أدى أعضاء المجلس الأعلى للقضاء التونسي بتاريخ 14-12-2016 اليمين الدستورية. ورغم انقضاء شهرين بعد هذا التاريخ، لم يعقد مجلسهم أول جلساته بعد. انقسم أعضاء المجلس الأعلى للقضاء حول مجلسهم ورفضوا دخوله. اعتبر شق منهم أن اكتمال تركيبة المجلس الأعلى للقضاء شرط لانعقاده . وعليه، رفض هذا الشق أن يعقد مجلسهم جلسته الأولى قبل أن يمضي رئيس الحكومة على الترشيحات التي تقدمت له بها الهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي والتي تتعلق بمناصب يعد شاغلوها من الأعضاء الحكميين بالمجلس الأعلى للقضاء وتحديدا بمجلسه العدلي. رفض الشق المقابل هذا الطرح. واتهم جمعية القضاة التونسيين بإثارة إشكال وهمي ليتحقق لها تغيير تركيبة المجلس الأعلى للقضاء بشكل يغطّي على ما قالوا أنه خسارتها في انتخابات أعضائه. إمتنعت الحكومة عن إمضاء ترشيحات الهيئة ولم تنجح التحركات الإحتجاجية التي قادتها جمعية القضاة التونسيين في إحداث تغيير في المشهد وانتهى الأمر لانحسار تأثير هياكل القضاة في مجريات الصراع.

مع نهاية الشهر الأول من سنة 2017، كان الجمود يحكم الصراع حول المجلس الأعلى للقضاء، بعدما تبين توازن قوى طرفيه وعجز أي منهما عن فرض رؤيته على الآخر. لم يدم هذا الأمر طويلا. فبرز التدخّل السياسي المعلن في الصراع تحت يافطة ضرورة إنهاء الأزمة بتدخل تشريعي ليتسنّى إرساء مؤسسة المجلس الأعلى للقضاء أولا والمحكمة الدستورية التي يعين المجلس ثلث أعضائها ثانيا.

وجد التلويح بالتدخل التشريعي قبولا لدى الشق المعارض لترشيحات الهيئة الوقتية للاشراف على القضاء العدلي والذي بات في بياناته يطالب باستعجال اصداره فيما حاول في المقابل الشق المقابل تجنب هذا المآل فأبدى إنفتاحا أكبر على التصورات التوافقية التي كان يرفض في البداية كل حديث عنها.

طرح رئيس المحكمة الادارية ورئيس المحكمة العقارية والوكيل الأول لرئيس دائرة المحاسبات فكرة البحث عن خريطة طريق توافقية تنهي الأزمة، وقد حظيت قبل إعلان فصولها بدعم جمعية القضاة التونسيين. بدت تلك المبادرة بارقة أمل لمن يبحثون عن حلّ لأزمة المجلس داخل المجلس. لكن سريعا ما تبين نهايتها للفشل بعدما استقبلها الشق المعارض بالرفض واتهم الجمعية بالوقوف وراءها.

هل انتهت الأزمة إلى طريق مسدود؟ وهل أنها أزمة بين شقين من القضاة يتصارعون في استعادة لخلافاتهم الهيكلية؟ أسئلة قادت المفكرة القانونية لإجراء حوار مع عضو المجلس الأعلى للقضاء المنتخب عن فئة المحامين عبد الكريم راجح.

لم يكن موقف عبد الكريم راجح من الأزمة متناغما مع الهيئة الوطنية للمحامين التي حمل عميدها الاستاذ عامر المحرزي جمعية القضاة التونسيين المسؤولية على استفحال أزمة المجلس الأعلى للقضاء. اختار عبد كريم راجح أن يحمل الحكومة مسؤولية الأزمة بعدم إمضائها ترشيحات الهيئة وهو موقف لا يشاطره الرأي فيه إلا قلة من أعضاء المجلس الأعلى للقضاء من غير القضاة. لم يتبنّ كريم راجح في المقابل كامل أطروحات شق السبعة عشر الذي يحسب عليه وكشفت مواقفه المعلنة عن رؤية نقدية لمواقف رفاقه. ويعد عبد الكريم راجح بالتالي من أصوات المجلس الأعلى للقضاء التي غيبها صراع الشقين بما دفع المفكرة القانونية إلى توثيق مقاربته وآرائه بشأن أزمة المجلس الأعلى للقضاء (المحرر).

