مساء 12/3/2017، سادت حالة سخط أوساط القضاة بعد إطلاعهم على مشروع قانون سلسلة الرتب والرواتب، الذي أقرته اللجان المشتركة ويُفترض عرضه غداً على الهيئة العامة بتاريخ 15/3/2017. وإذ دعا مجلس القضاء الأعلى تبعاً لذلك إلى جمعية عمومية للقضاء في 13/3/2017 في قاعة محكمة التمييز في بيروت، انتهى الإجتماع إلى الإعلان عن إعتكاف عام للقضاة عن العمل، وذلك للمرّة الأولى منذ 2008. وكانت المفكرة وثّقت بعض حالات الإضراب الحاصلة بمشاركة عدد من القضاة في سنوات أخرى، وتحديداً في 2013[1] و2014[2].

خلال اللقاء، جرى التداول بثلاث مسائل:

الأولى، تتصل بتحديد العطلة السنوية للقضاة بشهر واحد على أن يضع مجلس القضاء الأعلى كيفية تطبيقها. وهذا الأمر يؤدّي عمليّا إلى تقصير العطلة القضائيّة الممتدّة حاليا من 15 تموز حتى 15 أيلول، على نحو يترك تداعيات هامة على تنظيم العمل القضائي وعلى عمل القضاة والمحامين على حدّ سواء. ورغم أهمية إعادة النظر في مدة العطلة القضائية وما يترتب عنها على صعيد حقوق المتقاضين، فإنه كان من المستحسن أن يتمّ أي تعديل بأوسع تشاور ممكن مع الهيئات القضائية والمحامين، بالنظر إلى خصوصية العمل القضائي، وعلى الأقل أن يتم على ضوء المادة 5 من قانون تنظيم القضاء العدلي التي توجب التباحث المسبق مع مجلس القضاء الأعلى في كل ما يتصل بالشؤون القضائية،      

الثانية، تتّصل بتكليف الحكومة إعادة النظر بسياسات الدعم القطاعية بما فيها مساهمات الدولة في الصناديق، "عن طريق إجراء دراسة مقارنة بين المبالغ المدفوعة أو الجدوى الإقتصادية و/أو الإجتماعية الناجمة عن هذا الدعم، وذلك لجهة الإلغاء كليا أو جزئيا في ضوء نتائج هذه الدراسة". وفي حال إقرار هذا البند، يصبح من صلاحية الحكومة إتخاذ قرار بإلغاء صندوق تعاضد القضاة أو على الأقل تجفيفه من موارده. ومن المعلوم أن هذا الصندوق يضمن للقضاة موارد وخدمات اجتماعية عدة وأنه يحتلّ في ذاكرتهم مكانة هامة: فهو نشأ بفعل نضالاتهم في 1982 وشكل في بداية التسعينيات ضمانتهم الأساسية لتأمين الحدّ الأدنى من حاجاتهم وحاجات عوائلهم، بعد انهيار قيمة رواتبهم بالكامل. وعليه، وفي حال إقرار هذا المشروع، نكون أمام مخالفة لمعايير استقلال القضاء المالي وتاليا للدستور، من زاويتين اثنتين:

الزاوية الأولى، أن القضاة سيجدون أنفسهم في جانب آخر من مساراتهم المهنية، تحت رحمة السلطة التنفيذية التي باتت تتحكم بفعل هذا التكليف بإحدى ضماناتهم الحياتية الأساسية،

والثانية، أن هذا التعديل سيفتح الباب أمام تجريد القضاة من إحدى الضمانات الدستورية، وهي ضمانة الإستقلالية المالية، من دون إعطائهم ضمانات رديفة مماثلة، مما يشكل إخلالا بالدستور عملا بمبدأ عدم جواز تخفيض أي من الضمانات الدستورية من دون إيجاد بدائل موازية لها effet de cliquet.[3]     

الثالثة، الإقتراح الوارد في مشروع القانون بتحديد راتب موظفي الفئة الأولى ب (5220000 ليرة لبنانية) أي بما يزيد بحدود (1120000 ليرة لبنانية) عن راتب القاضي (درجة أولى) والذي يبلغ (4100000 ليرة لبنانية)، من دون أن يترافق بأي خطوة لزيادة رواتب القضاة كما تم تحديدها منذ أواخر 2011.

