على إمتداد السنوات الماضية، إعتاد اللبنانيّون رؤية طوابير المواطنين والسماسرة ترتسم على أبواب معاينة "الميكانيك"، حتى كاد المشهد يصبح مألوفاً وربما مقبولاً لهم. في الواقع، إرتسمت هذه الطوابير نتيجة فشل "شركة فال" في إدارة القطاع في ظلّ الفساد المستشري فيه، علماً أنّ الدولة لزّمتها تقديم خدمة المعاينة الميكانيكيّة منذ العام 2002. ومع ذلك، لا يزال شاغلو مراكز السلطة متمسّكين بالخصخصة كبديلٍ عن الدولة في تقديم خدماتٍ كثيرة، منها المعاينة، بما يخدم مصالح رجال الأعمال المقرّبين. هذا النهج في إدارة القطاعات نتج عن سياسةٍ إعتادتها السلطة في لبنان تتيح التحكّم بريع الخدمات عبر وسيطٍ هو الشركات الخاصة.

خصخصة هذا القطاع أخرجت ناشطي الجمعيّات والإتحادات النقابيّة والعماليّة إلى الشارع مؤخراً، فنظّموا سلسلةً من التحركات كان آخرها إقفال مراكز المعاينة الميكانيكيّة لأكثر من شهرين. وقد أتى ذلك إثر إعلان نتائج مناقصة "الميكانيك" التي فازت بنتيجتها "شركة SGS" بمبلغ 44 مليون دولار سنوياً ولمدة عشر سنوات. فطالب المعترضون بإلغاء المناقصة وإعادة إدارة المعاينة الميكانيكيّة إلى كنف الدولة، ما دفع بالقضاء إلى إتخاذ قرارٍ بوقف تنفيذ المناقصة مؤقّتاً.

قرار وقف التنفيذ

قرار ديوان المحاسبة ومجلس شورى الدولة الآمر بوقف تنفيذ مناقصة "تحديث وتشغيل محطّات المعاينة الميكانيكيّة القائمة وبناء وتجهيز وتشغيل محطّات جديدة" لم يحسم المسألة، فالمناقصة مازالت عالقة حتى اليوم. لكنّه تمكّن من إظهار قدرة القضاء وفاعليته عند الرغبة بالتصدّي للفساد.

يعتبر مضطلعون على مجريات هذه المناقصة أنّ المخالفات القانونيّة الصارخة وشروط الوقف المتوافرة في الملف ساهما في إستخلاص القرار، إذ كان من الصعب تمريرها حتى لو مارست السلطة السياسيّة ضغوطاً على القضاء. وعلى عكس وزير الأشغال العامّة ووالنقل غازي زعيتر الذي تجاهل قرار القضاء بوقف مزايدة مواقف سيارات المطار، فإنّ وزير الداخلية نهاد المشنوق لم يتحدَّ القضاء مباشرةً عبر الإصرار على تلزيم الشركة الفائزة. إذ ظهرت "هيئة إدارة السير" في واجهة الضغط من أجل تلزيم الشركة.

مصير المناقصة

لم تُحدّد مهلةٌ قانونيّةٌ لإصدار القرار النهائيّ في النزاع القائم حول قرار الإبقاء على المناقصة أو إلغائها. فقد أتى قرار وقف التنفيذ غير معلَّلٍ إلى حين التدقيق في الملف، ويمكن للقضاء أن يعود عن قرار الوقف بمجرد الإستناد إلى عدم وجود مخالفات بعد مراجعة الملف، وفق ما يؤكد المحامي والناشط في حملة "بدنا نحاسب" واصف الحركة لـ"المفكرة القانونيّة".

في المقابل، يعتبر الحركة أنّ النقاشات الدائرة داخل اللجنة الوزاريّة الحاليّة "لا يعوّل عليها في حال تمسّك القضاء بقراره، حتى لو أفضت إلى إلغاء المناقصة أو الإبقاء عليها".

مسيرة "وقف التنفيذ" القضائيّة

دار جدلٌ واسعٌ بين "الشورى" وهيئة التفتيش المركزيّ وهيئة إدارة السير حول صلاحية الأخيرة في إجراء المناقصة والمشروعيّة المتّصلة بصحّة المناقصة نفسها. إذ إعترضت إدارة المناقصات على الكثير من بنود دفتر الشروط، وطالب "التفتيش المركزي" الجهات المسؤولة بإعادة تصويب مسار الملف على إعتبار أنّ خللاً وقع في دفتر الشروط لناحية عناصر المفاضلة، ومنها فارق الأسعار. وقد أغرق المشغّل الحاليّ ("فال") "الشورى" بإعتراضاتٍ كثيرةٍ طالباً إلغاء المناقصة، كما إعترضت الشركات المستبعَدة على آليّة إجراء المناقصة، لاسيما لجهة عدم فتح الأسعار.