المفكرة القانونية: من يتحمل مسؤولية الأزمة التي وصل إليها المجلس الأعلى للقضاء وما هي أسبابها وفق رؤيتك؟  

راجح: للأزمة أسباب متعددة منها القانوني والنقابي -أي ذلك المتعلق بانقسامات القضاة العدليين أساسا- وكذلك الإعتبارات الشخصية أي مواقف أعضاء المجلس الأعلى للقضاء من القضاة العدليين من بعضهم البعض. بالتالي كان منطلق الازمة داخل مجتمع القضاة العدليين لكن أثرها لحق بكل المجلس الأعلى للقضاء وفرض على جميع أعضائه بمن فيهم غير القضاة اتخاذ موقف منها.

المفكرة القانونية: هل توضح لنا موقفك أكثر؟

راجح: أظن أنه كان يتعين على الحكومة أن تصدر أمر التعيين الخاص برئيس محكمة التعقيب ووكيل الدولة العام لدى محكمة التعقيب. وهذا الحلّ كان كفيلا بانهاء الأزمة قبل أن تستفحل، لكن هذا لم يتحقق. فقد اختارت الحكومة لإعتبارات سياسية أن تبحث في الأزمة عن منفذ لتدخلها في المجلس الأعلى للقضاء بمساندة شق على حساب الآخر.

المفكرة القانونية: هل يعني هذا أنك تحمل الحكومة مسؤولية الأزمة؟

راجح: بالطبع أكيد ، بدعوى الحياد مارست الحكومة الإنحياز وساهمت في تعطيل تركيز المجلس.

المفكرة القانونية: نريد توضيحا لموقفكم. أنتم قدرتم أن حل الأزمة كان في إمضاء أوامر ترشيحات الهيئة. كيف ذلك ونحن نعلم أن الشق المعارض لترشيحات الهيئة ممثلا بالسيد خالد عباس وعددا من أعضاء المجلس الأعلى للقضاء من المحامين كان هدد بالاستقالة في صورة إمضاء تلك الترشيحات؟

راجح: أنا اعتبر أن الحكومة كان من واجبها أن تكون قوية وتطبق القانون ولا تخضع لتهديد أي طرف. في الواقع الحكومة كانت تساند الشق الذي دعاها لعدم إمضاء الترشيحات وكان بإمكانها أن تضمن إنطلاقة المجلس لو اكتفت بإمضاء أمري التعيين الذين تحدثت عنهما في البداية. أي أن ما كان يطلب منها موقف سياسي يحترم القانون بأن تمضي على الترشيحات التي لم تكن قانونيتها محل منازعة وترفض الإمضاء عن غيرها فتنتصر للقانون لا لأحد الشقين.

المفكرة القانونية: ماذا عن بقية عوامل الأزمة التي ذكرتها في البداية وهل كان لها دور في مزيد تعميقها؟

راجح: أريد أن ألاحظ في البداية أن سبب الأزمة الأساسي يظل السبب القانوني أي امتناع الحكومة عن الاضطلاع بدورها. لكن هذا لا ينفي تداخل أسباب أخرى في صناعة الأزمة وهي أساسا تهم أعضاء المجلس الأعلى للقضاء من القضاة وتحديدا القضاة العدليين بالأساس وعلى علاقة بصراعاتهم النقابية.

المفكرة القانونية: وصلنا اليوم إلى أن انعدمت كل أشكال الحوار بين الشق المعارض لترشيحات الهيئة والوقتية للإشراف على القضاء العدلي والشق الذي يطالب بإمضاء تلك الترشيحات. بداية كيف هي خريطة توزيع أعضاء المجلس بين الشقين؟ وهل هناك شقان فقط داخل المجلس كما يبرز في الصورة؟ وهل أن الأزمة انتهت فعلا لحالة يستحيل معها التواصل؟

راجح: يبدو الصراع في الواقع بين شقين. لكل منهما موقف صارم فيما تعلق ترشيحات الهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي. إلا أن النظر في تركيبة المواقف في المجلس يكشف أن هناك شقا ثالثا يسعى لتصور حلول للخروج من الأزمة قد لا ترضي أيا من الشقين الكبيرين وتحقق لكل واحد منهما جزءاً من مطالبه.

