لبنان يتراجع، يزحل سنة بعد سنة على سلم الدول الفاسدة واللبنانيون يفقدون سنة بعد سنة ثرواتهم وبيئتهم وشعورهم بالأمان... وبالوطن... الحكومة الوحيدة التي وضعت مكافحة الفساد على رأس أولوياتها، أقله ظاهريا، في زمن ما بعد  حرب 1975-1990 كانت حكومة رئيس الوزراء السابق سليم الحص في بداية عهد رئيس الجمهورية إميل لحود (1999-2000). لكن سرعان ما انتهت هذه الحكومة إلى فشل ذريع، ظهر فيه العديد من المشتبه بهم مظهر ضحايا كيدية سياسية أو أبطال إحدى الطوائف. وانتهت هذه التجربة بخلاصة بائسة للرئيس الحص عزا فيها فشل سياسة المحاسبة لخطأ سياسي في المنهجية المعتمدة. فوفقاً له، كان يجدر إصلاح هيئات الرقابة والمساءلة قبل إطلاق عملية المساءلة بحد ذاتها. وبكلام أكثر وضوحاً، كان يتعين استخدام مصداقية العهد والحكومة في إصلاح القضاء وهيئات الرقابة قبل اللجوء إلى مكافحة الفساد. أما وأن الأمور سارت وفق أولويات مختلفة، فقد غرقت السلطة الحاكمة في وول الملفات وخسرت في نهاية المطاف معركتها وزخمها من دون أن تترك شيئاً للمستقبل.

منذ ذلك الحين، استمر الفساد في نهش المرافق العامة كافة. وقد أردنا في مقدمة العهد الجديد وعودة الحديث عن مكافحة الفساد، التذكير ببعض ملفاته الأحدث عهداً، وفي مقدمتها ملف النفايات والمناقصات الحاصلة مؤخراً ومن بينها مناقصتي موقف المطار والميكانيك. وإذ برز في بعضها تباطؤ القاضي أو تردده أمام حجم التحديات التي قد تواجه أيا من قراراته، شهدنا في بعضها الآخر تشبث الإدارات العامة في مقرراتها وتمردها الواضح والصريح ضد القرارات القضائية الصادرة بحقها. ولكن، وبمعزل عن وقائع هذا الملف أو ذاك، السؤال الأول الواجب طرحه على هدي التجارب السابقة يتصل بالمنهجية الواجب اعتمادها. فهل نكرر الخطأ الحاصل في 1999-2000 فنستخدم زخم العهد للمسارعة في فتح الملفات بتوجيه منه وتحت إشرافه أم نوجه هذا الزخم بالدرجة الأولى لفرض إصلاحات بنيوية في أجهزة الرقابة والقضاء، على نحو يضمن إصلاحاً مستداماً، فتنفتح لملفات بشكل تلقائي وعلى نحو يضمن وصولها إلى خواتيمها بمنأى عن أي استثمار أو انتقام سياسي؟

إذ نضع هذه الأسئلة برسم العهد وحكومته، تطلق "المفكرة" ابتداء من اليوم وعلى مدى الأشهر القادمة كراسات حول إشكاليات القضاء اللبناني وسبل إصلاحه في موازاة استشارات وطنية واسعة، آملة أن تنجح من خلال ذلك إلى فرض استقلالية القضاء كأولوية اجتماعية.

مقدمة عدد 47 من مجلة المفكرة القانونية