بتاريخ 9/2/2017 وتحت شعار "أوقفوا سياسة قضم حرش بيروت" نظمت جمعة "نحن" وعدد ومن المنظمات الأهلية اعتصاماً، دفاعاً عن حق أهالي بيروت والضواحي بآخر المساحات الخضراء في مدينة، المتمثل بالحرج  بعد أن تحولت المدينة مع مرور الوقت الى كتلة إسمنتية زادت من تلوث هواءها. المعتصمون الذين نزلوا الى الأرض دفاعاً عن الحق بالبيئة الصحية، في مواجهة ثلاثة قرارات لبلدية بيروت تتعلق بالحرج ، من بينها إنشاء مستشفى ميداني في المكان. وقبل المباشرة بإلاعتصام جوبه الناشطون من قبل مجموعة من شبان المنطقة الذين تعرضوا لهم بالضرب في محاولة لثنيهم عن متابعة تحركهم. بعض الناشطين أطلق على هؤلاء لقب"شبيحة السلطة". والبعض الآخر قال عنهم "زعران". وقد سارعت وسائل الإعلام، بما فيها المفكرة القانونية، إلى التنديد بهذا الإعتداء.

تبعا للنشر، اتصل بالمفكرة المخرج زياد عيتاني (وله مسرحية طريقة الجديدة) الذي رغم تفهمه لأهمية الحرج، لفت إلى وجوب التنبه أيضا إلى حق مواطني طريق الجديدة بالصحة وغيرها من الحقوق. فلا نرى في المعترضين على المظاهرة مجرد معتدين، إنما أيضا شبانا أتوا يدافعون عن حقهم وحق أهاليهم بالصحة التي من المرجح أن يؤمنها المستشفى الميداني. والواقع أنه لطالما اقترن ذكر "طريق الجديدة" عبر وسائل الإعلام بحالات الإشكالات الفردية، أو حرق الدواليب والمشاكل، لكن فعلياً لم يسبق لأي من هذه الوسائل أن أضاء فعلياً على واقع هذه المنطقة ومصدر الغضب بين أبنائها. ولعل قضية "حرش بيروت" كانت المحرك للإستماع لأهالي هذه المنطقة وماذا يريدون.

وعن المنطقة وحاجات أهلها، قال عيتاني: "إن منطقة طريق الجديدة بما يحيطها من مخيمات باتت تضم حوالي 400 ألف نسمة. وهؤلاء لا يوجد لديهم سوى مستشفى المقاصد العاجزة، عن إيفاء الحاجة الطبية للناس فيما لا يوجد مستوصف للعلاج. في السابق كانت هناك مستشفى الميدان العسكري في كلية الهندسة لكن بعد عشر سنوات، لم يعد هذا المكان أيضاً قادراً على تلبية الناس، وكان لا بد أن يُنقل الى مكان آخر". وتابع عيتاني منتقداً من يصب اهتمامه على الشجر دون البشر ودون أدنى دراية بأهالي المنطقة: "قبل الحديث عن الحرج، هناك صحة الناس الذين يقطنون هناك فالطبابة أولوية لدى المواطن. فهل قام أحد بالاطلاع على حاجات الناس في هذه المنطقة؟ هناك مقاربة خاطئة قضمت حق الناس وظلمتهم. كلنا نريد المساحات العامة، ولكن أود السؤال، الملعب البلدي الذي يرفضون إزالته رغم أنه تحول الى ثكنة عسكرية يمنع الدخول اليها، ما هي الفائدة منه؟ أليس من الأفضل أن يتحول الى مجمع تجاري mall ويقوم بتأمين الوظائف لأهل المنطقة عوضاً عن البطالة؟".

عيتاني انتقد تركيز الإعلام على رأي المتظاهرين دون أن يؤخذ رأي أهالي المنطقة وقال:"يجب أن يتم مقاربة الأمور من ناحية شاملة. كان من المفروض فتح مستشفى شبيهة بمستشفى الجامعة الأميركية. كانت الجامعة العربية تنوي انشاءها بدل الموقف ولكن لا يوجد تمويل. فلماذا لا تعمل المنظمات المدنية على تمويل مشروع طبي أو صحي لأهالي طريق الجديدة ومحيطها وعلى أساس ذلك يتم المحافظة على الحرج ؟". 

تابع:"إن أهالي طريق الجديدة في حالة يرثى لها وفي العشر سنوات الأخيرة، لا نجد تقريراً واحداً على التلفزيون يتناول حاجات أهالي المنطقة. لا يطلون على الإعلام إلا عندما يحرقون دولاباً، ولكن هل يعرف أحد ماذا يحصل في السبيل، والرواسي والفاكهاني؟ هل يعرف أحد عن معاناة هذه المنطقة من البطالة؟ اذا كانت الغاية تشجيع الناس على الذهاب الى الحرج، يجب الإطلاع على حاجات هؤلاء الناس". لا يتحدث عيتاني بإسم أهالي طريق جديدة ولكن كونه ابن المنطقة وناشطا يعرف خباياها، يختم كلامه "الذي يريد أن يعمل على الحقوق والوضع الإنساني فعليه أن يتناول كافة الجوانب".

قد تؤيد أو تعارض خيارات عيتاني. لكن اعتراضاته بليغة جدا، تُعيد إلى الواجهة مسؤولية الدولة والإدارات العامة في إيجاد توازن مرضٍ بين حقوق المواطنين ومصالحهم، وفي وضع تصاميم تنظيم مدني يوفّق بين هذه الحقوق. فالتوازن الجيد بين هذه الحقوق والمصالح يبقى المسؤولية الأكبر للمواطنين والضمانة الأولى لتحقيق الوئام فيما بينهم. فكما ليس لمدينة أن تحيا من دون مساحات خضراء، للأحياء أن تتمتع بما تحتاج إليه من ضمانات لحياة كريمة. أما وأن الإدارات العامة أهملت هذه المسؤوليّات وتنكّرت لها، فإننا نجد أنفسنا أمام مشروع فتنة جديد بين المطالبين بالمحافظة على آخر مساحات خضراء في مدينة تكاد تصبح مجمّع باطون، والمطالبين بالحقوق الإجتماعية لأحياء مدقعة بالفقر والحرمان ويقطن فيها مئات ألوف الأشخاص.