً عن قلب المدينة لإلتماس منافعه. هذا ما إختبرته شخصياً مؤخراً تبعاً لتغيير عنوان مكتبنا من منطقة التباريس الصاخبة طول النهار الى أحد الشوارع الهادئة المتفرعة عن شارع بدارو. فمخاوف الفيلسوف الأميركي كراوفرد (Crawford) إزاء تحول الصمت إلى سلعة خاصة ثمينة يتم المتاجرة بها في الإقتصادات المعاصرة، مشروعة[4]. الصمت ليس برفاهية، هو حق أساسي ممتد من حق السكن، ومن الملفت أن لكلمة "تسكين" هنا معنيين أساسيين يساهمان مباشرة في تطوير مُدُني مسؤول.

نشر هذا المقال في العدد 48 من مجلة المفكرة القانونية


[1] Matthew B. Crawford, “The World Beyond Your Head – on becoming an individual in an age of distraction”, Farrar, Straus and Giroux, New York, First Edition, 2015.
[2] وتحديداً القرار رقم 262 الصادر بتاريخ 25/02/2009 عن وزيري الداخلية والبلديات والسياحة.
[3] جريدة "النهار"، 05/01/2016.
[4] Matthew B. Crawford, op. cit.