ويرسم هذا المشروع في حال إقراره منعطفاً خطيراً في النظام الدستوري والقانوني اللبنانيين. فهو يتعارض كليّا مع مبدأ فصل السلطات ومع المادة 20 من الدستور اللذين كرّسا القضاء كسلطة، الأمر الذي يفرض إعمال الموازاة بين رواتب القضاة والنواب أو الوزراء. وهو يتعارض أيضاً مع قانون 284/1993 الذي كان فصل سلسلة رواتب القضاة عن سلسلة رواتب موظفي الدولة بموجب القانون 284/1993، وذلك بهدف إعادة النظر فيها بما يتفق مع كون القضاء إحدى السلطات الثلاث. وقد ورد  في الأسباب الموجبة للقانون آنذاك اعتبارات عدة، منها تأمين استقلالية القضاء وضمان صفاء ذهن القاضي واستقطاب العناصر الجيدة والكفؤة إلى سلك القضاء

فضلا عن ذلك، تعكس هذه الإنعطافة تقييماً تشريعيّاً دونيّاً للقضاء ودوره الإجتماعيّ. فكأنما يراد القول بأن مقام القاضي أقلّ شأناً من موظف الفئة الأولى في الإدارات العامة، الأمر الذي يبرّر أن يكون راتبه أدنى من راتب هذا الأخير. وهو يشكل من هذه الزاوية رسالة إحباط للقضاة مؤدّاها فرض تصوّر دونيّ لوظيفتهم، ويدفع في الوقت نفسه، في حال إقراره، أصحاب الكفاءة إلى تفضيل العمل في الإدارة العامة على العمل في القضاء. ومن شأن كل ما تقدم أن يُضعف أيّ جهد مستقبليّ لاستقطاب أفضل خرّيجي الجامعات في القضاء، وبخاصة في ظل التعديات المستمرة على استقلال القضاء والمساعي المتواصلة لاستتباعه.

ولا يرد على ذلك بما كان أفصح عنه بعض النواب في مناقشات 2014 ومفاده تبرير الموقف من الحقوق المالية للقضاة بنقص إنتاجيتهم[4] وذلك لثلاثة أسباب:

الأول، أن هذا التقييم لا يأتي ضمن خطة واسعة لتقييم أداء الإدارات والمرافق العامة، والتي قد تظهر نقصا شاملا للإنتاجية بفعل تراجع قيم المساءلة والمحاسبة،

الثاني، أنه لا يجوز في مطلق الأحوال إنزال عقوبة جماعية. فمن لم يكن منتجا، فليحاسب. ومن كان منتجا، لا يصح بشكل من الأشكال شمله بهذه العقوبة الجماعية،  

الثالث، أن مرد النقص في إنتاجية القضاة يكمن بشكل خاص في سوء عمل الأجهزة الناظمة أو المشرفة على القضاء، والتي تتحكم السلطة السياسية بها بتعيين أعضائها وحسن أدائهم وتتحمل تاليا المسؤولية كاملة عن أعمالها.


وعلى أساس كل ما تقدم، وإذ تأمل المفكرة القانونية أن يشكل الحراك القضائي بداية لتشكيل هياكل قضائية قادرة على الدفاع عن مصالحهم المعنوية والمادية، وتاليا عن استقلالهم، فإنها تذكر في الوقت نفسه بأن أيّ مسّ باستقلالية القضاء المالية أو المعنوية يشكل تهديدا حقيقيا للمواطن، داعية السلطات السياسية إلى تصحيح الخلل الحاصل في مشروع القانون، عملا بالدستور وبمبدأ استقلال القضاء وفق ما سبق بيانه. فالمسألة المطروحة ليست مسألة فئوية تخص القضاة أو كرامتهم وحسب، بل هي مسألة وطنية ودستورية تتصل بجميع المواطنين وحقهم بالكرامة والعدالة والحرية.   

 


[1] الأبعاد الاجتماعية لقضية الإعتداء على القاضي بلال بدر: حراك تضامني للقضاة الشباب في مواجهة الهرمية، منشور على الموقع الإلكتروني للمفكرة القانونية في 17/10/2013.
[2]  نواب يصنعون هشاشة القضاء، وقضاة يردّون بالحراك والمواجهة في لبنان، منشور في المفكرة القانونية، العدد 17، أيار 2014.
[3] قرار المجلس الدستوري رقم 1/1999 تاريخ 23/1/1999: "عندما يسن المشرع قانونا يتناول الحقوق والحريات الأساسية فلا يسعه أن يعدّل.أو أن يلغي النصوص النافذة الضامنة لهذه الحريات والحقوق دون أن يحل محلها نصوصا أكثر ضمانة أو تعادلها على الأقل فاعلية وضمانة". 
[4]  نواب يصنعون هشاشة القضاء، وقضاة يردّون بالحراك والمواجهة في لبنان، منشور في المفكرة القانونية، العدد 17، أيار 2014.