أنا وعدد آخر من أعضاء المجلس نجد أنفسنا في شق من يتمسكون بشرعية ترشيحات الهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي، ولكننا في نفس الوقت لا نقبل بالتشدد في المطالبة بإمضاء كل تلك الترشيحات. ونحن شق متنوع مكون من قضاة وغير قضاة ونحاول أن ندفع للخروج من الأزمة. لكن للأسف هذا الشق لم يجد رأيه أي صدى وظلّ الخطاب الإعلامي يحرص على اختزال المشهد في شقين فقط  ويبدو لي هذا متعمدا لاعتبارات سياسية.

المفكرة القانونية: كيف ترى مخرجات الأزمة؟

راجح: أتمنى أن تنتهي الأزمة إلى اعتماد الحل الذي نقترح أي الحل الذي أسميه بشبه القانوني والذي يحقق جزئيا طلبات الشقين ويرفع مؤاخذاتهما ويتمثل هذا الحل كما أسلفت في إمضاء الحكومة للترشيحين (أي ترشيح الرئيس الأول لمحكمة التعقيب وترشيح الوكيل العام لدى محكمة التعقيب) وهو حل يمكن أن تنطلق في إثرها قافلة المجلس الأعلى للقضاء دون أن تكون محملة بآثار سلبية للصراع السابق. لكن أظن أن الأمور تسير بسرعة لمنع تحقيق هذا الحل من خلال استعجال الحكومة طرح فكرة المبادرة التشريعية.

المفكرة القانونية: هل يمكن أن توضح لنا المقصود بالمبادرة التشريعية؟

راجح: الحل التشريعي فيما يبدو سيمس أمرين: أولهما، الجهة المخول لها دعوة المجلس الأعلى للقضاء للإنعقاد وثانيهما تحديد النصاب القانوني لانعقاد المجلس. ستحاول السلطة السياسية اسناد صلاحية دعوة المجلس الأعلى للقضاء لغير رئيس الهيئة الوقتية للاشراف على القضاء العدلي بما ينهي إستحالة تحقيق تلك الدعوة قبل تعيين الرئيس الأول لمحكمة التعقيب. كما يرجح أن تنقح الأحكام التي تتعلق بنصاب انعقاد المجلس الاعلى للقضاء أي الثلثين عند صدور أول دعوة ونصف الاعضاء في الدعوة الثانية.

المفكرة القانونية: هل لديكم في شقكم تصور لما سيكون موقفكم في صورة نجاح السلطة السياسية في تمرير مبادرتها التشريعية التي ينتظر كما تؤكد تسريبات إعلامية أن يصادق عليها مجلس الوزراء قريبا؟

راجح: نحن نقدر أن المبادرة التشريعية ستكون انتصاراً كلياً من السلطة السياسية لموقف الشق المقابل ومحاولة منها لتغليبه وهو نوع من خرق القانون بالقانون ومؤشر خطير على تدخل السلطة التشريعية في السلطة القضائية ويخشى منه كثيرا خصوصا في ظل غياب محكمة دستورية تنظر في دستورية مثل هذا التدخل التشريعي.

أما في خصوص موقفنا من هذه المبادرة متى تحولت إلى قانون نافذ، فإن السؤال لم يطرح بعد. لكن أرجح أن يذهب بعض أعضاء المجلس الأعلى للقضاء للحلول القصوى والتي تتمثل في الإنسحاب من عضوية المجلس. فيما ينتظر أيضا من جانب آخر أن يتعامل مع القاعدة القانونية باعتبارها ملزمة وأن يواصل النضال من داخل المجلس الأعلى للقضاء لفرض استقلالية القضاء.  

وقبل ذلك، سنحاول تحسيس نواب مجلس نواب الشعب بخطورة الموضوع وسنسعى لتحقيق مساندة  المجتمع المدني لموقفنا المبدئي. ومع كل هذا لا زال لدي أمل في أن نصل داخل المجلس المجلس الأعلى للقضاء إلى حلول تنهي الأزمة. وسيتحقق هذا بكل يسر لو تفطن زملاؤنا بالمجلس الاعلى للقضاء لخطورة التدخل التشريعي على مكانة مجلسنا وعلى قيم استقلالية القضاء التي يحميها وغلبوا التوافق على ذلك وهو أمل سنعمل على تحقيقه.