لو أقفل الإنسان في لبنان باب العالم الخارجيّ على نفسه، وسمع للمرة الأولى "نشيد العودة" (إنتاج الرابطة المارونيّة)، لما تردّد في القول بأنه أغنيةٌ من الأغاني التي تناصر حقّ الفلسطينيّين في استعادة أرضهم المحتلّة. فيروز، و"جسر العودة".

الصور ميلودراميّة المرافقة للأغنية تستدعي الواقع الإنسانيّ في الحرب السوريّة، أمّهات وأطفال وأحياء وموتى ودمار، تتداخل مع صورٍ بهيّة من "الأرض السوريّة"، تتداخل فيها المآذن مع الكنيسة، والآثار مع الطبيعة، ويحلّ الدمار كلّ حين. الكلمات ترجمة حرفيّة للقصيدة. والقصيدة، رغم معرفتها بأن الدمار يحلّ في الصورة والقذائف تنفجر، ارتأت أن تأتي على لسان اللاجئين. نحن، اللبنانيّين، نقول عن السوريّين: "هذي أرضنا (جامع وقلعة / كنيسة ومدينة محفورة بالصخر، ثم جامع)، شمسنا (مشاهد أثرية يعبرها شعاع الشمس)، هواؤنا (كنيسة)، حقلنا (جنينة وقبّة)، بيتنا (منطقة سكنيّة)".

النشيد الذي أصدرته الرابطة مؤخراً ضمن مؤتمرٍ نظّمته حول موضوع عودة اللاجئين السوريّين إلى بلادهم، يبدو وكأنه استدعاءٌ لمعاني الأغاني المؤكّدة على حقّ العودة الفلسطينيّ، وهو حقٌّ ينطلق من طبيعة المصيبة التي تسبّبت باللجوء، أيّ "الإحتلال الإستيطانيّ". ورغم الإختلاف الجليّ بين السرديّتين الفلسطينيّة والسوريّة، يمكن رصد نقاط تلاقٍ من وجهة النظر اللبنانيّة الداعية إلى إنهاء اللجوء أو محاصرته دائماً أكثر: اللجوءان المدنيّان تليا أو ترافقا مع وجودٍ عسكريّ مسلّح وحاكم. "منظمة التحرير الفلسطينيّة" و"الجيش العربي السوريّ". فاستفاقت في الرابطة تروما قديمة ومتداخلة، استعادت الخطابات المتوترة كلها، وتميّز النشيد بينها بعاطفيّةٍ صارمة، يصادر الصوت ليضع هاجسه هو، "جلاء" اللجوء السوريّ، على رأس أولويات اللاجئين /ات السوريّين /ات. وقد كان ذلك ليكون "ممكناً" أو أقل سرياليّة لو توجّه للجوء الفلسطينيّ، فمعظم الحصار القانونيّ له تمّ باسم "حقّ العودة". وهو مطلبٌ فلسطينيّ خارج السياق اللبنانيّ، غنته فيروز في واحدٍ من أشهر الأدبيّات المناصرة للشعب الفلسطينيّ. أما إلى سوريا فالعودة دونها وقف الحرب، على أقل تقدير.

بعد 1982، غادرت الثورة الفلسطينيّة لبنان، بسلاحها وقوّتها وثقلها. بقي اللاجئون في مخيمات التنك، حوالي 450 ألفاً منهم، تحت وابلٍ من الممنوع. نسبةٌ عالية غادرت لبنان ما أن امتلكت إلى ذلك سبيلا، بينما بقيت كلمتان تزنّران السعي لتليين الممنوع: "رفض التطوين". عنوانٌ يصون "حقّ العودة". حقٌّ فلسطينيّ تلقّط به الخطاب الرسميّ اللبنانيّ ليحاصر اللجوء باسم الحرص عليه. هنا، مع سوريا، اللجوء لا يطالب بحقٍّ صادرٍ عن الأمم المتحدة، وإنما نهاية الحرب.

الحرب السوريّة ليست حرباً ضد الوجود السوريّ في سوريا، وانما هي حربٌ فيه. الطرد ليس لبّ المصيبة، وإنما هو أحد نتائج الحرب. العالم على أرضها وفي سمائها، الدول والأحزاب والحشود والجيوش والآلهة والحسابات. وقفُ الحرب هو المطلب الإنسانيّ إذا شاءت الكنيسة التخفّف من معارك السياسة. وإذا كانت قد أنتجت أغنيةً في هذا السياق، لامتلكت مدخلاً أرحب إلى صدر التعاضد الإنسانيّ، ورفعت صوتاً محقّاً في حربٍ ضارية، وسرّبت في آن رغبتها بخروج اللاجئين بسلاسةٍ لن تخفى على أحد لكنها لن تتسبّب بالدهشة كالحال أمام "نشيد العودة". فالجسم الأساسيّ للجوء السوريّ هنا مكوّنٌ من ناسٍ لا يؤخرهم نقصٌ في حبّ الوطن عن دراسة إمكانية العودة إلى البيوت، وإنما الأمن.

