كانت الجلسة العامة لمجلس نواب الشعب المسائية ليوم 08-12-2016 في جزئها المخصص لمناقشة فصول مشروع قانون المالية العامة لسنة 2017 الخاصة بالإصلاحات الجبائية الكفيلة بالحد من ظاهرة التهرب الضريبي للمشتغلين بالمهن الحرة جلسة إستثنائية بالنسبة للحكومة التي وجدت نفسها وحيدة داخل مجلس مضطرب. كما كانت جلسة إستثنائية أكدت للمتتبعين أن خطاب الإنتماء القطاعي بات الخطاب الأكثر نفوذا في تونس.

حكومة الأغلبية في حماية "بعض" من الأقلية

منح مجلس نواب الشعب التونسيّ بتاريخ 26-08-2016 ثقته لحكومة الوحدة الوطنية بأغلبية 194 نائبا من نوابه البالغ عددهم 217. استندت الحكومة في برنامج عملها لوثيقة قرطاج التي توافقت عليها أهم الأحزاب والقوى الإجتماعية بتونس وأمضتها بتاريخ 13-07-2016. إستنادا لتلك الوثيقة التي فرضت "إجراء إصلاح يوسع القاعدة الجبائية"[1]، ضمّنت الحكومة مشروع الموازنة العامة لسنة 2017 الذي تقدمت به لمجلس نواب الشعب التونسي تصورا لآليات تحدّ من تهرّب المشتغلين بالمهن الحرّة من الإضطلاع بالواجب الضريبي. كان يفترض أن يحظى مسعاها هذا بدعم سياسي من الأغلبية بالمجلس التشريعي خصوصا وأن الإتحاد العام التونسي للشغل والإتحاد التونسي للصناعة التجارة والصناعات التقليدية المنظمتين النقابيتين الأهم اشترطا لقبولهما بالإجراءات الاستثنائية التي تضمنها مشروع قانون المالية إصلاح جباية المهن الحرة[2].

فوجئت الحكومة التي حضر ثلاثة من وزرائها جلسة النقاش العام بمعارضة الأغلبية من نواب الشعب للإصلاح المقترح، مقابل مساندة قلة من النواب مكوّنة في أغلبها من غير الحزام النيابي الداعم للحكومة له. نجحت الأغلبية في إسقاط الفصل 29 من مشروع قانون المالية الذي كان يفرض أن يعتمد المحامون في الأعمال التي يباشرونها إعلامات نيابة متسلسلة تتضمن معرفهم الجبائي وتحتكر المطبعة الرسمية للبلاد التونسية طباعتها. كما أسقطوا مقترح إخضاع الوصفات الطبية لواجب التنصيص على المعرف الجبائي وفق ما كان يفرضه  الفصل 30 من مشروع القانون. حاولت الحكومة أن تجد لنفسها آليات تحقق ما طُلب منها من إصلاحات جبائية، لكن العصبية القطاعية منعتها من ذلك وكشفت لها أن للقطاعات قوة وعليها أن تنصت لها.

القطاعية عصبية تحكم المواقف

غابت عن جلسة نقاش الفصلين 29 و30 من مشروع قانون المالية الصدامات بين نواب الأغلبية ونواب المعارضة. وحضر محلها صدام بين نواب يوالون قطاع المحاماة والأطباء ونواب عددهم محدود بعضهم يحسب سياسيا على المعارضة يستنكرون تحول المجلس النيابي لساحة صراع قطاعي.  صاغت الأغلبية في تلك الجلسة خطابا يشيد بدور المحاماة التاريخي في التصدي للإستبداد. وقاد رئيس الجلسة النائب عبد الفتاح مورو هذا التيار فكان يتيح الكلمة لزملائه من المحامين الذين ينتقدون مشروع القانون في مقابل نهره لغيرهم من النواب[3]. جمع الدفاع عن المصالح القطاعية نوابا لم يسبق أن اتفقوا فكانت بذلك العصبية القطاعية تتفوق على غيرها من العصبيات. ويؤكد هذا الأمر أن القطاعية التي تطور خطابها في تونس بعد الثورة باتت بديلا عن الخطاب الجهوي[4] الذي ساد قبلها بما يفرض إيلاء تطورها اهتماما يمنع من إفسادها لديمقراطية لم يشتد عودها بعد.

نشر هذا المقال في العدد 7 من مجلة المفكرة القانونية في تونس


[1] ورد في الباب الرابع من وثيقة قرطاج والخاص بالتحكم في التوازنات المالية ومواصلة تنفيذ سياسة إجتماعية ناجعة  أنه على حكومة الوحدة الوطنية " القيام بإصلاح جبائي على أساس العدالة وتوسيع القاعدة الجبائية."
[2] يراجع نص الاتفاق المبرم بين الحكومة والاتحاد العام التونسي للشغل بتاريخ 07-12-2016
[3] في آخر الجلسة وبعد  تمام مناقشة الفصول المتنازع في شأنها والتصويت على صيغتها النهائية تقدم النائب عبد الفتاح مورو باعتذار علني  عن سوء ادارته للجلسة التي وصفها نواب الشعب بكونها اسوأ جلسة في تاريخ مجلس نواب الشعب ويلاحظ هنا ان صفحة مجلس نواب الشعب المخصصة لتغطية مجريات تلك الجلسة لم تنشر مجرياتها في خطوة ذات دلالة .
[4] تتهم السلطة السياسية قبل الثورة بتمييزها لجهة الساحل التونسي التي ينتمي لها القادة السياسيين على بقية الجهات  و أدى هذا لتطور شكل من العصبية الجهوية في الخطاب السياسي التونسي