فى ظل استمرار السياسة الممنهجة التى تتبعها السلطات المصرية لقمع المنظمات الحقوقية والمدافعين عن حقوق الانسان والتى تصاعدت بشكل ملحوظ فى الآونة الاخيرة واتخذت أشكالا متعددة منها المنع من السفر والحجز على الحسابات البنكية للمؤسسات والمدافعين عن حقوق الانسان والتشوية الاعلامي المستمر ووصفهم بأنهم عملاء وأعداء للدولة، فقد جاءت دعاوى الحسبة السياسية كإحدى صور القمع التى بدأ النظام ومريدوه فى استخدامها ضد المدافعين عن حقوق الانسان من أجل معاقبتهم على نضالهم المستمر من أجل حقوق المواطنين. وتقدم دعاوى الحسبة من خلال تقدّم أحد المواطنين ببلاغ للنيابة العامة باتهام أحد المدافعين بارتكابات زائفة. وللنيابة إذ ذاك أن تقوم بالتحقيق فى الموضوع وتحيله للمحكمة أو تحفظه، وذلك إستناداً للقانون رقم 3 لسنة 1996[1]، قانون تنظيم إجراءات مباشرة دعوى الحسبة فى مسائل الأحوال الشخصية.

فقد تقدم أحد المحامين المعروفين بتملقهم للنظام ببلاغ للنائب العام يتهم فيه المحامية الحقوقية "ياسمين حسام الدين" بدعم الإرهاب والتسبب في استشهاد رجال الشرطة والجيش والمدنيين بعد اتهام الشرطة المصرية لأحد موكلي المحامية بتفجير الكنيسة البطرسية بتاريخ الأحد 11 ديسمبر 2016. وقد أسفر التفجير عن استشهاد 25 شخص وإصابة 31 آخرون بالكاتدرائية المرقسية بمدينة القاهرة. وكانت الحقوقية سبق لها أن دافعت عن المتهم بالتفجير وحصلت على قرار بإخلاء سبيله صادر من المحكمة. إلا أن النيابة العامة لم تقم حتى الآن بالتحقيق فى البلاغ.

وفي الإتجاه نفسه، يسجّل اتهام النيابة العامة للمحامى "محمد رمضان" المهتم بالدفاع عن أفراد من تنظيم الاشتركيين الثوريين والتنظيمات الثورية الأخرى بمدينة الإسكندرية بسب وقذف رئيس الجمهورية وعدد من القيادات الأمنية بالمدينة والإنضمام لجماعة مؤسسة على خلاف القانون (الاشتركيين الثوريين)، على خلفية كتابات له على صفحته الشخصية على الفيس بوك، وذلك بعد أن تقدم أحد المحامين ببلاغ ضده ناسباً غليه كل هذه الإرتكابات. وقد قامت النيابة العامة بالتحقيق معه وحبسة لمدة يومين قبل إخلاء سبيله بكفالة 10.000 جنيه. 

ويلاحظ فى الحالتين السابقتين أنه تم اتهام المحاميين على خلفية أداء واجبهما المهني فى الدفاع عن متهمين معارضين للنظام. ويأتي هذا بالتزامن مع ما يواجهه المدافعون عن حقوق الإنسان فى مصر من قبل المؤسسات الحكومية من قيود غير مشروعة لممارسة حقوقهم فى حرية الرأي والتعبير والحصول على المعلومات وحرية تكوين الجمعيات والتجمع السلمى والتنقل. وقد شكلت هاتان الحالتان أول الحالات التى استخدمت بها دعاوى الحسبة فى التعرض للحقوقيين ومحاولة اتخاذ إجراءات قانونية ضدهم عن طريق مواطنين من خارج المنظومة الحكومية، مما يشكل انذاراً بأن هذا قد يتحول إلى نهج للتعرض للمدافعين عن حقوق الإنسان وحرياته من قبل أفراد غير حكوميين فى أجواء يسودها التحريض من جانب الإعلام الرسمي والمستقل على السواء ضد الحقوقيين وسواء كانت هذه التصرفات صادرة من الأفراد بشكل منفرد أو بتواطؤ من الدولة.

وكانت قضايا الحسبة دينياً استغلت من جانب المحافظين والمتشددين وأصحبت قيداً على حرية الفكر والابداع وموجهة بشكل خاص ضد الكتاب والمبدعين. وكانت قضية تفريق الدكتور نصر حامد أبو زيد عن زوجته أحد أهم قضايا الحسبة ومثالا صارخ على قمع الفكر فى المجتمع المصري ،بعد اتهامه بالرده على أثر تأليفه لكتاب "مفهوم النص"، وعلى أثر تقديمه بحثاً بعنوان "نقد الخطاب الديني" للحصول على درجة الأستاذية عام 1995. وعلى أثر هذه القضية صدر القانون رقم 3 لسنة 1996 الذى سحب من الأفراد حق رفع الدعاوى مباشرة أمام القضاء وحصر هذا الحق للنيابة العامة وللافراد فقط حق إبلاغ النيابة العامة بما يرونه وللنيابة التحقيق فيه وتحيله للمحكمة أو تحفظه. ومنذ 2004، دخلت الصراعات السياسية نطاق دعاوى الحسبة. وبدلاً من دعاوى التفريق الزوجية، أصبح التخوين والمطالبة بسحب الجنسية أحد التقاليد التى يتبعها المتملقون للسلطة وجزءاً من محاولات النظام لتشوية المعارضين كما حدث مع الدكتور سعد الدين ابراهيم والدكتور محمد البرادعى والنشاط وائل غنيم. إلا أن هذه الدعاوى لم توجه ضد المدافعين عن حقوق الانسان إلا بالفترة الأخيرة.