لا مبرّر للإنفعال النشيديّ في التأكيد على أن "الأرض لنا والسما سماؤنا (شارع وسيارة، ثم منطقة أثرية / سوق الحميدية مزدحماً بالمعروضات، ثم مطعم بباب توما)، أولادنا أحفادنا لن نرضى إلا أن يعيشوا بيننا (أطفال يلعبون في غرفة أمام التلفزيون)، لاااا، لن نكون مشردين (أطفال يأخذون المساعدات)، هذا حقنا، نريد أرضنا (تمثال في ساحة تقابل قاسيون)". ثم، لا مبرّر لرفع صيحة مجروحة تطالب: "فليسمع العالم.. لااااا لاااااا لاااا لا لا لااااااا لاااااا لاااااا لن نستكين لن نستكين لن نستكين". خاصةً وأن الأمل، بين اللاجئين /ات، هو في الإستكانة. مهما كان موقف لبنان من اللجوء، ومهما كان الأمر الذي سيقع على أهل اللجوء، لا يستقيم ولا يبدو مقنعاً (ناهيك عن مقبولاً!) أن يوضع على لسان اللاجئ/ة طموحاً يعاكس المشتهى في اللجوء. "لن نستكين"، واللجوء يؤلمه عدم الإستكانة.. خاصة وأن تعبئة اللاجئين الفلسطينيين نحو الإصرار على العودة كمطلبٍ مؤسّسٍ ليست صالحة هنا. ففي الحالة السوريّة، ننتظر جميعاً جيوش سوريا وإيران وروسيا والسعودية وتركيا وأميركا وأوروبا و... ليقرأوا المصير. نحن كنا على وشك أن ننتظر نهاية هذه الحرب لنتملك رئيساً. ولبنان لا يستضيف اللاجئين بأوراقٍ رسميّةٍ وتطبيعٍ، كالحال في ألمانيا مثلاً. لبنان لا يمنحهم حتى الإقامات التي تنظّم اللجوء بما يخدم الطرفين. لا داعي للهلع وتأكيد حبّ الوطن. لعلّ اختفاء الحديد والنار من سماء الوطن سيكون أكثر "إستكانة" لنسبةٍ عالية من لاجئي الخيم. رغبة النشيد بأن يأتي مفعماً ووطنياً وحساساً أسكنت أمنيات أصحابه في عيون اللاجئين واللاجئات. فبدا المشهد مربكاً.

النشيد بالكاد سمعته قلّة، ولا يغنيه أحد. مرتبكٌ بين مراده ولسانه. لكنه أوصل رسالة: أنتم تشتهون الرحيل عنّا. هذا حلمكم. وكمّ أنتم محقّون بالتمسّك به. ثم يختتم النشيد بصور أطفالٍ حزانى، يبكون، مشحّرون، الخيم في البقاع والشمال، المجتمع المرتجل أمام الخيم، السيّدات المحجبات، الرجل بالعقال والكوفيّة، فصورة جامدة لإمرأة معها طفل ولافتة: we want to go home، شكّلت مدخل العبرة التي كتبت في أخر الفيديو كليب: "العودة حقٌّ وواجب"، بينما يحضر أسفل الصورة شعار الرابطة المارونية، بالقرب من عنوان: "النازحون السوريون... طريق العودة / المؤتمر الوطني حول النزوح السوري"، والصورة لخيمٍ بألوان العلم السوريّ.

الرابطة دبلجت حكي اللجوء السوريّ. للفم السوريّ ألف مطلبٍ تستحقّ حاجته الآن، بينما الصوت حمّله هاجساً يُسكت كلّ المطالب. "جسر العودة" في زمانها تكاملت مع الصوت الفلسطينيّ، وتملّكها. أما "نشيد العودة" فلا حاجة له: رافضو اللجوء لا يحتاجون إلى توريةٍ ليحكوا، وحال اللاجئين لا تتسع لهذا النشيد. إن إختلاف الموضعة فيهما بين فيروز و"الرابطة المارونيّة" يختزل كلّ الإختلاف.