بموازة ذلك، قدّمت حملة "بدنا نحاسب" إخباراً إلى النيابة العامّة الماليّة في بيروت في 18 آب 2016، طالبةً التحقيق فيه ومحاسبة المسؤولين عن هذه الصفقة وإتخاذ الإجراءات القانونيّة اللازمة بخصوصها. بنتيجة جميع هذه الإخبارات، أخذ "الديوان" قراراً بوقف الصفقة، تلته "الشورى" وإتخذت قراراً شبيهاً.

في المقابل، ردّ "الشورى" المراجعة التي قدّمتها هيئة إدارة السير في 21 تشرين الأول الماضي، وطالبته فيها بالرجوع عن قرار الوقف.

مخالفات بالجملة

بنتيجة المناقصة التي إستغرق إجراؤها مدة عامين تقريباً، فازت "شركة SGS" المملوكة من هشام عيتاني، على الرغم من إرتفاع سعرها بنسبة 50 في المئة عن سواه من الأسعار المعروضة. والمعروف أن عيتاني يتمتّع بالحصريّة في معظم التلزيمات التي تجريها وزارة الداخليّة، كجوازات السفر ودفاتر السوق ولوحات السيارات، حتى ولو على حساب القانون.

من الناحية القانونيّة، برزت في هذه المناقصة مخالفاتٌ كثيرة، أهمّها تجاهل ملاحظات إدارة "التفتيش المركزيّ" على دفتر الشروط، وإستبعاد شركات قبل فتح الأسعار بحجّة النواقص الفنيّة في ملفاتهم، وعدم جمع النقاط الفنيّة مع النقاط المحسوبة للسعر قبل حسم النتيجة - وهي 60 في المئة للمعيار الفنيّ و40 في المئة للمعيار الماليّ -، وعدم مصادقة الحكومة على دفتر شروط المناقصة على الرغم من توجيه مدير عام إدارة المناقصات جان علية كتاباً إلى وزير الداخليّة في 25 تموز 2015 يؤكّد فيه أن "الهيئة" أدخلت أكثر من 60 تعديلاً على دفتر الشروط من دون موافقة المرجع المختصّ. لكن الوزير لم يتحرّك.

وذهبت المخالفات إلى أبعد من ذلك، إذ طالت اللجنة الفنيّة التي لم تتمّ تسمية أعضائها من قبل لجنة التلزيم، ومن دون طلبها، بل ضمّت أشخاصاً لا علاقة لهم بالخبرة الفنيّة، بينهم قاضٍ في "مجلس الشورى" جرى تعيينه بلا قرار تكليفٍ من رئيس المجلس. كذلك، تحضر مخالفةٌ لقانون المحاسبة العموميّة في ما يخصّ تشكيل لجنتَي التلزيم والخبراء، فبعض أعضائهما سُمّيَ من خارج اللوائح التي صادقت عليها "هيئة التفتيش". وغاب العارضون عن جلسة فتح العروض الفنيّة، إذ لم تُرسَل لهم دعواتٌ لحضورها خلافاً لأحكام دفتر الشروط. وقد رصد الإخبار الذي تقدّمت به "بدنا نحاسب" تضارباً في المصالح لدى شركة "Vivauto": إذ إنتدبتها الإدارة لمراقبة حسن سير أعمال "الميكانيك" في لبنان، وشاركت في إعداد دفتر الشروط، ثم عادت وتقدّمت في المناقصة تحت ستار شراكة "ضومط – Vivauto". بناءً على ما تقدّم، فإن جميع تلك المخالفات يرتّب بطلان إجراءات المناقصة.

ويشرح الحركة: "كان واضحاً منذ اللحظة الأولى التي وُضع فيها دفتر الشروط أنّه كان مفصّلاً على قياس الشركة الفائزة، بدليل تطيير جميع الشركات والإبقاء على شركة "ضومط" بسعرٍ قريبٍ جداً من "SGS". كان ممكناً منح الشركات مهلةً لتحسين الشروط الفنيّة والإستفادة من الأسعار المتدنيّة". وأكّد على أهمية قرارات "الشورى" النهائيّة والمبرمة، "على الرغم من أن هذه القرارات باتت لزوم ما لا يلزم بسبب ممارسات الوزراء الذين لا يلتزمون بها، كما يخالفها ديوان المحاسبة في بعض الأوقات".

ثمّة مسألة أخرى ذات صلة بالمناقصة يثيرها الحركة وهي ترتبط بالسعر المتفق عليه: "فقد حُدّد على أساس كميّةٍ معيّنةٍ من السيارات، وهي أساساً قابلةٌ للإرتفاع. ما يعني أنّ المبلغ الذي يفترض أن تتقاضاه الشركة سيرتفع تدريجيّاً مع الوقت".

نشر هذا المقال في العدد 47 من مجلة المفكرة القانونية