ويأتي هذا الأمر في سياق مساعي الدولة لتجريم أنشطة المدافعين عن حقوق الإنسان والتضييق على منظمات المجتمع. وقد رصد تقرير صادر عن الشبكة العربية لمعلومات حقوق الانسان[2] 85 حالة اعتداء ضد المدافعين عن حقوق الإنسان بمصر فى عام 2016 فقط. كما أقر البرلمان المصرى في نوفمبر 2016 مشروع قانون الجمعيات الأهلية متجاهلاً رفض عدد كبير من قبل منظمات المجتمع المدني والمنظمات الأهلية وبعض الأحزاب السياسية له، حيث يتناقض القانون مع الدستور المصرى و إلتزامات مصر الدولية في إطار الإتفاقيات الموقعه عليها. ويعد هذا المشروع تجميداً غير معلن لنص المادة 75 من الدستور[3]. هذا فضلاً عن اصدار القانونين رقمي 8 لسنة  [4]2015،والقانون رقم 94 لسنة [5]2015 واللذين لقيا انتقادات قانونية وحقوقية واسعة نظراً لتضمنهما تعريفات وعبارات فضفاضة للارهاب، وتشديد للعقوبات. وهو ما تراه منظمات المجتمع المدني أنه يستهدفها  بشكل خاص، نظراً لسهولة ادراج أي من تلك المنظمات أو المؤسسات - وهي التي لا تروق أنشطتها للنظام بطبيعة الحال- على قائمة الكيانات الارهابية. كما يستهدفا الحق في حرية الرأي و التعبير وحق التنظيم وتكوين الجمعيات، وفقاً لنص الماده الأولى من القانون الأول التى توصف اي كيان بأنه ارهابي لمجرد الدعوة بأي وسيلة إلى ما تعتبره السلطات اخلالاً بالنظام العام واضرارا بسلامة المجتمع. إضافة إلى أن فقرات المادة تضمنت بعض المصطلحات الفضفاضة مثل منع وعرقلة السلطات والاضرار بالبيئة والاضرار بالوحدة الوطنية وتعطيل المواصلات وكلها مصطلحات فضفاضة وغير محددة يمكن اتهام أي شخص بها وفقا للتقديرات الشخصية للافراد الحكوميين.

ويبدو أن سياسة النظام المصرى الرافضه لسماع أى اصوات مخالفة لأبواقه الاعلامية قد بدأ ينتهجها أفراد غير رسميين (حكوميين) تملقاً للسلطة وطمعاً فى مكتسبات لهم قد تعود بالسلب على المدافعيين عن حقوق الانسان عن طريق استخدام هولاء الافراد لدعاوى الحسبة والتقدم بشكاوى للنيابة العامة بتهم كيدية ملفقه للتنكيل بالمدافعين عن حقوق الإنسان والنشطاء ومنعهم من ممارسة عملهم.

 

[1] - تنص المادة /1من القانون " تختص النيابة العامة وحدها دون غيرها برفع الدعوى فى مسائل الأحوال الشخصية على وجه الحسبة، وعلى من يطلب رفع الدعوى أن يتقدم ببلاغ إلى النيابة العامة المختصة يبين فيه موضوع طلبة والأسباب التى يستند إليها مشفوعة بالمستندات التى تؤيده .... "
[2] -  تقرير ( رهائن ) يوثق أوضاع المدافعين عن حقوق الإنسان في مصر ، في عام 2016 ، http://cutt.us/ZE0Qg
[3] - تنص المادة 75 من الدستور المصرى " للمواطنين حق تكوين الجمعيات والمؤسسات الأهلية على أساس ديمقراطى، وتكون لها الشخصية الاعتبارية بمجرد الإخطار. وتمارس نشاطها بحرية، ولا يجوز للجهات الإدارية التدخل فى شئونها، أو حلها أو حل مجالس إداراتها أو مجالس أمنائها إلا بحكم قضائى..."
4- القانون رقم 8 لسنة 2015 الخاص بالكيانات الإرهابية الصادربتاريخ 24 فبراير2015  .
[5] - القانون رقم 94 لسنة 2015 الخاص بمكافحة الإرهاب بتاريخ 15 أغسطس 2015 .